د. توفيق هندي/أستراتيجية إيران مقابل سياسة إدارة بايدن

80

أستراتيجية إيران مقابل سياسة إدارة بايدن.
د. توفيق هندي/19 شباط/2021

كيف التعاطي مع إيران؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من الغوص أولا” في طبيعة الجمهورية الإسلامية في إيران لإيضاح هدفها إستراتيجيتها وتكتيكاتها.

إنها الجمهورية الإسلامية في إيران وليس الجمهورية الإيرانية الإسلامية، مما يعني أن هدفها هو تعميم الإسلام بمفهوم ولاية الفقيه على الإنسانية بأسرها عبر الجهاد بكل أشكاله بما فيه الجهاد العسكري. يكفي للتأكد من هذا الأمر الإطلاع على أدبيات الجمهورية الإسلامية بما فيها كتابات مؤسسها الإمام الخميني وخليفته الخامينئي والدستور الإيراني ومواقف وتصريحات قادتها في إيران وتفرعات الجمهورية في الإقليم (حزب الله، الحشد الشعبي،…).

لذا، علة وجود الجمهورية الإيرانية تكمن في تمددها إلى المعمورة. إن فرّطت بها يكون النظام الإيراني قد أطلق رصاصة الرحمة على نفسه وحينها يسقط. أما السلاح النووي والصواريخ البالستية والأسلحة الكلاسيكية، فهي وسائل مهمة لإنجاز هذا التمدد ولكنها ليست أهداف بحد ذاتها.

من هنا، من السذاجة الإعتقاد أن إيران قد تعقد أي صفقة مع أعدائها أو خصومها أو شركائها تضحي من خلالها بسلاح أي من مكونات فيلق القدس، ولا سيما حزب الله.

ففيلق القدس هو جيش إيران الأساسي ومهمته تصدير الثورة. بعد مقتل قائده الملهم والقدير قاسم سليماني، عين خآني محله. إنما القائد الفعلي له هو حسن نصر الله الذي هو الرجل الثاني في إيران نظرا” لأهمية فيلق القدس في إستراتيجية التمدد الإيراني ولما له من علاقات عميقة مع ما يسمى محور المقاومة (وهو عمليا” قائدها والناطق بإسمها)، لقربه من الخامينئي، لقدم حزب الله ونموذيجته وخبرته وكل الطاقات التي وظفتها فيه إيران في كل المجالات، ولأن التمدد الإيراني هو في بلاد العرب في المرحلة الحالية.

من ناحية أخرى، يجب الإقلاع عن أوهام وجود سياقات ديمقراطية في إيران كإنتخابات رئيس الجمهورية ومجلس الشورى (البرلمان) ومجلس الخبراء. فالإنتخابات بيد المرشد الأعلى (الخامينئي) بشكل كامل من خلال تحكمه بالترشيحات بواسطة مجلس صيانة الدستور والإنتخابات من خلال الحرس الثوري والباسيج وتحكمه بكافة مفاصل السلطة والأيديولوجيا الحسينية الكربلائية المتأصلة تاريخيا” في ضمير الشعب.

إن سلطة المرشد مطلقة، وهو الولي الفقيه الذي يحصل على مشروعيته من سلسلة تفويضات من الله مرورا” بالرسول محمد فالإمام علي بن أبي طالب وصولا” إلى المهدي المنتظر.

لذا، يجب الإقلاع عن وهم وجود تيار معتدل أو واقعي وتيار متشدد محافظ. التيارات كافة تتحرك ضمن مسلمات الجمهورية الإسلامية.
إن هذا النظام الشعبوي الثيوقراطي الحديدي لا يمكن إسقاطه أو لي ذراعه وتغيير مسار سياسته وإداءه السياسي من الداخل من خلال ثورة جياع أو ثورة حريات أو من خلال إستخدام تناقضات مثل شيعي/غير شيعي أو فارسي/غير فارسي أو من خلال حصار إقتصادي وديبلوماسي.

