د. وليد فارس: لبنان أقوى من حزب الله إذا ثار/البطريرك الراعي أعلن عن مبادرته لعقد مؤتمر دولي لتحرير البلاد من حكم الميليشيات

678

لبنان أقوى من “حزب الله”… إذا ثار…البطريرك الراعي أعلن عن مبادرته لعقد مؤتمر دولي لتحرير البلاد من حكم الميليشيات
د. وليد فارس/انديبندت عربية/11 أيار/2021

قصة لبنان مع “حزب الله” طويلة، ومعقدة، وصعبة، ولكن حلّها ليس مستحيلاً، إذا أراد اللبنانيون، او أكثريتهم ذلك، أصعب ما في المعادلة هذه هو وضوح الوقائع، وإيصالها إلى هذه الأكثرية في الداخل والجاليات اللبنانية في الخارج، وبشكل عام الرأي العالمي، إذ إنه في النهاية كما سنخلص، ما نراه أو ما يقال لنا أننا نراه، حول سيطرة “حزب الله” على هذا البلد الصغير، ليس بالضرورة واقعاً حقيقياً أو أبدياً، وهذا المقال سيحاول إثباته.

جذور سيطرة “حزب الله”
طبعاً، فرواية الحزب عن نفسه “كمقاومة حررت لبنان ودافعت عنه”، بدعم شعبي واسع، ومن يخاصمها هو “متعاون مع العدو الصهيوني” ليست إلا رواية المنتصر، لا أكثر ولا أقل، أما الواقع التاريخي فهو مختلف، إذ إن جذور هذا التنظيم الميليشياوي تكمن في ثورة إيران في 1979 التي تحولت إلى انقلاب جاء بنظام توتاليتاري يسيطر عليه الملالي وميليشيات الحرس الثوري. وبعد المحور الذي شكّله النظام الخميني مع نظام حافظ الأسد في دمشق، وصل “الباسدران” إلى لبنان، وطلب الدخول إلى مناطق سيطرة الجيش السوري في البقاع، حيث تمت انطلاقة “حزب الله” كمنظمة عسكرية، استخباراتية، عقائدية، مرتبطة عضوياً بقيادة “الجمهورية الإسلامية” في إيران. هذه كانت بداية الحزب في لبنان في 1980، ومنذ “الانزال الإيراني” في البقاع الشمالي حتى اليوم مرت 41 سنة من تطور الميليشيات الخمينية التي تقدمت وتوسعت على الأراضي اللبنانية أولاً تحت مظلة قوات الأسد النظامية حتى 2005، وبعدها تحت المظلة الإيرانية الإقليمية، حتى الآن.

والجدير بالذكر أن “حزب الله” اتكل دائماً إما على قوة إقليمية، إما على ضعف في قيادات أخصامه، إما اقتتال داخلي بين أعدائه، إما حتى تخلّي القوى الإقليمية أو الكبرى عن الذين يواجههم، لكن يجب الاعتراف أن قيادات الحزب، أكانت داخل لبنان أم في طهران، مارست ذكاء استراتيجياً واستفادت من سذاجة وضعف رؤيا الأطراف في المعسكر المقبل، ففي العقود التي مضت منذ “الانزال الإيراني في البقاع” لم نر انتصاراً حققه الحزب وجهاً لوجه مع خصم بالذكاء نفسه، أم معركة لم يكن قد ضمنها منذ ما قبل المواجهة.

رواية “الانتصارات”
فلنبدأ مع “التحرير من الاحتلال الإسرائيلي” الذي بدأ في 1985، قوات الحزب فجّرت، وقتلت، وقنّصت، لأربع سنوات، ولكنها لم تحرر شبراً قبل أن تبدأ إسرائيل بالانسحاب من بيروت والجبل والبقاع، “حزب الله” حرر أراض خرجت منها إسرائيل، وليس هو الذي أخرجها، الميليشيات دخلت هذه المناطق، رفعت علمها، وأهم شيء أنها منعت الجيش اللبناني، أو ميليشيات أخرى من “مزاحمتها” في السيطرة، والبرهان على ذلك أن قوات الحزب توقفت عن “التحرير” عندما توقفت القوات الإسرائيلية عن “الانسحاب” في الجنوب والبقاع منذ 1985 حتى 2000، أي لمدة 15 سنة، كما كتبنا سابقاً.

