تنجيم رأس السنة: حين يُدار يأس الشعوب بوهم الغيب!
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/02 كانون الثاني/2026
كلّ رأس سنة، يتكرّر المشهد نفسه في لبنان، كطقسٍ ثابت لا يتبدّل: شاشة تلفزيونيّة، منجّم، توقيت محسوب بدقّة، وسيلٌ من الكلام يُقذف دفعة واحدة في وجه شعبٍ متعب، قَلِق، ومعلّق على حافة المجهول. لا مفاجأة في الأمر، ولا أيّ سحر في الظاهرة. ما نشهده ليس انفجارًا عفويًّا للخرافة، بل نتيجة طبيعيّة لتراكم طويل من الاحتلال، الفقر، القهر، وانعدام الأفق.
حين تغيب الدولة، وتتآكل المؤسّسات، ويصبح الاقتصاد هشًّا لا يُنتج إلّا القلق، ويتحوّل السياسيّ إلى مصدر خيبة لا أمل، يبحث الإنسان، غريزيًا، عن أيّ سرديّة تُخفّف وطأة السؤال الأكبر: ماذا بعد؟ هنا، بالضبط، يجد التنجيم أرضه الخصبة. لا لأنّه يقدّم حقيقة، بل لأنّه يقدّم وهمًا منظّمًا، سهل الهضم، قابلًا للاستهلاك السريع، ويمنح شعورًا زائفًا بالسيطرة في عالمٍ خرج كلّه عن السيطرة.
في المجتمعات المستقرّة، حيث المستقبل ليس مثاليًّا لكنّه قابل للتخيّل، يُستهلك التنجيم بوصفه تسلية موسميّة، أو مادّة خفيفة على هامش العام الجديد. أمّا في مجتمع مأزوم، فيتحوّل إلى بديلٍ عن التحليل، وإلى لغة موازية للسياسة، وأحيانًا إلى مرجع. لبنان، للأسف، نموذج مثالي لهذه الحالة. فرأس السنة هنا ليست مجرّد انتقال زمني، بل لحظة نفسيّة جماعيّة هشّة، تختلط فيها نهاية ما لم يُنجز ببداية ما لا يُعرف. في هذا الفراغ، لا يعود السؤال: لماذا يظهر المنجّم؟ بل لماذا لا يظهر؟ وحين يظهر، لا يُسأل عمّا يقول، بل يُصغى إليه بوصفه من يجرؤ على الكلام عن مستقبلٍ لم يعد أحد يجرؤ على تخيّله.
لكن ما يُقدَّم على أنّه “تنبؤات” لا علاقة له بالغيب، ولا حتّى بالحدس. هو تقنيّة لغويّة وإحصائيّة معروفة. الإغراق بالعدد (Statistical Flooding) هو الأساس. حين يُطلق المنجّم مئات العبارات في وقت قصير، يضمن إحصائيًّا أن يصيب بعضها، لا لأنّه يعرف، بل لأنّه غطّى كلّ الاحتمالات الممكنة. في إحدى إطلالاته رأس سنة 2025، أطلق أحدهم مئات “النبوءات” عن لبنان وحده، بلغ عددها نحو 365 نبوءة خلال 32 دقيقة، أي بمعدّل نبوءة كل ستّ ثوانٍ تقريبًا. من يستطيع ملاحقة هذا الكمّ؟ من سيُدوّن؟ من سيُراجع؟ هنا، بالضبط، تُدفن المصداقيّة تحت ثقل العدد، وتتحوّل الذاكرة الجماعيّة إلى أداة انتقائيّة لا تتذكّر إلّا ما يُعاد تداوله لاحقًا.
غير أنّ الأخطر من العدد هو اللغة نفسها. اللغة المستخدمة ليست بريئة، بل مصمَّمة بعناية لتحمّل أكثر من تفسير (Ambiguity by Design). لا زمن واضح، لا فاعل محدّد، ولا نتيجة قابلة للاختبار. “اهتزاز”، “انكشاف”، “صدمة”، “تغيير في المعادلات”. كلمات مطاطيّة، صالحة لأيّ حدث، في أيّ وقت. فإذا وقع اشتباك قيل إنّه المقصود، وإذا حصل اغتيال أُعيد ربطه بالكلام نفسه، وإذا لم يحدث شيء أُعيد تأويل العبارة على أنّها سياسيّة أو معنويّة. الكلمة هنا لا تُخطئ، لأنّها منذ البداية لم تُحدّد شيئًا.