الجمهورية الإسلامية ليست الإتحاد السوفياتي لكي تسقط بهذه الأساليب. لقد جربت كل هذه الطرق وأثبتت عقمها. فالنظام أثبت صلابته خلال 43 سنة وصموده.

يجب إيضا” الإقلاع عن فكرة أن الصراع معه يختصر بصراع عربي فارسي، بالرغم أن هذا الصراع موجود وأن الفرس لهم باع تاريخي طويل في معاداة العرب ونظرتهم فوقية لهم.

وللجمهورية الإسلامية في إيران وجهان : وجه فارسي ووجه إسلامي. فالوجه الفارسي يستلهم حداقة وحسن تدبير العقل الأمبراطوري الفارسي. غير أن الوجه الفارسي هو في خدمة الوجه الإسلامي وليس العكس. لذا، لا يصح تطبيق قواعد المواجهة الكلاسيكية لإيران الإسلامية كإعتبار أن ثمة إمكانية لإدخالها في النظام العالمي، وهي التي تطمح إلى إزالته وإستبداله بالنظام الإسلامي الخاص بها. فهي غير مستعدة للتطبع معه، ولو حاولت الإيحاء بعكس ذلك في مراحل تكتيكية تكون مصلحتها فيها كف شره عنها.

وفي إطار هذا التوجه الجهادي لإيران، لا بد من التوقف عند موقفها المعلن من إسرائيل، ألا وهو تحرير كامل تراب فلسطين وتدمير دولة إسرائيل. وهنا، يجب التأكيد أن العداوة بين إيران وإسرائيل حقيقية وإسرائيل تأخذ التهديد الإيراني على محمل الجد والإبتعاد عن الطروحات الخيالية التي تتحدث عن تحالف إيراني-إسرائيلي.

أما إستحصال إيران على السلاح النووي، فيحولها حصنا” منيعا” ويسمح لها تاليا” تزخيم سياسة تمددها دون رادع وتهديد أعداءها بالصواريخ البالستية والصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة والمسيرات وغيرها من الأسلحة التقليدية. لذا، إقترابها من الحصول على هذا السلاح سوف يؤدي بالضرورة إلى رد عسكري.

في المقابل، إدارة بايدن تسير في حقل ألغام داخلية وخارجية.
داخليا”، تواجه خصما” قويا” هو ترامب العاقد العزم على التصدي لها، وهو قادر على ذالك وهو أول رئيس يكمل نشاطه السياسي بعد خروجه من البيت الأبيض. وبات يمسك بالحزب الجمهوري أكثر من أي وقت سبق بعد فشل محاكمته في مجلس الشيوخ. كما أن الحزب الديمقراطي لا يتفوق على الحزب الجمهوري في المجلس النيابي إلا بخمسة أعضاء. أما في مجلس الشيوخ، فلا يؤمن الأغلبية العادية إلا من خلال نائبة الرئيس كامالا هريس. وثمة إنتخابات نصفية بعد سنتين من المرجح أن يخسر بايدن فيها الأغلبية في المجلسين التشريعيين. بالإضافة إلى ذلك كله تواجه هذه الإدارة معضلتين خطيرتين: كورونا والإقصاد.

لذا، هذا الوضع الداخلي الصعب يلقي بثقله عليها ويضطرها أن تكون حذرة في سياساتها الخارجية.

أما الوضع في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، فقط شهد تحولات دراماتيكية ليس أقله المواجهة الترامبية الشرسة لإيران والتطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية عامة والخليجية خاصة بما يزخم المواجهة معها بالإضافة إلى سياسة أميركية متناغمة إلى أقصى الحدود مع إسرائيل وتحولات تغييرية تحديثية مهمة داخل المملكة العربية السعودية وحركة تصحيحية في الدين الإسلامي بإطار عودته إلى الإعتدال ونبذ التطرف والعنف الديني والتلاقي بين الديانات السماوية الثلاثة.
لذا، لا بد لإدارة بايدن من أخذ بعين الإعتبار إرث سياسة ترامب في المنطقة والتحولات فيها.

وبالرغم من ذلك، فإن سياسة البيت الأبيض تجاه إيران قائمة اليوم على إحتوائها وإسترضائها، أي العودة إلى سياسة أوباما. المؤشرات لهذا المنحى عديدة.

