د. حارث سليمان: التعطيل ليس غموضا في الدستور/لمن لديه اي معرفة بالواقع اللبناني فان جوهر الازمة الموجودة اليوم في لبنان تقوم على خلاف متفجر حول الخيارات الاستراتيجية في القضايا الثلاثة: الدفاع والعلاقات الخارجية والنقد والجمارك

41

التعطيل ليس غموضا في الدستور
لمن لديه اي معرفة بالواقع اللبناني فان جوهر الازمة الموجودة اليوم في لبنان تقوم على خلاف متفجر حول الخيارات الاستراتيجية في القضايا الثلاثة: الدفاع العلاقات الخارجية النقد والجمارك

د. حارث سليمان

منطق الفدرالية كما منطق التحالف الرباعي الذي مارسته قوى ١٤ اذار منذ ٢٠٠٥ والذي فوض وسلم ل حزب الله بأحاديته في الطائفة الشيعية، هو منطق دفن الرؤوس في الرمال.

بدأ جهابذة ١٤ اذار بنظرية مفادها، انه لو سيطر حزب الله على كل المقاعد الشيعية النيابية سيبقى اقلية، مع حلفائه، وستكون هناك اكثرية لأحزاب ١٤ آذار والشخصيات السياسية المستقلة المتحالفة داخلها، وحدث ذلك فعلا بعد الانتخابات النيابية سنة ٢٠٠٥.

رد حزب الله على هذه الاكثرية النيابية “برفع مصاحف” الميثاقية، وترجمتها العملية كانت ؛ لا تستطيعون الحكم وتشكيل الوزارة، دون تمثيل نواب الثنائية الشيعية امل وحزب الله في الحكومة، الجدير ذكره ان ١٤ اذار في حينها كان لديها ثلاثة نواب شيعة يمكن ان يتمثلوا، لكن الحزب اشهر في وجههم، البند التاسع من مقدمة الدستور، التي تقول: “لا شرعية لاي سلطة تناقض صيغة العيش المشترك”، ما علاقة توزير حزب سياسي او حزبين بالعيش المشترك، العيش المشترك هو توازن وطني بين الجماعات اي بين الناس، السلطة التي تنشأ باستبعاد جماعة طائفية ما، لا تكون سلطة عيش مشترك، وهذه السلطة تمثلت فعلا بالحكومة العسكرية التي رئسها الجنرال عون سنة ١٩٨٨، اما استبعاد حزب سياسي مع تمثيل طائفته بشخصيات غير حزبية فليس نقضا للعيش المشترك.

أما الحكومة التي تتشكل من جميع احزاب الطوائف فليس صانعة وحدة وطنية، بل حكومة اىتلافية حزبية، لان الناس اكبر من الاحزاب مجتمعة ووحدة الشعب لا تصنعها وحدة الاحزاب، حتى ولو كانت هذه الاحزاب جماهيرية.

بعد ذلك قام حزب الله بخرق الساحة المسيحية عبر التفاهم في كنيسة مار مخايل مع الجنرال عون، لكن ٨ آذار بقيت اقلية نيابية، لذلك تم اغلاق مجلس النواب، وتهديد النواب الذين لجأوا الى فندق فينيسيا بعد قتل كل من انطوان غانم وجبران تويني وبيار الجميل وتم منع انتخاب نسيب لحود رئيسا للجمهورية.

في مرحلة لاحقة، اخترع الحزب وحلفاؤه الثلث المعطل وفرضوه بعد ٧ ايار واتفاق الدوحة، وانتخب ميشال سليمان رئيسا للجمهورية فكان أن زار دمشق واصدر بيانا رئاسيا مع الاسد يدعو لإعادة النظر بمعاهدة الاخوة والتنسيق بين لبنان وسورية، وفتحت سفارات متبادلة بين البلدين… وتوقفت الاغتيالات السياسية في لبنان، وشغل بشار الاسد مقعدا في عداد ضيوف الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي، اثناء استعراض عسكري في ذكرى ١٤ تموز في باريس.

سنة ٢٠١١عطلت اعمال حكومة سعد الحريري لمن يتذكر بذريعة ادراج بند شهود الزور في راس جدول اعمال مجلس الوزراء، ثم استقالت باستقالة ثلثها وارسلت قضية شهود الزور الى النسيان بعد ان خدمت مدتها وعسكريتها، واتت حكومة من لون واحد هي حكومة ميقاتي….
اين الميثاقية! لم تعد مهمة، حكومة الوحدة الوطنية لم تعد مطلوبة، كل النظريات هذه عن العيش المشترك والميثاقية انتهت صلاحيتها.

في نهاية سنة ٢٠١٤ تم تعطيل انتخاب رئيس جمهورية، واعلن ميشال عون مرشحا وحيدا، بدعوى “الرئيس القوي” . عادت سياسة غل الرؤوس في الرمال نفسها، وانتجت التسوية الرئاسية، فوصل ميشال عون بأصوات جنبلاط والحريري وجعجع، اضافة الى اصواته وحزب الله، هل انتهى الامر، طبعا لا.

