الشيعة اللبنانيون في المعادلات الجديدة الكولونيل شربل بركات/03 نيسان/2025
الشيعة اللبنانيون التائهون اليوم متى سيتوقفون عن الدوران في دوامة فارغة ومتى سيفهمون بأن المستقبل تصنعه الارادات لا الشعارات وأن التطلع إلى المستقبل وبناءه على أسس متينة أفضل بأف مرة من اجترار المواقف البالية والتمسك بأوهام لم تأت إلا بالسؤ ولم تجر سوى الخسائر؟..
يجري الحديث في مراكز الدراسات الاستراتيجية حول الحلول المعقولة لمستقبل منطقة الشرق الأوسط وشعوبها والتي تخفف من الشعور بالظلم ضمن مختلف المجموعات البشرية الحضارية، ومن جملة الطروحات هناك مشروع تنظيم لحقوق هذه المجموعات في حدود هذه الدول، التي كانت نشأت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يسمح العالم للأنظمة الديكتاتورية التي تحكمت فيها، ولا قوة جيوشها أو نظرياتها الشمولية أو مشاريع التوسع التي اعتمدتها، بتغيير هذه الحدود أو تبديل أي منها حتى الآن، لا بل وعندما فرضت الولايات المتحدة بعض أوجه الحلول في العراق بقي الأكراد، الذين سبق وعانوا لا بل قاوموا تسلّط الرئيس صدام حسين وتحالفوا نوعا ما مع القوى الغربية، كجزء من العراق ولكن بتحوّل مناطقهم لنوع من الحكم الذاتي ضمن دولة العراق الفدرالية التي ضمت منطقة سنية ومنطقة شيعية، ولم يسمح لهم على ما يبدو، عندما حاولوا القيام باستفتاء على الانفصال، بنجاح هذه التجربة.
اليوم وعند الحديث عن سوريا التي سقط فيها نظام الأسد ومعه نظريات البعث الوحدوية لا بل التوسعية نحو لبنان من جهة والعراق من جهة أخرى، ها هي قوى التطرف السنية التي قلبت حكم الرئيس الأسد لا تتمكن من فرض سيطرتها الكاملة على سوريا، التي بقي فيها الأكراد وقواهم المنظمة في الشمال، كما انطلق الدروز في الجنوب تحت حماية أخوتهم في دولة اسرائيل ودعمهم لحقوقهم في الحكم الذاتي، ولا تزال مناطق العلويين تعاني من بعض القهر، لا الذي سببه فقط ظلم نظام الأسد واجرامه بحق معارضيه، إنما أيضا بسبب تعنت الاسلاميين “المنتصرين” بدعم السلطان أردوغان ومشاريع بعض فلول النظام الإيراني من بقايا الفرقة الرابعة أو الرواسب المتشيعة كحزب الله وغيره من المليشيات الإيرانية. فهل سيكون الحل السوري مثل الحل في العراق أي قيام نظام فدرالي يضم مناطق خاصة بالأكراد والعلويين والدروز والسنة وربما المسيحيين أيضا، إذا ما تخلوا عن التعلق بالوحدة وتنظّموا كبقية المجموعات ضمن منطقة يمكن أن تصبح جزءً من مناطق الحكم الفدرالي؟
وهل ستنتقل العدوى إلى إيران بعد سقوط نظام الملالي حيث يشعر الأكراد والأذريين والبلوش والعرب والفرس بضرورة ابراز أثنيتهم وتحقيق انعكاس وجههم الحضاري على النظام السياسي الذي يعترف للكل بالاختلاف من جهة والانتماء من جهة أخرى؟
وماذا عن تركيا التي أرادها السلطان الجديد أردوغان أن تكون منطلقا لخلافته على مسلمي العالم، واستعادة الروح التي كانت بثتها المدارس العسكرية العثمانية سابقا لتأمين الولاء للسلطان بعد تخليه عن الانكشارية كذراع اساسي لتنفيذ أحلامه التوسعية؟ وهل ستفضل اعتماد النظام الفدرالي أيضا مثل الكثير من الدول الأوروبية التي تشكل معها السوق المشتركة، وهي التي يعيش فيها تنوعا من الأكراد واليونانيين والأرمن والعلويين والتركمان والشركس والسريان والآشوريين وغيرهم من الشعوب ولو كانت الأغلبية التركية هي المسيطرة، ولكن قد تكون هناك مناطق جغرافية تسعى نحو التمايز، من يدري؟
