الكولونيل شربل بركات/ناقر الآبار

55

ناقر الآبار
الكولونيل شربل بركات/22 شباط/2021

في عين إبل كان البئر دوما حاجة ملحة لأنه يعطينا القدرة على جمع الماء وحفظه لكل اشكال الاستعمال اليومية. وكان البيت العينبلي، مثل كل بيوت اللبنانيين، يعتمد السطح المستوي لحاجة الناس لاستعماله في كثير من الأمور؛ مثل نشر وتشميس كل أنواع المنتجات الزراعية، فهو عالي من حيث المبدأ، لا يمكن للحيوانات وحتى الدجاج الصعود إليه بسهولة، ولا يزوره سوى العصافير، وهي قليلة الضرر نسبيا وتخاف أكثر من غيرها. ومن الضروري وجود مكان لتشميس الكثير من المنتجات، بدءا من القمح المصول إلى القلبة ومن ثم البرغل مرورا بالسماق والتين والزبيب والكشك وغيرها، مما يفرض الاستعانة بحرارة الشمس وأشعتها للتخلص من فائض الرطوبة والحصول على مواد قابلة للحفظ لمواسم الشتاء. ولكن السطح المستوي أعطى الفلاح أيضا امكانية استعماله لجمع مياه الأمطار وحصرها في ممر يؤدي إلى البئر حيث تستقر وتبقى لتعينه في كل احتياجاته اليومية للماء، ولو أنه اعتمد مياه الينابيع للشرب والبرك وغيرها من المجمعات المائية لسقاية حيواناته. وكان الماء، وهو عنصر الحياة لكل شيء، عزيز جدا ويسهم في نمو بعض الخضار التي تزرع بقرب البيت؛ كحوض البقدونس والنعناع وحتى الزهور وغيرها من النباتات المفيدة وهي تحتاج للماء، ولذا فكل فائض من المياه يستفاد منه بسقاية هذه الأحواض.

في الفترة الأولى من حياة القرية كان هناك بعض الآبار التي وجدت في الخربة بين البيوت المتهدمة، وقد أعيد تنظيفها وتقناية مياه الأمطار لتتجمع فيها، واستعملت لمدة طويلة، ولكن بعد أن توسعت القرية وزادت بيوتها، اصبح من الضروري العمل على بناء آبار جديدة.

كانت الآبار القديمة الموجودة في الخرب حول القرية كلها منقورة في الصخور، لها أبواب ضيقة ولكنها تتسع مع النزول إلى الأسفل لتصبح أمكنة كبيرة لحفظ الماء، وهي الطريقة الأفضل لجمع الماء بدون امكانية تسربه مع الوقت. فبناء البئر بواسطة الحجارة المقصبة واستعمال الطين بين مداميكه لم تكن فكرة جيدة، حتى ولو طليت كل جوانبه وأرضه بطبقة من “القصر مل”، لأن الماء مع الوقت سيجد له مهارب يتسرب من خلالها، ولذا فقد يسهم هذا النوع من الآبار جزئيا بجمع بعض الماء ولكنه لن يبقيه طويلا. وعندما نعلم بأن منطقتنا تتوقف فيها مياه الأمطار لمدة لا تقل عن ستة أو سبعة أشهر متواصلة أحيانا، فإننا نعرف بأن ذلك النوع من الآبار لن تصمد فيه المياه طويلا، لذا وجب التفتيش عن من يتقن فن نقر الآبار في الصخر.

توصل العينبليون من خلال تعاطيهم مع سكان المناطق المحيطة لاحقا، وخاصة صوب الجنوب حيث تقل أكثر فأكثر فترات تساقط الأمطار، إلى التعرف على بيئة متخصصة ممن كانوا يتقنون هذه المهنة، فأبناء الأردن، في وادي موسى خاصة، مشهورون بنقر الصخور. وتعتبر مدينة بيترا، التي نقرت كل مبانيها بين الصخور، إحدى التحف الفنية حتى أيامنا. ولذا فقد كان أهالي تلك البلاد يتقنون ابا عن جد التعاطي مع الصخور، وكيفية مداعبتها واستعمالها لكافة الأغراض المطلوبة. وكان منهم من يزور قرى في فلسطين موسميا لنقر مثل هذه الآبار. من هنا استعين بهؤلاء، وكان يأتي بعضهم ويقيمون في البلدة لعدة شهور، في أغلب الأحيان ينقرون خلالها أكثر من بئر ويعودون إلى بلادهم بعد الانتهاء من المهمة.

كان هؤلاء لشدة معرفتهم بالصخور والتعاطي معها، قبل أن يبدأوا بالحفر والنقر، يفتشون عن المكان المناسب والصخور العميقة التي يمكنها أن تستوعب بئرا بكل سعته. وكان المعلم منهم يدق على الصخور ويتنصت على ترددات الصوت المنبعثة منها، وبذلك يعرف عمقها وكبرها وإذا كان يوجد خلالها تشققات وعند ذلك فقط يقرر إذا كان المكان يصلح لنقر البئر أو لا، وهي عملية شديدة الأهمية، فإذا لم يكن يحسن هذه المهمة الأساسية والتي من خلالها يقدر أن يحدد مكان بناء أو نقر البئر، فكل العمل سيكون بدون فائدة، لأنه قد يبدأ بالنقر ويجد نفسه بعد عمل أسبوع أو أكثر قد وصل إلى أرض الصخر أو إلى شق بين الصخور يتسرب منه الماء لاحقا فلا يعود البئر يصلح لضبط المياه مدة طويلة. من هنا كان هؤلاء المعلمين أختصاصيين مشهود لهم، ويمكن التأكد من أعمالهم قبل الاتفاق معهم.