والجدير بالذكر أن الحزب لم ينتصر على القوة اللبنانية المتحالفة مع إسرائيل “جيش لبنان الجنوبي” في معركة حاسمة واحدة، على الرغم من الفارق بالعديد والعدة لصالح الحزب، أضعافاً. إذاً كيف تّم “التحرير الشامل” في عام 2000؟ انسحاب إسرائيل جاء تحت ضغط من قبل إدارة كلينتون على أساس انسحابها لقاء حل شامل في لبنان، أي أن ينتشر الجيش اللبناني حتى الحدود، وتلحق ذلك إعادة تموضع القوات السورية إلى البقاع. وقد غطت الدول العربية بقيادة السعودية هذا المشروع لاستقرار لبنان، فضغطت المملكة والعرب على واشنطن، وضغطت هذه الأخيرة على إسرائيل، التي أمرت “جيش لبنان الجنوبي” بالانسحاب والانحلال، بانتظار تقدم الجيش اللبناني إلى المنطقة، ولكن الأسد ضغط على بيروت التي أمرت الجيش بالسماح للحزب بأن ينتشر مع انسحاب الإسرائيليين، الذين فككوا “الجيش الجنوبي”. فدخل “حزب الله” كالمنتصر و”كمحرر البلد”، من دون معركة.

“ثورة الأرز” ترعب “حزب الله”
في 2004 أنجزت الجاليات اللبنانية في خارج لبنان إنجازاً تاريخياً بمساعدة إدارة جورج بوش، وهو القرار الدولي 1559 الذي طلب من الأسد أن يسحب قواته من لبنان، ومن “حزب الله” أن يسلم سلاحه. فارتبك الفريقان وبدأت الاغتيالات لترهيب اللبنانيين خوفاً من انتفاضة بمساعدة خارجية، إلا أنه بعد اغتيال رفيق الحريري انفجرت الانتفاضة وأطلق عليها اسم “ثورة الأرز”، فهددت واشنطن وباريس، وانسحبت القوات السورية، وخلفت وراءها الميليشيات، “حزب الله” ارتبك من ثورة أكثرية اللبنانيين وخشي أن تتحول إلى مقاومة مسلحة ضده مدعومة من الغرب والعرب. فلجأ إلى الاغتيالات والترغيب وميّع القيادات اللبنانية، وقرارات الحكومة، حتى بداية نهاية رئاسة بوش، فانقض على “ثورة الأرز” وحكومتها، في مايو (أيار) 2008 .

انقلاب السابع من مايو
يوم السابع من مايو 2008، قام “حزب الله” بهجوم صاعق لاحتلال بيروت الغربية بعملية كوماندوس، وحاصر زعماء سياسيين في بيوتهم ما فشّل تعبئة قواعدهم لأيام، وشّل قدرة الحكومة، وضرب الإعلام، وشنّ حملة إعلامية للتضليل والترهيب، وحاول اجتياح جزء من جبل لبنان.

