إيلـي فــواز/دولة الميليشيا؟

374

دولة الميليشيا؟
إيلـي فــواز/لبنان الآن/10 كانون الأول/14

هل كان يمكن لدولتنا الكريمة أن تنقذ علي البزال من براثن قاتليه؟ سؤال راودني وأنا أرى تلك الصورة الآتية من جرود القلمون عن لحظات حياة هذا الشاب الاخيرة.

ثم تذكرت أنه وقبل يومين من إعدام علي، انتشت مقدمات النشرات المسائية بخبر توقيف أجهزتنا الامنية لامرأتين وأطفالهما، واحدة قيل إنها زوجة البغدادي، وأخرى قيل إنها زوجة الشيشاني أحد المسؤولين في جبهة النصرة. وكانت وصفت بعض تلك المقدمات تلك العملية “بالصيد الثمين”. طبعاً أعقب هذا “الانتصار النوعي” في الصحف خبر ان الموقوفات وأطفالهما هم مادة للتفاوض، وقيل أيضا بأن ثمة “تفاؤلاً حول ملف عسكريي عرسال بعد اعتقال كل من زوجتي البغدادي والشيشاني”.

لم يعد من الضروري السؤال إن كانت لهذا “الصيد الثمين” قاعدة أو اصول قانونية، بما أن مسؤولين في هذه الدولة سربوا للصحافة عن سابق تصور وتصميم أن هذا “الصيد الثمين” هو مادة للتفاوض.

 هذه “العملية النوعية” تذكرنا بحادثة خطف الطيارين التركيين من اجل تحرير أسرى أعزاز قبل أكثر من عام مع فارقين: الاول هو أن ابتزاز حزب الله للاتراك نجح، أما الفارق الثاني فيكمن في كون سلوك حزب الله في الخطف والتصفية والابتزاز أمراً طبيعياً، أما ان تقوم به دولة لها دستور وقوانين فهذا أمر يضعنا امام مشهد غريب بعض الشيء.

لنتذكر أن قبل هذا “الصيد الثمين” نُقل عن أحد الاجهزة الامنية اللبنانية ان مصير العقيد في الجيش السوري الحر عبد الله الرفاعي مرتبط بمجرى المفاوضات الهادفة إلى اطلاق العسكريين المخطوفين، بالرغم من اطلاق القاضي صقر صقر سراحه لعدم تورطه في اعمال ارهابية في لبنان. وقبلها كان جهاز امن لبناني سلم موقوفاً لديها وهو النقيب في الجيش السوري الحر مرهف الحسين، لحزب الله، من اجل تحرير أسيره عماد عياد.

نحن فعلا امام مشهد غريب، لدولة لم تعد فقط تديرها ميليشيا حزب الله، بل اصبحت هي نفسها تعمل بعقل ميليشياوي، مع العلم انها لا تستطيع تحمل اعباء هذا المنحى إن كان في التعاطي مع ازمة المخطوفين العسكريين في القلمون، او حتى في التعاطي مع طائفة لبنانية كبيرة. فالدولة من المفترض ان تعمل بوحي الدستور والقانون الذي من شأنه تنظيم علاقات المجتمع بعضه مع بعض كما مع مؤسسات الدولة. حتى اذا ما اقترف البعض- لبنانيين او غير لبنانيين- جرماً مهماً كان نوعه، يحاسبون عليه وفقاً للقوانين المرعية الاجراء، وأي شيء آخر يعتبر توقيفاً تعسفياً، وانتهاك لحقوق الانسان الذي وقّع لبنان على شرعته. اي شيء آخر يعيدنا الى الحقبة السوداء للجيش النازي الذي اعتقل نساء وأطفالا لا ذنب لهم سوى أنهم يهود. اي شيء آخر يضعنا في قلب شريعة الغاب، على اساس ان الغلبة للاقوى والأعنف.

 سمعنا جميع الدعوات للانتقام ممن لا ذنب لهم في إعدام علي البزال. الدعوات طالت أهالي عرسال، وبعضها طال اللاجئين السوريين، وسهى عن بال هؤلاء ان المسؤول عن إعدام البزال وعن قتل ستة عناصر من الجيش في كمين رأس بعلبك  هو من أمر وخطط لهذه التوقيفات المهزلة،ومن ثم هرع لنشر الخبر في وسائل الاعلام. المسؤول عن هذا المخطط يتحمل مسؤولية انسحاب الوسيط القطري وإعلان فشل المفاوضات، وأي تطورات دراماتيكية قد تصيب هذا الملف.

فأي دولة تلك التي تحرص على حياة أبنائها تهم بالتفاوض من على شاشات التلفزة، ومنصات البرامج السياسية، ومن خلال التسريبات المدسوسة في الاعلام، بخلاف كل الاعراف في ما خص أمور التفاوض؟

نحن امام مشهد غريب حيث ان الطبقة السياسية الممثلة في الحكومة تدعي الحفاظ على الدولة، وعلى صورتها ومؤسساتها.  ولكن عن اي دولة نتحدث؟ عن دولة المناصب، وهي فقدت هيبتها، أم عن دولة القانون، وهي باتت تعمل بوحي حزب الله، كمجموعة قطاع طرق؟  أم عن دولة مؤسسات أصبحت منتهية الصلاحية. بالفعل أصبح المشهد غريباً إذ ان تلك الدولة وأجهزتها الامنية للاسف صار لها دور واحد فقط مهما نفى البعض، او تجاهل البعض الاخر، ألا وهو تغطية حزب الله في كل الاعمال الاجرامية التي يقوم بها ولا سيما في سوريا….