مقابلة/بالصوت من إذاعة صوت لبنان مع المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري: الصيغة فشلت في بناء وطن والحل يبدأ بإعتماد قانون مدني للأحوال الشخصية وإذا رفض اللبنانيون فلا حل سوى بإعتماد نظام فدرالي وهو ليس نظام تقسيمي/المؤتمر الدولي سيف ذو حدين

181

مقابلة بالصوت من إذاعة صوت لبنان مع المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/الصيغة فشلت في بناء وطن والحل يبدأ بإعتماد قانون مدني للأحوال الشخصية وإذا رفض اللبنانيون ذلك فلا حل سوى بإعتماد نظام فدرالي مؤكداً أنه ليس بنظام تقسيمي/المؤتمر الدولي سيف ذو حدين

مقابلة بالصوت/فورماتWMA/من إذاعة صوت لبنان مع المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/13 شباط/2021/اضغط هنا للإستماع للمقابلة

مقابلة بالصوت/فورمات/MP3/من إذاعة صوت لبنان مع المخرج والكاتب يوسف ي. الخوري/13 شباط/2021/اضغط هنا للإستماع للمقابلة
مقابلة بالصوت من إذاعة صوت لبنان مع المخرج يوسف ي. الخوري/فورمات/13 شباط/2021/اضغط على العلامية في أسفل إلى يمين الصفحة للإسماع للمقابلة

اضغط هنا لدخول صفحة المقابلة على موقع اذاعة صوت لبنان (برنامج مش فالين) حيث يوجد تسجيل كامل للمقابلة

ملخص المقابلة من موقع إذاعة صوت لبنان
13 شباط/2021
الخوري لمش فالين: ولا مرة صار في تغيير نظام بلبنان إلا من خلال تدخل دولي.
أكد الكاتب والمخرج يوسف الخوري في حديث له ضمن برنامج مش فالين عبر صوت لبنان أنه سبق وشهد لبنان مثل هذه المرحلة في تاريخه وذلك بعد الحرب العالمية الأولى وما رافقتها من مجاعة وصراعات حيث مر بنفس الخطوات التغييرية التي نعيشها اليوم.
الخوري إعتبر أننا تمكنا بعد مئة عام من ولادة لبنان، من بناء دولة لكننا لم نستطع بناء وطن وهوية لبنانية. وقال: “علينا البدء بالإعتراف بالأخطاء التي اقترفناها كل هذه السنوات”.
وشدد على أننا نعيش اليوم في دستور مختلف عن دستور الطائف الذي لم يطبق أصلاً ووضع على حساب فئة دون أخرى.
الخوري أبدى تخوفه من طرح عقد مؤتمر دولي يعيد الطبقة السياسية نفسها على طاولة المفاوضات مشيراً إلى أن التجربة برهنت أن الصيغة اللبنانية فشلت في بناء وطن وأضاف: “ولا مرة صار في تغيير نظام بلبنان إلا من خلال تدخل دولي”.
أخيرا، إعتبر الخوري أن الحل يبدأ بإعتماد قانون مدني للأحوال الشخصية وإذا رفض اللبنانيون ذلك فلا حل سوى بإعتماد نظام فدرالي مؤكداً أنه ليس بنظام تقسيمي.

في أسفل دراسة للمخرج والكاتب يوسف  ي. الخوري تتاول بالعمق ما يسمى خبثاً وزوراً واعتداءً “مارونية سياسية” كانت نشرت بتاريخ 09 شباط/2021

“المارونيّة ألسياسيّة” بين مطرقةِ شيحا وسِنْدانِ الحريري
المخرج يوسف ي. الخوري/09 شباط/2021
مدخل
“المارونيّة السياسيّة” هي عبارةٌ تنضحُ بغيرِ ما يحمل مضمونها. أطلقها كمال جنبلاط للإشارة إلى بعض الإمتيازات التي أعطت الموارنة تفوّقًا على باقي الطوائف في إدارة الحكم في لبنان، كما للإيحاء بأنّها هي الأساس في تفاقم التناحر المذهبي بين الجماعات اللبنانيّة، والسبب في “تفكّك أوصال الدولة”. هذا في الظاهر، أمّا في الباطن، فشعار “المارونيّة السياسيّة” ما هو سوى تعبير عن رفضِ ¬¬جنبلاط لميثاق الـ 1943، خصوصًا أنّ هذا الميثاق حرمه، كدرزيّ، من تبوّء إحدى الرئاسات الأساسيّة في البلاد، لاسيّما الرئاسة الأولى.

