عيد الطوباويّ الأخ إسطفان نعمة المعترف
الياس بجاني/30 آب/2025
الرهبانيات المارونية ودورهم في تاريخ لبنان
الرهبانيات المارونية اللبنانية هي قلب الروحانية المارونية وعمودها الفقري منذ القرون الوسطى وحتى يومنا هذا. في أديرة جبل لبنان، انطلقت حركة التبشير، والتعليم، وحماية الإيمان المسيحي، وصون الهوية اللبنانية في وجه الغزوات والاحتلالات. كان الرهبان الموارنة ولا يزالون رعاة الأرض وحماة الكلمة، زرعوا الحقول وسقوا الكروم، كما علّموا الأجيال ونسخوا الكتب، وربطوا لبنان بالكرسي الرسولي في الفاتيكان. ومن رحم هذه البيئة الروحية وخصب هذه الأرض المقدسة، خرج قديسو لبنان: شربل، رفقا، نعمة الله، إسطفان نعمة، وغيرهم، ليشهدوا أن لبنان هو حقًا أرض القداسة والبطولة الروحية.
ولادة الطوباوي إسطفان نعمة
وُلد يوسف إسطفان نعمة في 8 آذار 1889 في بلدة لحفد – جبيل، في عائلة مؤمنة مكوّنة من ستة أولاد. نشأ في بيئة جبلية زراعية بسيطة، وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة في مدرسة القرية، ثم في مدرسة سيّدة النعمة في سقي رشميّا التابعة للرهبانية المارونية. منذ طفولته، ظهرت عليه علامات التأمل والصلاة والعزلة، فكان يردّد في قلبه العبارة التي ستصبح شعار حياته: “الله يراني”.
دخوله الدير للرهبنة
بعد وفاة والده بسنتين، وفي عمر السادسة عشرة، قرّر يوسف أن يكرّس حياته لله. فدخل سنة 1905 دير مار قبريانوس ويوستينا – كفيفان، التابع للرهبانية اللبنانية المارونية. عند دخوله، اتّخذ اسم إسطفان، تيمنًا باسم والده وشفيع بلدته. وبعد سنتين من الابتداء على يد الأب اغناطيوس داغر التنوري، أبرز نذوره الرهبانية في 23 آب 1907، ليبدأ مسيرة طويلة من الجهاد والصلاة والعمل في خدمة الدير.
شخصيته وممارساته
تميّز الأخ إسطفان بشخصية متواضعة، صامتة، عميقة الروحانية. كان راهبًا عاملاً لا يعرف الكسل، قوي البنية، يمارس أعمال الحقول، النجارة، والبناء، بإتقان وصمت. جمع بين العمل والصلاة، فكان يقوم قبل الفجر ليصلّي، ثم يتوجّه إلى حقول الدير. البسمة لم تفارق وجهه، والهدوء والرزانة طبعا كل سلوكه. أحبّ الأرض وعرف قيمتها، فكان يقول: “الفلاح سلطان مخفي”. عاش متقشّفًا في طعامه ولباسه، زاهدًا بكل متاع الدنيا، متعلّقًا فقط بالله والعذراء مريم التي كان يردّد مسبحتها بلا انقطاع.
عجائبه
منذ حياته كان يفيض على من حوله بالسلام والمحبة، وبعد موته ظهرت عجائب عديدة بشفاعته:
شفاءات من أمراض مستعصية.
مساعدة الفقراء في سنوات الجوع والحرب العالمية الأولى.
حفظ جسده سليمًا بعد وفاته سنة 1938، وهو ما زال إلى اليوم علامة واضحة على قداسته.
وقد وثّقت الكنيسة هذه الأعاجيب في ملف تطويبه، وأصبحت سببًا في انتشار تكريمه بين المؤمنين في لبنان والخارج.
وفاته وتطويبه
رقد الأخ إسطفان بسلام في 30 آب 1938 في دير كفيفان، عن عمر 49 سنة، بعد حياة غنية بالصلاة والعمل. دُفن في دير كفيفان إلى جانب القديس نعمة الله الحرديني. بدأ التحقيق في قداسته سنة 2001، وفي 17 كانون الأول 2007 صدّق البابا بندكتوس السادس عشر على فضائله البطولية. ثم أعلن تطويبه في احتفال مهيب في لبنان يوم 27 حزيران 2010، ليُصبح رابع قديسي الرهبانية اللبنانية المارونية بعد شربل، رفقا، ونعمة الله.
أقواله
ترك الأخ إسطفان كلمات قليلة، لكنها تلخص عمق روحانيته:
“الله يراني” (شعار حياته الدائم).
“هنيئًا لمن تزيّن بالعلم الذي يقود إلى الله”.
“المحبّة لا تحتاج إلى علم، لأنّها من القلب تخرج”.
أثره الإنجيلي
ترك الأخ إسطفان أثرًا إنجيليًا خالدًا: فهو مثال الراهب البسيط العامل، الذي لم يكتب كتبًا ولا وعظ خطبًا، لكنه بشّر بقداسة صامتة، وبإنجيل يُقرأ في وجهه وسلوكه. إن حياته كانت شهادة صامتة على أن القداسة ليست في العظمة الخارجية بل في الأمانة اليومية البسيطة: صلاة، عمل، محبة، طاعة، فرح.
لذلك يُعتبر اليوم شفيع العمّال والمزارعين، وشفيع كل من يسعى بعرق جبينه ليعيش بكرامة.
الخاتمة
الأخ إسطفان نعمة هو فلاح الأرض وفلاح القداسة. حياته تعكس مسيرة الموارنة ورهبانهم في لبنان: جهاد، تضحية، عمل وصلاة، ارتباط عميق بالأرض وبالسماء معًا. إنه صورة حيّة للبنان الرسالة، لبنان القديسين، لبنان المتجذر في الإيمان، والمرفوع دومًا إلى الله.
*الكاتب ناشط لبناني اغترابي
عنوان الكاتب الألكتروني
Phoenicia@hotmail.com
رابط موقع الكاتب الألكتروني
https://eliasbejjaninews.com