يبقى لبنان واسرائيل، فهل يكمن الحل في اسرائيل بأن تقوم دولة موحدة بنظام فدرالي يضم أكثر من منطقة يهودية بالاضافة إلى مناطق عربية كبعض أجزاء من غزة والضفة وحتى منطقة درزية في الجليل والجولان مثلا؟ ما يؤمن الحل الدائم لسكان المناطق ضمن التنظيم الذي يسمح بالخصوصيات لكل اثنية وبنفس الوقت احترام قوانين الدولة الموحدة وأنظمتها، وبدون وجود دولتين كما يطالب الفلسطينيون؛ ما يشكل حافذا للتسلح وبث الحقد في الأجيال الجديدة. وهل يكون لبنان آخر الدول التي تعتمد ذلك النظام حيث المسيحيون والسنة والدروز لهم مناطقهم كما يمكنهم التفاهم حول القوانين الفدرالية للدولة بدون تعنت كبير، بينما لا يبقى سوى الشيعة الذين حتى الآن يعارضون لا بل يحلمون بالسيطرة على البقية بدون وجه حق، وهم لم يقتنعوا بعد بالقبول بتنظيم مناطقهم والعمل على انمائها بسواعدهم واصرارهم على العيش بمساواة مع البقية، خاصة بعد الشعور بالتفوق الذي ساهمت به مشاريع السيطرة الإيرانية والتي أوهتمهم بالانتماء إلى الأمة بدل الوطن، والاعتماد على القهر والتمدد بواسطة السلاح، واستغلال المؤسسات العامة لتقوية وجودهم على حساب البقية، وتحت شعارات جوفاء تدور حول الالتصاق بتلك القوة الاقليمية والعمل بخدمتها للتفرد بالقرار ومد اليد؟
اعتقدنا دوما بأن الشيعة يجب أن يحكموا البلاد لفترة لكي يشعروا بأنهم ينتمون إلى هذا الوطن ولم يفرض عليهم كما يعتقدون، وأن عليهم واجب الدفاع عنه كما جرى مع المسيحيين والدروز والسنة عندما تحمّلوا مسؤولية الحكم. وهم كانوا جربوها زمن ناصيف النصار ودفاعه عن حدود لبنان الجنوبية والشرقية ضد توسّع ضاهر العمر أو والي الشام. ولكنهم ومع مرحلة الجزار تعرّضوا للاذلال والمعاقبة ما أنساهم التمتع بالحقوق وأهمية الانتماء، فانتظروا رحيل العثمانيين ليرفعوا عن كاهلهم ذلك الظلم. ولكنهم سقطوا في مكائد بقايا الضباط العثمانيين، الذين كانت مشاريعهم محاربة الحلفاء لمنعهم من استكمال السيطرة على تركيا والوصول إلى حدود الدولة البلشفية الناشئة، والتي دفعت الكثير لهذا الهدف، وقد استغلوا اسم فيصل وشعار الدولة العربية، فلم يتمكنوا من الاستمتاع بفرصة الانتماء إلى الوطن، وبقيت بعض الأحلام المتضاربة تمنعهم من ذلك زمنا. ثم ضاعوا مع عروبة عبد الناصر والاحزاب اليسارية.
ويوم وحدتهم فكرة “المقاومة” أعتقد الكل بأنهم سيشعرون لمرة بالانتماء. ولكنهم تخلّوا عن الوطن لصالح نظام الملالي، وتحوّلوا لمرتزقة عندهم ولا يزالون. وهنا تكمن المشكلة؛ فبالرغم من كل المآسي التي تعرّضوا لها، وبالرغم من الخسائر الفادحة لم يعترفوا بعد بالفشل ولا قبلوا بالتوقف عن الاحلام الزائفة، ولا هم يدركون فعليا بأن ما كان قد انتهى، وعليهم القاء السلاح والانضمام إلى أخوتهم في الوطن، واستنباط حلول تحفظ حقوقهم وتساويهم مع الآخرين. فالقوة التي اعتقدوا بأنهم يمتلكون أفقدتهم الرؤية وأخرجتهم عن الاتزان، ولا يزال المفكرون وقادة الرأي ورجال الدين بينهم يعتقدون بأنهم رابحون، بينما يعرف الكل بأن الفشل أقعدهم والخسارة ستطيح بكل الانجازات التي حلموا بها.
بعض مراكز الأبحاث لا تزال تراهن على خروج الشيعة اللبنانيين من دائرة الفشل والاستزلام، وأنهم في نهاية الأمر سيقبلون بنتائج الحروب وسيسهمون في عودة التوازن إلى البلد. وبأنهم سيقودون معركة السلام والتطبيع مع اسرائيل. وسوف تكون هذه أهم انجازاتهم المستقبلية. لأن مناطق جنوب لبنان ستزدهر بالتعاون مع الاسرائيليين، وستزايد على الكل بالمشاريع المشتركة. وعندها سيكون بالتأكيد الحل الفدرالي مقبولا لا بل مطلبا شيعيا، لأنه سيؤمن للطائفة حرية أكبر في مجال الأعمال الانمائية والحركة الاقتصادية. فاسرائيل هي أكثر من سيسهم بدفع مصالح هؤلاء في المرحلة الأولى، حيث لا يزال الكثير من العرب الذين تعرّضوا لعداوات الأذرع الإيرانية يرفضون التعاون معهم، بينما يؤمن الاسرائيليون بأنهم لن يكونوا أكثر عداوة من غيرهم من شعوب المنطقة، وأنهم سيعرفون بأن العداوة قد تأتي بالصداقة إذا ما تأمنت المصالح المشتركة فكيف بها بين الجيران الأقرب.
الشيعة اللبنانيون التائهون اليوم متى سيتوقفون عن الدوران في دوامة فارغة ومتى سيفهمون بأن المستقبل تصنعه الارادات لا الشعارات وأن التطلع إلى المستقبل وبناءه على أسس متينة أفضل بأف مرة من اجترار المواقف البالية والتمسك بأوهام لم تأت إلا بالسؤ ولم تجر سوى الخسائر؟..