الكولونيل شربل بركات/الخرب المحيطة بعين إبل

22

الخرب المحيطة بعين إبل
الكولونيل شربل بركات/22 شباط/2021

أحدى ميزات موقع عين إبل واختياره من قبل العائدين للسكن في البلدة نهاية القرن السادس عشر هو وجود تعددية مجالات العمل وأهمها الخرب المحيطة بعين إبل. وقد كان ضهر العاصي الذي يشكل اليوم مرتفع “ام النور” غابة كثيفة من اشجار السنديان والسويد وغيره مما يعتبر عائقا حتى لعبور المشاة، ومن هنا أسم “العاصي”، والذي يُذكر بأنه كان مسكنا حتى لأحد الأسود لكثافة أشجاره وصعوبة مسالكه حتى زمن وصول الصليبيين إلى المنطقة، وقصة الفارس الفرنسي “اتيان دارتوا” “Artoit’d Etienne” الذي تبرع بتخليص أهل البلدة من شره، وردت في أحد الكتب الذي تكلم عن تلك الحقبة وسوف نرويها بمقال آخر، وهي تعطينا فكرة عن هذه الغابة والتي لا يزال قسما منها يغطي الجانب الغربي لهذا المرتفع. ولكن أهمية الخرب في كونها مصدر مهم للحجارة المقصبة والآبار المحفورة بالصخر والتي كانت تسهم في وجود الماء في اي اتجاه عمل فيه ابناء البلدة.

ويحيط بعين إبل من الشمال خربة “شلعبون” التي بقيت تحوي حتى ايامنا، بقايا من الفخاريات وأكوام من الحجارة المقصبة والآبار والمدافن على الطريقة التي كانت متبعة حتى زمن السيد المسيح، حيث يقول ارنست رونان بأن القبر الذي رآه في شلعبون فسر له جملة مهمة كانت تشغل باله وردت في الأنجيل، وهي، بعدما دفن السيد المسيح في القبر الذي كان أنشأه يوسف الرامي، عندما ذهبت النسوة للقيام بالزيارة صباح الأحد وقلن تلك الجملة: “من تراه يدحرج لنا الحجر”. يقول رونان أن تلك الجملة شغلت باله، فإذا كان هناك حجرا يستعمل لاغلاق باب القبر (المغارة) فلا بد بأنه صخر كبير وثقيل، فكيف بتلك النسوة الذاهبات إلى القبر أن يعتقدن بأن اي كان سوف يقدر على ازاحة الحجر عن القبر؟ أوليس من الأحرى أن يكون هناك تحضير لهكذا عملية تتطلب جهدا ووسائل؟ ولكنه لما رأى ذلك القبر في شلعبون فهم سهولة ازاحة الحجر، لأنه حجر دائري يسير ضمن سكة محفورة بالصخر لا تتطلب دحرجته جهدا كبيرا، واي رجل قوي نسبيا يعرف أن يستعمل عصاه سيتمكن من ذلك، من هنا لم يكن من الضروري على تلك النسوة إن تعتلن هم فتح باب القبر لأن أي رجل قد يمر بالمكان سوف يقوم بالمهمة عند سؤاله.
وفي شلعبون أيضا كان هناك ناووسان كبيران محفوران يعتقد بأنهما كانا يخصان رجلا مهما سكن المنطقة لأن العامة يدفنون موتاهم في الأرض أو المغاور الترابية بينما الأفضل حالا كانوا يدفنون في مغاور محفورة بالصخر، ولكن الدفن في النوواويس هو فقط للعظماء، كونه يستعمل مرة واحدة فقط ويكون على سطح الأرض. وهذا ما كان عليه هذان الناووسان وقد وضعا على صخر كبير مشغول. وكان لكل منهما غطاء صخريا وعلى جانب الناووس حفر شكل رجل وامرأة. وقد بقينا نزور المكان ونلعب حولهما حتى أول الستينات حيث جاء أحد ملتزمي المشاريع العامة وأقام خلاطة للزفت بالقرب من المكان، من ثم جاء أحد أبناء شقرا فأخذ احد الناووسين ووضعه في حديقة منزله، بينما كسر الناووس الآخر واستعمل كبحص لخلطه مع الزفت، بكل اسف، ولم يبق هناك سوى تلك الصخرة المسطحة التي اقام عليها الناووسان لأكثر من ألف سنة خلت، على الأقل، وقد مرت عليهما جيوش وأحداث، حروب ومشاكل، ولم يلفتا نظر اي من المهتمين بالآثار حتى في دولة لبنان الحديث.