ولكنه تفاجأ بمقاومة بضع مئات من المدنيين الدروز بأسلحة خفيفة، أوقفت الهجوم وكبّدت الميليشيات خسائر فادحة، ولو طالت المواجهة في الجبل، لقامت انتفاضات مسلحة ضد “حزب الله” في مناطق عدة من طرابلس، إلى جبل لبنان، إلى بيروت، إلى أنحاء أخرى. الحرب التي شنها الحزب بشكل مباشر على منطقة سنية، ومنطقة درزية، كانتا تعجان بالميليشيات أيام الحرب اللبنانية، كانت مخاطرة هائلة للميليشيات الإيرانية. فإذا تمكنت مجموعات صغيرة من الدروز من كسر الهجوم الجرار لجيش الحزب، فماذا كان سيحدث لميليشياته في بيروت السنية، أو لو دخلت طرابلس والشمال وقوة جبل لبنان المسيحي؟ لكان قام لبنان بكامله ليصد “حزب الله”.

وقد قيّم الحزب في اليوم الثاني لغزو السابع من مايو أن الوضع لن يكون لصالحه إطلاقاً إذا استمر طويلاً بالمعارك، فهو المهاجم داخل لبنان، والحكومة ليست بين يديه، والجيش لن يتدخل بأي اتجاه وإلا انقسم، وحَسَب أن آلته العسكرية ليست قادرة على احتلال طويل الأمد لثلثي لبنان، على الرغم من ترسانته الكبيرة، إلا أن رقعة حاضنته الجغرافية في البلاد ضعيفة ولا يمكن أن تتمدد من دون مجابهات لا يربحها أحد.

فـ “حزب الله” وقتها، وحتى الآن، ربما قادر على المشاركة في حروب إقليمية التي لا تطال قواعده اللبنانية، وهو قادر على افتعال جولات قصف مع إسرائيل كلما احتاج استراتيجياً، ولكنه عاجز عن “احتلال” كل المناطق اللبنانية إذا قاومته معاً، وفي الوقت نفسه، فلجأ من جديد إلى الحيلة، فقامت قطر بالتنسيق مع إيران، بالدعوة لمؤتمر مصالحة بين “حزب الله” والأطراف اللبنانية المواجهة، إلا أن مؤتمر الدوحة جاء بالطبع لصالح الحزب بسبب ميزان القوى على الأرض حيث كان هذا الأخير يسيطر على العاصمة ويحاصر الجبل، ويهدد باجتياح المؤسسات الحكومية. لذا فخطأ تحالف 14 مارس (آذار)، كان بالهرولة إلى الدوحة قبل أن تقوم مقاومة الشعب اللبناني بتعديل الميزان الميداني على الأرض. فلو رفض السياسيون دعوة المؤتمر حتى انسحاب “حزب الله” وانتشار الجيش، وانتظار الثورة على الحزب في كل المناطق، لكان أي مؤتمر سلام عكس المعادلة الأفضل على الأرض. ولو أعُطيت المقاومة ضد “حزب الله” فرصة أطول، لكانت واشنطن والتحالف تدخلت لصالح الحكومة ولو جزئياً وردعت الحزب. هذا الأخير كان خائفاً من السيناريو الصحيح، فهرب من المواجهة عبر استعمال القيادات السياسية الخائفة منه، لإجهاض “ثورة الأرز”. وتسلّم الحزب السلطة بعدها.

بعض أمثولات السابع من مايو
تأخرت حكومة “ثورة الأرز” ثلاث سنوات عن الطلب الرسمي في تطبيق القرار 1559 الكامل، والارتكان إلى “طاولة حوار مع حزب الله”، إذ لا يتحرك أحد دولياً من دون طلب، والسياسيون كانوا، بعكس بشير الجميل، أو كمال جنبلاط، أو موسى الصدر، بغض النظر عن الفوارق الشاسعة، “يخافون” من اتهامهم “بدهورة البلد باتجاه حرب أهلية”، أي عملياً، يخافون من مقاومة “حزب الله” لألف سبب وسبب.

عدم إعادة تأهيل الجيش وتصحيح عقيدته التي صيغت في بداية التسعينات، وعدم انتخاب رئيس جديد “بالنصف زائداً واحداً”، وعدم وضع خطة أمنية لحماية المناطق غير الخاضعة لـ “حزب الله”، وعدم إقامة حوار استراتيجي مع إدارة بوش في عزّ قوة تلك الإدارة بين 2005 و2007.