عندما تأكد العينبليون من خبرة هؤلاء على اتمام المهمة بالشكل الملائم تم اعتماد احدهم، وقد صار يعتبر معلم الآبار الوحيد، يأتي في أواخر الربيع ويعمل في أكثر من بئر مع ابنه حتى اكمال العمل. وهما يقيمان في البلدة وينقران بئرا أو أكثر، يصل عمقه أحيانا إلى خمسة أو ستة أمتار، وعرضه اربعة أو خمسة أمتار، بشكل دائري يشبه الجرة المسطحة القعر تقريبا، ويسع قرابة الخمسين إلى ستين متر مكعب من الماء، ما يعطي الفلاح امكانية استعمال يومي بمعدل 250 ليتر من الماء، أي ربع متر مكعب على مدة مئتي يوم خلال السنة، وهي كمية مقبولة جدا تكفيه لكل حاجاته إذ كانت مياه الشرب التي لا تتعدى عشرين ليتر يوميا تأتي من العين، وأغلب الحيوانات تورد على البرك والعين التحتى وبعض الينابيع، أغلب أيام السنة، قبل عودتها إلى البيت.

ومع هؤلاء الفعلة النشيطين والمتعلقين بعملهم بشكل منتظم دخلت إلى عين إبل بعض أخبار البدو ويومياتهم وقصصهم، وتفاعلت معهم، فلم يعودوا يستهجنون لهجتهم ولا تقاليدهم أو قصصهم. ولذا صار هناك نوع من التعاطي مع بعض العرب الذين ينزلون في مضارب قريبة إلى الجنوب مثل عرب الهيب والحمدون والعرامشة وغيرهم، وليس فقط من كان ينتقل منهم صوب مرتفعات الجليل فينزلون أحيانا حتى في رميش، حيث لا تزال هناك منطقة إلى الجنوب منها تسمى جباب العرب، أو راميا حيث بقيت حتى هذه الأيام ما سمي بجبانة العرب. وبالرغم من أن حمد البيك كان طرد العرب الذين كانوا يأتون صيفا وينزلون في محيط رميش، وذلك على ما يبدو لكثرة تعدياتهم على ارزاق الفلاحين كونهم كانوا يعتمدون السرقة وخاصة سرقة المواشي كطريقة عيش، إلا أن بعض هؤلاء انفصلوا عن عشيرتهم وأصبحوا موارنة واستوطنوا بين السكان المحليين فيها.

وقد بقى البئر في ذاكرة القرية العنصر الأساسي والمهم. و لا يزال كل العينبليين اليوم يبنون بئرا في بيوتهم الجديدة لجمع مياه الأمطار التي تعين كثيرا في استعمالات المنزل، ولو أن الحياة هذه الأيام تتطلب كمية أكبر من الماء، إلا أن وجود بعض الدعم، من مشاريع الدولة كمياه الليطاني أو راس العين او حتى الآبار الارتوازية الخاصة، يسهم في تسهيل الأمور بعض الشيء، ولكنه لا يجعل السكان يستغنون عن وجود خزان كبير نسبيا للماء، تجمع فيه مياه الأمطار شتاء، ويزاد عليها ما أمكن من دعم شبكات مياه الشرب وبعض الخزانات المتحركة والتي تنقل مياه الآبار الارتوازية إلى البيوت. ولكن الجديد اليوم أن حضارة الباطون خففت على المواطن استعمال ناقري الآبار والتفتيش عن صخور صلبة كبيرة تستوعب ذلك النوع من الآبار تحت الأرض. فاليوم يمكن اقامة بئر في اي مكان من البناء والتأكد بانه يستطيع جمع الماء وحفظه، كون الباطون وتلييسه يمنع تسرب الماء إلى الخارج كما ويمكن تصليح إي نوع من التفسخ الذي قد يصيب حيطان البئر.

وأخيرا فإن حياة هؤلاء الذين قدموا من شمال لبنان، حيث الينابيع الكثيرة تغزي كل المناطق، تغيرت بعض الشيء واعتادوا على التقنين في استعمال المياه وتغيير الكثير من طرق الري والزراعة، حتى أنهم استغنوا عن الاشجار المثمرة التي كانت اساس اقتصادياتهم في تلك البلاد ليركزوا على الأشجار التي تتحمل العطش وتكتفي بالفلاحة، وهي سقاية من نوع آخر كما كان بعض الفلاحين يسمونها، وقد وجدوا أن الزيتون والتين والعنب وبعض اللوزيات هي الآشجار التي يمكن الاعتماد عليها والتي تكتفي بتنعيم وجه التراب عندما يتوقف المطر لكي لا تبخر اشعة الشمس عمق التربة. ومن هنا فإن الفلاح العينبلي كان يهمه أن يقوم بأربع فلحات الأولى شق الأرض وتتليمها لكي تستوعب أكبر كمية من مياه المطر، ويجب أن تتم بعد أول رية وقبل كوانين، والثانية مخالفة الشقاق والتي يحب أن تتم في آذار عندما تشبع الأرض ويبدأ العشب البري بالنمو، أما الثالثة ففي نيسان زبع توقف المطر وهي لتسكير وجه التربة ومنع التبخر، أما الرابعة إذا أمكن فتكون فيما بعد الحصيدة في تموز ويسمونها فلاحة السقي، وخلالها يحرك التراب ويعاد تفتيته ليغلق أكثر فأكثر ويمنع التشقق ودخول اشعة الشمس حتى تتمكن الأشجار من الصمود والعطاء بدون ماء حتى تشرين.