الكولونيل شربل بركات: بلدة عين إبل الجنوبية المتعددة اللغات

62

بلدة عين إبل الجنوبية المتعددة اللغات
الكولونيل شربل بركات/19 شباط/2021

في الخمسينات من القرن العشرين كانت اتفاقيات الهدنة تحكم العلاقات عبر الحدود بين الدول العربية المجاورة لاسرائيل وجارتهم الجديدة. وقد انتهت الحروب والاعتداءات المتبادلة عبر حدود الدول والتي اعتمدت ما سمي بالخط الأخضر الفاصل بين مواقع الجيوش عصر الحرب العربية – الاسرائيلية سنة 1948. وكانت غزة بقيت تحت الادارة المصرية، بينما كامل الضفة الغربية والقدس الشرقية أصبحت تحت سلطة الأردن، وفي الجانب السوري كان الخط الأخضر تجاوز أيضا خط الحدود الفلسطينية – السورية لصالح السوريين. أما في لبنان فقط اتفق الطرفان على اعتماد خط الحدود الدولي بين الانتداب الفرنسي والبريطاني أي الحدود اللبنانية – الفلسطينية بدون تغيير. وقد انتشرت فرق مراقبة من قبل الأمم المتحدة مركزها الرئيسي في القدس لتشرف على هذه الهدنة وتمنع أي اشكالات قد تحصل.

كانت هذه المجموعة تحمل شعار مختصر مهمتها UNTSO ما تفصيله UNITED NATIONS TRUCE SUPERVISION ORGANIZATION أي وحدة الأمم المتحدة للاشراف على الهدنة. وقد تمركزت من الجانب اللبناني عند بلدة الناقورة الحدودية أما من الجانب الاسرائيلي فقد كان مركزها في بلدة المطلة الاسرائيلية. وكانت مهمة هذه الوحدة الغير مسلحة الاشراف على حسن سير الاتفاقية وعدم الاخلال بها اي تسوية اي اشكال عبر الحدود قبل أن يكبر. ومن هنا فقد كانت بين الحين والآخر تمر آليات بيضاء تحمل علم الأمم المتحدة الأزرق على الطريق الحدودي بين الناقورة وتل النحاس، وكنا صغارا نفرح برؤيتها. ومن ضمن عمل هذه القوات حل مشاكل بسيطة كانت تحدث هنا وهناك؛ مثل دخول بقرة أو شلعة من الماعز إلى اسرائيل أو بالعكس. فتقوم هذه الفرقة بالاتصال بالجانب الآخر لتسوية الموضوع واعادة الرزق لأصحابه بواسطة السلطات المحلية بالطبع.

في يوم ما ايام سنة 1955، على ما اعتقد، وأثناء مرور سيارة جيب تابعة لهذه الوحدة في عين إبل، وكان فيها ضابط بلجيكي وآخر ارجنتيني، أحب هؤلاء أن يتحدثوا مع المواطنين المحليين ليفهموا أوضاع الناس. وقد تكون هذه جزء من مهمتهم يومها. توقف الجيب في أول البلدة من ناحية الجنوب على مفرق المحفرة، وإذا بأحد الفلاحين عائدا إلى بيته راكبا حماره مع العدة بينما يسير فدانه أمامه. كان هذا الفلاح أبو فرنسيس سعيد حنا روكز، وقد كان أنهى عمله في أرضه باكرا على ما يبدو. كان الضابطان يحملان كتابا أرادا أن يستعملاه للتفاهم مع الرجل كونهما لا يتقنان العربية، وبدأ الحديث بشكل لم يقدر ابو فرنسيس أن يفهم منه شيئا، فسألهما باللغة الاسبانية إذا كانا يتكلمانها. ففرح الضابط الأرجنتيني وبدا بالحديث مع ابو فرنسيس وسؤاله عما يفعله وأمور الحياة في البلدة. وكان حديثا شيقا وصل في النهاية إلى سؤاله كيف تعلم الاسبانية. وكان أبو فرنسيس قد هاجر باكرا إلى هافانا في كوبا وأمضى مدة عمل فيها هناك، حيث تقطن جالية عينبلية مقبولة العدد. وعندما حن إلى البلدة وجمع بعض الثروة، عاد وبنى بيته وصار يعتني بأرضه وعائلته الناشئة. ولما فرغ الضابطان من الحديث سألاه عن دكان يمكن أن يشتريا منه بعض الحاجات، فاشار عليهما أن يكملا طريقهما صوب ساحة الكنيسة حيث يوجد دكان ابو جوزيف. فشكراه وانطلقا باتجاه البلدة كما اشار عليهما.