وتبين أن الأغلبيات البرلمانية من دون حماية دفاعية، داخلية أو خارجية، أو حتى مقاومة قادرة، تُهزم بسرعة، وهذا كان قدر تحالف “14 آذار” البرلماني، الذي أزيح من السلطة ميدانياً في مايو 2008.

ثورة 19 أكتوبر (تشرين الأول)
وأعاد السياديون والثوار اللبنانيون الأخطاء نفسها في خريف 2019، عندما اندلعت ثورة عارمة في المدن اللبنانية، بدأًت ببيروت وامتدت إلى طرابلس وصيدا والبقاع، وأحياناً إلى مناطق الجنوب، في عقر دار النفوذ الإيراني. وقد شارك في الثورة حوالى مليوني مواطن، ودامت التظاهرات أكثر من شهرين. وقد نشر “حزب الله” أنصاره في ساحات التظاهر واصطدموا بالثوار، إلا أن حسابات الحزب دلت إلى أن استعمال القوة من قبل هذا الأخير سيقود إلى مواجهة شرسة مع أكثرية المجتمع المدني، وإن ذلك سيقود إلى تدخل أميركي غربي في ظل إدارة ترمب، في وقت تتصادم واشنطن مع طهران في المنطقة، فحرّك الحزب حلفاءه في أقصى اليسار “البولشفي” داخل المتظاهرين، وضغطوا ضد مجابهة “حزب الله”، وبخاصة طلب التدخل الدولي.

وهكذا حصل، فالثورة الناجحة جداً على الارض ركّزت على مطالب اجتماعية، واقتصادية، ومالية، وتغاضت عن أهم سبب للانهيار، وهو تحكم الحزب بالقرار القومي، فتخلى المجتمع الدولي عن الحراك الشعبي في لبنان، على أساس الأولويات، إذ إن هناك عشرات الانتفاضات ضد الفساد، وهذا لا يحرك مجلس الأمن أو الدول الكبرى، فربح “حزب الله” مرة ثانية بعد مايو 2008، بإسقاط ثورة أكتوبر 2019، الحزب لا يربح بقوته بل بضعف قيادات معارضيه في لبنان.

مبادرة البطريرك للتدويل
في شتاء 2021، أعلن البطريرك الماروني بشارة الراعي عن مبادرته لعقد مؤتمر دولي لتحرير لبنان من حكم الميليشيات، هذه الأجندة ملائمة لتحرك يحتاجه لبنان لإعادة تدويل قضيته، بعد سقوط “ثورة الأرز”، وفشل معظم السياسيين في مواجهة “حزب الله”، سياسياً، وديبلوماسياً، وإعلامياً. وكّشر الحزب عن أنيابه من جديد ضد المبادرة، إلا أن قدرة البطريرك المعنوية، الداخلية والخارجية، لا يمكن هضمها بسهولة، فكما مع سلفه البطريرك صفير، بإمكان الراعي أن يحشد طاقات شعبية وصداقات دولية، لا سيما أن أكثرية الطوائف السنية، والدرزية والمسيحية، ومجموعة كبيرة من الشيعة يقفون إلى جانبه، في هذه الجولة المقبلة، هناك فرصة للشعب اللبناني أن يقف ويقاوم “حزب الله”، وأن ينجح ولو بالتدرج.

لبنان إن توحّد، وإن وحّد هدفه، ووقف بشجاعة وصلابة، هو أقوى من “حزب الله”، داخلياً وخارجياً، وعلى كل الأصعدة. المهم أن يقوده فريق من القياديين تجمعهم الشجاعة، والنزاهة، والعقل الاستراتيجي. فهل سيحالف اللبنانيين الحظ في هذه الجولة، ليسترجعوا الحرية وسيادة بلادهم؟