شعارٌ أُريدَ منه باطل
كما أنّ تعبير “المارونيّة السياسيّة” مجحف بحقّ الموارنة من ناحية مضمونه، فهو أيضًا مضلّل إذا ما تناولناه من زاوية علم الدّلالة.
حين تقع على عبارة “المارونيّة السياسيّة”، فورًا يتبادر إلى ذهنك أنّ المارونيّة هي نهج متماسك في السياسة وفكر موحّد في العقيدة، لكنّ الموارنة لم يتوحّدوا يومًا في السياسة، وإذا اضطرّوا أحيانًا أن يتحالفوا ظرفيًّا، فيكون ذلك على مضضٍ أو لمصلحة. فكيف يصحّ إطلاق تسمية المارونيّة، مع “أل” التعريف، على سياساتهم، بينما هم أصحاب سياسات متعدّدة وتوجّهات مختلفة منذ تعزّز الصراع القيسي اليمني بداية القرن الثامن عشر ولغاية اليوم؟ وليد جنبلاط كان أكثر دقّة من والده في توصيف “ألمارونيّة السياسيّة”، إذ صرّح أكثر من مرّة بما معناه أنّ “هذا الشعار يُمكن إلصاقه بغير الموارنة وحتّى ببعض المسلمين الرجعيين”.

أصل الحالة
بين موقف إميل إدّه المتخوِّف من دعاة القوميّة العربيّة والميّال إلى ترك الإنتداب الفرنسي على لبنان فترة أطول، ورأيٍ مسيحيٍّ آخر، ذي نزعة إستقلاليّة، يتزعّمه بشارة الخوري ويعكس رغبة رجال الأعمال المسيحيين بالإنفتاح على البلاد العربية تعزيزًا لنشاطهم الإقتصادي، حسمت إنتخابات العام 1943 النيابيّة هذا التباين، إذ أعطت ” الكتلة الدستوريّة ” بزعامة الخوري، فوزًا ساحقًا، وبالتالي أدّت إلى انتخابه رئيسًا للجمهوريّة، ومن بعدها انطلقت مسيرة إستقلال لبنان.
بانتصار “الكتلة الدستوريّة”، تعزّز تأثير المال ورجال الأعمال على السياسة والسياسيين في لبنان لا بالصدفة، بل نتيجة تحالف مُحكَمٍ بين أصحاب المال والطبقات الحاكمة هندسه بعناية المفكّر ميشال شيحا، أحدُ مؤسِّسي “الكتلة الدستوريّة”، وشقيق زوجة الرئيس بشارة الخوري ومستشاره.
بين العقدين السادس والسابع من القرن الماضي، أصبحت بيروت المركز المالي الأحدث والأسرع نموًّا في العالم، من خلال نشاط مصارفها المتصاعد، فانضمّ أصحاب المصارف – وغالبيتهم الساحقة من أثرياء المسيحيين – إلى نهج شيحا، وصار لهم أيضًا تأثيرهم في سياسة لبنان واقتصاده، فتحكّم هؤلاء المصرفيين مع ثلاثين عائلة تربّعت على “البورجوازيّة الماليّة التجاريّة الصناعيّة”، بالاقتصاد اللبناني: كانوا يلتفّون حول رئاسة الجمهوريّة، ويُدخلون ممثلين عنهم إلى البرلمان للتحكّم بالتشريع والموازنة، وإلى الحكومات للسيطرة على السياسات الضريبيّة والعلاقات الخارجيّة، حتى بات تحالفهم هو الحاكم الفعلي للبنان وليس الموارنة والمسيحيون.
من هنا، كان حريّ بكمال جنبلاط التصويب على نهج ميشال شيحا وعلى طبقة “البورجوازيّة الماليّة التجاريّة الصناعيّة” التي تضمّ رجال أعمال ومصرفيين من كل الطوائف، لا على السياسيين الموارنة