وبقرب شلعبون من الجهة الجنوبية الغربية يقع مرتفع “الدوير” والذي نقل منه رونان تلك اللوحة التي كانت تشكل مدخل الهيكل الذي كان قائما في المكان وترمز إلى ابولون وارتميس ويعود إلى القرن الأول بعد المسيح وهي فترة حكم رومانية. وبالرغم من أن ابولون وارتميس كانا من ضمن آلهة اليونان وبقي تكريمهما مستمرا مع الرومان فنحن نعتقد بأنهما كانا انتقلا إلى اليونان مع تجار فينيقيا الذين جابوا البحار وخاصة الجزر اليونانية حيث يفتخر اليونانيون بأنهم ورثوا حضارة هؤلاء الكنعانيين. ولا تزال أكثر آلهتهم ممن كان الكنعانيون يحترمون ويكرمون في هذه المنطقة قبل أن تتعرف بلاد اليونان على اي نوع من الحضارة. وما قصة زوس واختطافه لأوروبا في الميثولوجيا اليونانية إلا شكلا من اشكال التعبير عن انتقال الحضارة عبر الالوهيات من صور إلى بلادهم. وتمثل رحلة قدموس، الذي علم تلك البلاد الحرف، رمز الحضارة الفينيقية، في عملية التفتيش عن شقيقته أوروبا، صورة عن نشر هذه الحضارة بين سكان تلك الجزر والبر الشمالي، حيث بنى مدينة “طيبة” وملك عليها كما يحب أن يفاخر اليونانيون. ونحن نعرف بأن هذه الهجرات الفينيقية الكثيفة إلى بلاد اليونان تمت بعد هجوم الفلسطو على صيدا عاصمة فينيقية يومها (حوالي 1100 ق.م) وتدميرها بعد أن كانوا دمروا أوغاريت وأرواد سابقا ما حدا بسكانها إلى الانتقال صوب صور ليصبح ملك صور ملك الصيدونيين وتخرج قوافل كثيرة منهم صوب المستعمرات في بلاد اليونان مع كل خبرات صيدون الحضارية. ويعتبر ابولون عند اليونانيين الاها مشرقيا من مجتمع رعوي وهو يمثل بركوبه عربة يجر بواسطتها الشمس للدلالة على مشرقيته، بينما يحمل بيده قيثارة الرعاة للدلالة على مجتمعه الرعوي. ومن هنا نقول بأن اسمه (آبل – أون) ليس سوى الأسم المستمر لما نسميه نحن اليوم (أون – آبل) أي عين ابل. وبينما يرمز جزر أون ألى اله الخصب الأموري “أون” وهو الذي يقابل “بعل” عند الكنعانيين الذي ينزل الماء، رمز الخير، من السماء، فإن أون يخرج هذه الماء من الأرض. وقد بقيت كل البنانبيع تحمل اسمه الذي اصبح في العربية “عين”. أما جزر آبل فهو يدل على الكلاء أو المراعي ويرافق كل الرعاة.

وفي الجنوب الغربي تقع خربة طربنين المليئة بالآبار وبقايا الفخار والحجارة المقصبة وهي تقع على تلة جميلة تشرف على عين طربنين من جهة الشرق وعين حانين من جهة الغرب وهذه العيون تقع على الطريق الأقرب الذي يربط صور بيارون حيث يدخل إلى ارض اسرائيل اليوم والذي يمر في وادي العيون (أيون) إلى بركة الحلاوي – حزور، وهذه المنطقة تكثر فيها الينابيع والعيون.

أما بعد طربنين إلى الجنوب الغربي ايضا فتقع خربة كورا القريبة من رميش ومرتفع المعتق الذي يشبه بالشكل تلة ارمز في الغرب بين شمع والبحر والتي يقال بأن هيكل ارمس أو هرمس شفيع المسافرين كان يقام عليها وهو كالمنارة يشرف على أعلى البحر. ومرتفع المعتق قد يكون ايضا حمل هيكلا آخر لهرمس ما أعطي اسمه ارمس أو ارمش للبلدة التي تقع عند أقدامه من ناحية الجنوب. وهو لا يزال يودع ويستقبل الخارجين والداخلين من وإلى بلاد صور حتى اليوم. وقد يكون هذا ما أعطاه الاسم العربي “المعتق”.

وإلى الشرق من المعتق تقع خربة كرسيفا والتي تحوي ايضا بعض الآبار والحجارة المقصبة وكانت من الأماكن التي عمل فيها الفلاحون واستعملوا حجارتها لتجليل أراضيهم. وإذا ما تابعنا باتجاه الشرق نصل إلى خربة المنصورة والتي تحوي ايضا الكثير من الآبار والحجارة وهي تقع على تل جميل يتصل من الشرق بقرية يارون وينحدر إلى الغرب بشكل عامودي تقريبا ويدور حوله وادي يارون الذي شكل دوما أراض خصبة.

وبين المنصورة وعين إبل يقع ذلك المرتفع الجميل الذي حمل طويلا هيكل ام الالهة أشيرة سيدة الكل حيث كانت تقام مراسم الزواج السنوية والتي تكلمنا عنها سابقا. وقد بقي اسم الوادي المجاور له من جهة الغرب معروفا “بخلة الست”، ومن هي هذه الست سوى أم الالهة؟ وإلى الشرق منها جل العامود الذي يذكرنا بأن أعمدة هيكلها وصلت إلى تلك المنطقة. وكانت هذه فيما مضى ممتلئة حجارة مقصبة وبقايا أعمدة وصخور كبيرة استعملت على مدى ستين سنة على الأقل كمصدر للحجارة لتزويد الكسارات.