ذهبنا الى قانون انتخاب تحت يافطة كاذبة وخادعة، اسمها “حقوق المسيحيين” وتصور جعجع ان رفع عدد نوابه من ١٢ نائب الى١٥ نائب سيغير وجه العالم، لذلك كان مصرا على ابوة جورج عدوان لهذا القانون، لكن القانون اعطى ايران ٧٢ نائب كما اعلن ذلك الجنرال سليماني، حاز حزب الله الاكثرية النيابية واصبحت ايران تدير رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزارة ورئاسة مجلس النواب، فكانت حكومة الحريري، (١٣/١٧) التي اذا صوتت على اي قرار ستصوت خلافا لرأي رئيسها).

بعد سنة على انتخاب عون، ظهر ان الجنرال ملتزم أصول التحالف في منظومة الممانعة الممتدة من طهران الى بيروت، وبدأت مفاعيل الغضب الخليجي تتمظهر في السياسة اللبنانية، على وقع تصاعد العنف في الحرب اليمنية، ثم جاء مشروع سيدر كفرصة نادرة واخيرة، رحب عون وحزب الله بذلك، وحددوا الادوار (الحريري يستجدي اموال سيدر لكن نحن من نحدد كيفية صرفها) فتوقفت سيدر ووصلنا الى الثورة، وانطلاقا من اكثرية الجنرال سليماني النيابية، كانت حكومة حسان دياب، التي لم تستطع ان تكون لها ثقة لولا حضور نواب الحريري وجنبلاط.

اليوم يقوم كل من عون وباسيل بتنفيذ اجندة ايرانية بحته ، يستعملون تعطيل الحكومة كورقة ضغط على الرئيس الفرنسي ليقوم بوساطة من أجل تسهيل المفاوضات بين اميركا وايران حول ملفها النووي، في اللحظة التي تتم التسوية بين اميركا وايران، سيهدأ وسيصمت جبران باسيل ويعود لحجمه.! وستستنتج ايران خطأً او صوابا، ان يدها مطلقة في لبنان. وقد بدأت نتائج هذا الاستنتاج فعلا يدوي في ارجاء لبنان.
المراوحة الحالية في تشكيل الحكومة ليست صراع صلاحيات بين رئيس جمهورية ماروني ورئيس مكلف سني، هذا برنامج تلفزيونات الواقع مزيف، وحقيقة الامر أن التعطيل ايراني وليس غموضا دستوريا .
ولو كتب المشرعون في الدستور مئة الف صفحة تحدد سلوك السياسيين من الحضور والغياب والتوقيع والمشاركة والعقوبات لن يتغير شيئا .
فالرئيس الايراني محمد خاتمي لم يستطع تطبيق دستور وضعه الخميني في ايران . فهل سيقبل نصرالله تطبيق دستور مأخوذ من الدستور الفرنسي!؟ والجواب بديهي لكل صاحب عقل!

ماذا عن الفدرالية، تنطلق الفكرة من نفس نقطة انطلاق الاتفاق الرباعي؛ اي لنترك الطائفة الشيعية لحزب الله، وهو سيترك لكل طائفة ادارتها من قبل زعماء أحزابها الطائفية، اي بكلمة أخرى اذا لم يعد نظام المحاصصة الطائفية منصفا وعادلا بسبب قوة حزب الله وسطوته، لنذهب الى نظام فصل نسبي ينظم حدود التقاسم والمحاصصة بحدود الطوائف ومنظوماتها الاقتصادية والمالية.

يبدو الامر مغريا، لكنه في الحقيقة، هو وهم غبي لا يستنتج شيئا من التجربة السياسية التي مررنا بها في ٢٠ سنة مضت!

حزب الله يحكم كل لبنان، وله ادواته في كل الطوائف، فهل سيتخلى عن هذه القوى ؟ ويقتصر دوره على قيادة الطائفة الشيعية؟

وايران التي تتدخل في كل دول العالم هل ستترك ل مارونستان ودرزيستان وسنتستان لشأنها؟.

المسألة الثانية الفدرالية تقوم على امرين: الاول توسيع اطار الحكم المحلي والخدمات والتنمية في كل اقليم اما الثاني فهو ايلاء الحكومة المركزية الفدرالية سلطة البت بالسياسة الدفاعية والسياسة الخارجية والنقد والحدود الجمركية.

لمن لديه اي معرفة بالواقع اللبناني فان جوهر الازمة الموجودة اليوم في لبنان تقوم على خلاف متفجر حول الخيارات الاستراتيجية في القضايا الثلاثة : الدفاع /علاقات خارجية/ نقد وجمارك/.

الفدرالية غير متاحة بتاتا وغير ممكنة واقعا وستبقي الازمة قائمة…
بعد عشرين سنة من العجز امام حزب الله ودفن الرؤوس في الرمال لنواجه الحقائق ونأخذ الدروس، الاستنتاج لا حل للاستعصاء اللبناني الا بحل الاستعصاء الشيعي، احرار الشيعة في الواجهة وهنا تكمن القضية، افتقدنا حضور من عانوا من الاغتيال السياسي كل هذه السنين افتقدناهم في ساحة سمير قصير وفي يوم وداع لقمان، طمنونا عنكم.