في أول خطاب لبايدن الذي ألقاه في وزارة الخارجية، أعاد الإعتبار إلى الديبلوماسية بما يعني رفض السياسة القائمة على العقوبات وإستخدام القوة أو التهديد بإستخدامها. وهو يشكل إنتقادا” مبطنا” لسياسة ترامب وتمهيدا” للعودة إلى الإتفاق النووي.

المؤشر الثاني هو تعيين فريق أوباما الذي فاوض للتوصل إلى هذا الإتفاق في أهم المواقع: روبرت مالي عين موفدا” رئاسيا” خاصا” لإيران (له علاقات عميقة مع القيادة الإيرانية)، وليم بارنز لوكالة الإستخبارات الأميركية، دان سوليفن لمركز مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض وأنطوني بلنكن لوزارة الخارجية. ثمة تناغم واضح بين هؤلاء المسؤوليين الأربعة: يجب العودة إلى الإتفاق النووي بسرعة لأن إيران على بعد أسابيع من الحصول على القدرة لإنتاج السلاح النووي؛ نعود إلى الإتفاق ومن ثم نفاوض على المسائل الثلاث، أي السلاح النووي والصواريخ البالستية والتمدد الإيراني في المنطقة. من الواضح أن هذا الطرح طوباوي وساذج، إذ متى عادت أميركا إلى الإتفاق، لن يعود في يدها أية عناصر من عناصر القوة للمفاوضة. بالإضافة إلى أن إيران سوف تطالبهم حينذاك بالتعويض عن الأضرار التي ألحقتها سياسة العقوبات بإقتصادها.

المؤشر الثالث هو بعدم إتصال بايدن بالملك السعودي أو ولي عهده أو بأي مسؤول خليجي أو عربي أو بنتانياهو، مما يعني ضرورة عدم إتخاذ أي خطوة إيجابية تجاه أعداء إيران والتلميح بعدم الرغبة بمشاركتهم من قريب أو من بعيد بإعادة المفاوضات معها.

المؤشر الرابع هو بخطاب بايدن حيث لم يذكر شيئا” عن سياسته في المنطقة سوى رفع صفة الإرهاب عن الحوثيين (لأسباب إنسانية) مقابل الإعلان عن الدفاع عن السعودية.

المؤشر الخامس هو بتعليق تسليح السعودية والإمارات بحجة واهية تقنية.

جاء الرد الإيراني بتصعيد حوثي داخل اليمن ومع المملكة العربية السعودية دون أن تبرز إدارة بايدن أي إستعداد للدفاع عنها.

إيران تضغط بتسريع الخطوات للإستحصال على السلاح النووي (وآخرها بداية إنتاج اليورانيوم الصلب) وتطالب أميركا بالعودة إلى الإتفاق النووي كما هو ورفع العقوبات وعندها تعود إلى الإلتزام بمندرجاته. بالمقابل، أميركا تعتمد على المقاربات الديبلوماسية وتطالب إيران بالعودة إلى الإلتزام بالإتفاق ومن ثم ترفع العقوبات.

لا شك أن مسار هذا التشاطر بشأن العودة إلى الإتفاق النووي سوف ينتهي بالعودة إليه لأن الطرفين يريدانه. المسالة مسألة وقت.
وبالختام، لا بد من قراءة التاريخلأخذ العبر. فقبيل الحرب العالمية الثانية إنتهج رئيس وزراء بريطانيا نيرفيل شنبرلين سياسة الإسترضاء ((appeasement مع هيتلتر وعقدت بنتيجتها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا معاهدة ميونيخ التي أعطت هيتلر قسما” من تشيكوسلوفاكيا. والنتيجة كانت الحرب العالمية الثانية المدمرة.
فالديمقراطيات بمواجهة أنظمة توتاليتارية تحاذر الدخول في مسارات حاسمة وبالنتيجة تدفع الثمن غاليا” لسياساتها المائعة. فهل المنطقة على شفير حرب مدمرة؟!