ويزداد الأمر فجاجة حين يجتمع الشيء ونقيضه في الجملة نفسها: نجاح وفشل، صعود وانطفاء، لعب الورقة أو عدم لعبها. عبارات محصّنة ضدّ المحاسبة، لأنّها قادرة على التكيّف مع أيّ نتيجة لاحقة. وحين لا يحصل شيء أصلًا، لا مراجعة ولا تصحيح ولا اعتراف. الصمت يُغطّي الفشل، والذاكرة تتكفّل بالنسيان. وقد أجرينا دراسة كاملة على مجمل “نبوءات العام 2025”، فكانت النتيجة صادمة: صفر في المئة منها دقيق، نحو 40% قابل للتأويل، والـ 60% الآخر غير صحيح بالكامل، ولم نجد له أيّ أثر طيلة العام.
ومن الأمثلة على ذلك:
تنبّؤ أحدهم بأنّ الموفد الأميركي آموس هوكشتاين “راجع ديبلوماسيًّا إلى لبنان ليتفقّد إنجازاته، وليستفقد شخصًا عاطفيًّا، وسيبقى يروح ويجي”. والسؤال البسيط: هل سمع أحد بهوكشتاين في لبنان، أو بأيّ دور له في الشأن اللبناني، بعد انتهاء عهد بايدن؟ كذلك قوله إنّ “الرئيس نجيب ميقاتي ما بيتقفّى عن ولا معادلة إلّا إذا هوّي قرّر يتقفّى”، فيما خرج ميقاتي من المعادلة دون رجعة، في وقت كان متمسّكًا بالبقاء وموعودًا به. أمّا العبارة الأشهر فكانت توصيف اللواء الياس البيسري على أنّه “ورقة ربحانة انلعبت أو ما انلعبت”، أي الشيء ونقيضه، مع العلم أنّ اسمه اختفى كليًّا من التداول، لا ربحًا ولا خسارة.
في هذا المشهد، لا يمكن تجاهل دور الإعلام. حين تُقدَّم هذه الإطلالات بلا أيّ تحذير، وبلا مساءلة، وبلا مقارنة بين ما قيل وما حصل، يتحوّل الإعلام من ناقل إلى شريك في تكريس الوهم. ليس المطلوب منع أحد من الكلام، بل وضع الكلام في سياقه الحقيقي: “ما يُقال ليس علمًا”، و “لا تحليلًا”، و “لا معرفة بالغيب”. “هو خطاب غير مثبت”، قائم على الاحتمال واللغة الملتبسة، ويجب أن يُقدَّم كذلك.
قد يستفيد من هذا الخطاب أكثر من طرف: جمهور يائس يبحث عن طمأنينة، إعلام يبحث عن نسب مشاهدة، وربما قوى تعرف أنّ إدارة الخوف أسهل حين يُغلَّف بالغيب. لا لأنّ أحدًا يؤمن فعلًا بالتنجيم، بل لأنّ الجميع أضعف من أن يواجه الحقيقة في ظلّ غياب الوعي النقدي. هذا المقال لا يُكتب ازدراءً للناس، بل دفاعًا عنهم. لأنّ أخطر ما في التنجيم ليس أنّه كذب، بل أنّه يُقنع الإنسان بأنّ مصيره خارج قدرته، وأنّ الانتظار أرحم من الفعل، وأنّ الغد يُقرأ بدل أن يُصنع. حين نُصفّق للمنجّم، لا نفعل ذلك لأنّه أصاب، بل لأنّنا تعبنا من التفكير. المستقبل لا يُبنى في الأبراج والتبصير، ولا يُفهم في العبارات الملتبسة. يُبنى حين نُصرّ على مساءلة من يتكلّم، وعلى محاسبة مَن يدّعي، وعلى حماية عقلٍ جماعيّ لم يعد يحتمل مزيدًا من الأوهام. وأنا إن كتبت، فلأنّي أحبّ شعبي، وأرفض أن يُدار يأسه على الهواء مباشرة.