وصل الضابطان في سيارتهما إلى ساحة الكنيسة وتوقفا أمامها وبدأ بأخذ بعض الصور للكنيسة الكبيرة وساحتها وبعض البيوت، ومن ثم دخلا إلى المحل وكانا يريدان ايضا استعمال الكتاب الذي يحملان للتفاهم مع صاحب المحل. ولكن، وعندما دخلا كان ابو جوزيف، العم حنا بركات، وهو ضرير ولكنه كثير الفطنة، قد عرف من حديثهما بأنهما غريبان، فبادرهما بالسلام الفرنسي “بونجور” فجاوبه الضابط البلجيكي بالفرنسية، وفرح بأنه وجد من يستطيع أن يتفاهم معه. وكان ابو جوزيف قد تعلم ككل ابناء البلدة اللغة الفرنسية ولكنه أتقنها بشكل افضل وعلمها في فترة ما في مدرسة البلدة. وكان يحب أن يستعملها بين الحين والآخر، سيما وأنه مارسها مدة كبيرة ليس فقط في مجال التعليم وأنما بالمحادثة مع الفرنسيين طيلة فترة الانتداب. وكان ابو جوزيف لبقا محبا للضيافة والتعرف على الناس، فطال الحديث معه. وبعد برهة أوقف حديثه لينادي على ام جوزيف ويطلب منها أن تحضر فنجان قهوة.

وما هي إلا دقائق معدودة حتى دخلت ام جوزيف مع القهوة وعلبة الدخان وبعض الحلوى. فبادرها الضابط البلجيكي بالسلام بالفرنسية، معتقدا بأنها تتكلمها مثل زوجها. ولكنها اعتذرت وأجابت بأنها تتكلم الألمانية. وكان هذا الضابط البلجيكي من الفلامان ويعرف اللغة الألمانية بشكل جيد. فأكمل الحديث معها بالالمانية. وكانت ام جوزيف قد ولدت في حيفا حيث كان هاجر جدها وعمل مع الألمان في المدينة التي سكنتها قبل الحرب العالمية الأولى جالية المانية كبيرة ساهمت كثيرا في تطورها وجعلها مدينة حديثة. وكان والدها الذي نشأ في المدينة وتزوج وبنى عائلته يملك بناية من أربعة طوابق في مركز المدينة في الهادار. وفي اسفلها اربعة محلات مؤجرة كانت تدخل له مع الطوابق السكنية مبالغ كبيرة اضافة إلى عمله كمحاسب مع إحدى أهم الشركات الالمانية. ولذا فقد نشأت فريدة وأخوتها في أجواء المدينة المتطورة. ولم تنسى ايام العز ولو أنها تزوجت وانتقلت إلى البلدة قبل سقوط فلسطين، حيث بقيت تسكن والدتها وجالية كبيرة من العينبليين. من هنا كانت ام جوزيف تفتخر بلغتها الألمانية، ولو أن المناسبات التي تسمح لها بتكلمها كانت قليلة. وهكذا فقد دار حديث طويل مع ذلك الضابط الذي فرح بالتعرف على عدة جوانب من هذا المجتمع الذي لم يكن يعرف عنه شيئا.

في هذه الأثناء دخلت أم نصري زوجة جريس البحري لشراء بعض الحاجيات، فبادرها الضابط بالبونجور ولكنها جاوبته بالانكليزية معتذرة عن عدم تكلمها الفرنسية. ففرح الضابطان لأنهما سيقدران أن يكلماها بلغة الأمم المتحدة التي يمارسانها بشكل طبيعي يوميا، ما اضاف إلى ذلك الجو Multicultural رونقا جديدا وأطال الحديث. وام نصري كانت تعيش في حيفا وتعمل مع الأنكليز قبل أن تتزوج من جريس البحري، الذي كان يسكن ايضا في حيفا، وقد فتح مصلحة فيها كانت تدر له الكثير من الأرباح. فقد شارك ابو عفيف في الفرن وكان يملك مطعما ايضا يقدم الفول والحمص ولا ينقطع منه الزبائن. ويوم عاد إلى البلدة بقي أخوه حنا وعائلته في مدينة حيفا يمارسون نفس مهنة المطاعم تلك. ولذا فقد كان تنوع الحديث عن الماضي والحاضر وبوجود رجال ونساء قد أعطى الضابطان الأمميان فكرة عن هذه القرية الصغيرة القابعة في اقصى الجنوب والمحشورة بين الحدود المغلقة والطريق المقطوع الذي لا يمر عليه اي غريب.