من شيحا إلى الحريري
بُعَيد اتّفاق الطائف، تحوّل ميزان القوّة من الموارنة إلى السنّة بزعامة رفيق الحريري. لم يَغِب عن الحريري تأثيرُ المال والاقتصاد للإمساك بزمام الأمور في لبنان، فأتى بخطة منهجيّة لانتزاع النفوذ الاقتصادي والمصرفي من المسيحيين. يكشف جورج قرم (وزير مال سابق وخبير مالي) أنّ “الحريري نفسه ثابر في سنوات الحرب على امتلاك كل ما هو للبيع بسعر جيّد: مصارف، شركات تأمين، متاجر كبرى، أراضٍ ممتازة في الأحياء البيروتية الجميلة”. ولا شك أنّ الحريري أحيا في فترة حكمه نهج ميشال شيحا، فكان يُنفق بسخاء على حملاته الانتخابيّة للسيطرة على البرلمان، ويستثمر في شبكة من العلاقات الممتازة مع أنظمة وأجهزة إستخبارات أجنبيّة، ما عزّز قوّة حضوره في لبنان والعالم، حتى كاد يختصر بشخصه كل القوى الاقتصاديّة والمصرفيّة التي حكمت لبنان منذ الاستقلال حتى عشيّة حرب 1975. يقول كمال ديب (كتاب أمراء الحرب وتجّار الهيكل): “في عهوده كرئيس للوزراء، همّش رفيق الحريري دور التفتيش المركزي ودور مجلس الخدمة المدنيّة، ووضع يده على مجلس الإنماء والإعمار، تاركًا للشيعة مجلس الجنوب وللدروز صندوق المهجّرين، فتحوّلت هذه الصناديق من خدماتيّة إجتماعيّة لمساعدة اللبنانيين، إلى حصص يتقاسمها أهل الحكم”. أمّا البنوك التي كان لها هامش تحرّك واسع وحرّ بمعزل عن المصرف المركزي قبل إتّفاق الطائف، فبدأت منذ عهد الحريري الأول، تتحوّل إلى كتلة موحّدة يحرّكها المصرف المركزي بسياساته وقراراته، ومن ضمن منظومة “أنا أدير وأحقق لكم أرباحًا إضافية”، مع الإشارة إلى أنّ حصّة المسيحيين في ملكيّة البنوك اللبنانيّة لم تعد الحصّة الكبرى في عهد الحريري، إذ توزّعت بين تجمّعات ماليّة وبنوك عربيّة وأجنبيّة – لاسيّما أميركيّة – وعائلات وأفراد لبنانيين نسبتهم الكبرى من السنّة. أمّا الطبقة “البورجوازيّة الماليّة التجاريّة الصناعيّة” ذات السيطرة المسيحيّة، فإنكفأت تحت جناحَيْ الحريري، إذ وجدت في حضوره على الساحتين الاقتصاديّة والماليّة، إحياءً لنهج شيحا الذي حجبته حرب الـ 1975.

الخلاصة
لو كانت المشكلة فعلًا في إمتيازات الموارنة قبل العام 1975، كما يدّعي كمال جنبلاط، توجّب الّا يكون لبنان اليوم في أزمة، لأنّ إمتيازات الموارنة أُسقِطَت عنهم في اتّفاق الطائف المُقرّ في العام 1989، وما عادت موجودة. أمّا وقد كمنت المشكلة الحقيقية، ولا تزال كامنة، في استئثار “الدولة العميقة البورجوازيّة” بالإقتصاد وبالسلطة، فها إنّ لبنان يتّجه نحو القعر الذي ما بعده عمق!
سيظل يُحسب للموارنة وللمسيحيين أنّه في زمانهم (زمن شيحا)، لم تتكامل الدولة العميقة مع الدولة الحقيقية، لا بل، وهذا أصْوَب، لم تسعَ للتكامل، إنّما اكتفى بورجوازيّوها (أي بورجوازيّو الدولة العميقة)، من تجّار ورجال أعمال ومصرفيّين، بالإستفادة من علاقاتهم الوطيدة بسلطة الدولة الحقيقيّة، خدمةً لمصالحهم وزيادة لثرواتهم، لكن ولا مرّة بمدّ أيديهم إلى خزائن الدولة، بل بالعكس، ساهموا في نموّ اقتصادها وضمان ازدهارها.
في زمنَي “الحريريّة” و “الشيعيّة”، تكاملت الدولة العميقة مع الدولة الحقيقيّة، فاستشرى الفساد واُفلس لبنان، لأنّ هذا التكامل أتاح الوصول إلى خزائن الدولة وماليتها، كما أتاح سرقة ودائع الناس من دون رقيب.
نهج شيحا الاقتصادي تقدّمي وسابق لعصره، وقد يكون متفوّقًا على ما يُعرف اليوم بالـ “نيو ليبراليّة”، لكن تبقى معضلته القاتلة أنّه أغدق عيش فئة معيّنة من اللبنانيّين، بينما لم يَطَلْ شيءٌ من خيراتِه غالبية الشعب، وتسبب أحيانًا بإفقار بعضها. حاول رفيق الحريري تدارك هذا المطبّ الذي أسقط نهج شيحا، من خلال خَلْق فرص لعامة اللبنانيين تُتيح لهم الهناء بشيء من البحبوحة، لكن تبيّن مع مرور الوقت، أنّ ما اعتقده اللبنانيون بحبوحة وازدهارًا في زمن “الحريريّة السياسيّة”، ما كان إلا وهمًا لإلهاء الناس عن تحالف أهل السلطة وأصحاب الأموال، وعن فسادهما المتنامي على حساب نموّ لبنان.
إنّ “الحريريّة السياسيّة” منظومة متكاملة، وراعيها رفيق الحريري نجح بأخذ دعم غالبيّة اللبنانيين، كما نجح في دمج الدولتين العميقة والحقيقيّة. “الشيعيّة السياسيّة” هي الأخرى منظومة موجودة وقائمة وتتكامل مع الدولة العميقة وتحوز على دعم اللبنانيين من خلال إسكاتهم عن أفعالها بالترهيب والترغيب. أمّا “ألمارونيّة السياسيّة” فهي غير موجودة إلّا بالإسم، لأن لا موارنة متّحدون خلفها، ولا تكامل بينها وبين الدولة العميقة. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ ألدّ أعداء الدولة العميقة في زمن شيحا (أي في زمن ما يُسمّى بـ “المارونيّة السياسيّة”) كان الموارنة أنفسهم، وإنّ أوّل ضحاياها كانت الطائفة المارونية! أوَلَم يسمّها بشير الجميّل “المزرعة” وهو في عزّ ثورته المسلّحة نحو التغيير؟

مراجعة وتدقيق: الصحافية والاستاذة الجامعية نضال أيوب
المراجع:
 كمال ديب، أمراء الحرب وتجار الهيكل – دار النهار
 كمال ديب، إمبراطوريّة إنترا – دار النهار
 فريد الخازن، تفكّك أوصال الدولة – دار النهار
 Georges Corm, Le Liban Contemporain – Histoire et société, Paris, La Découverte
 Fouad Ephrem AlBoustany, Le problème du Liban
 Annie Laurent et Antoine Basbous, Guerre secrète au Liban
 فوّاز طرابلسي، صلات بلا وصل – رياض الريّس للكتب والنشر
 كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث – دار النهار
 Michael Hudson, The Precious Republic –Political Modernization in Lebanon, New York–Random House

في أسفل مقالة للمخرج والكاتب يوسف ي. الخوري نشرت بتاريخ 18 تشرين الثاني/2020 توضح بالتفاصيل بعض ما ورد في مقابلة الكاتب التي في أعلى

من عرفات إلى الخامنئي: المجزرة مستمرّة بحقّ لبنان!
المخرج يوسف ي. الخوري/18 تشرين الثاني/2020

الديباجة:
تابعت أمس على محطّة arte فيلمين وثائقيّين عن لبنان، وعلقت في رأسي بعض المشاهد منهما:

– شاهدت لأوّل مرة بالصوت والصورة، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن يُعلن أمام الكنيست الإسرائيلي: “لن نسمح بأن تُرتكب مجزرة جديدة بحقّ المسيحيّين في لبنان”.

– شاهدت لأوّل مرّة بالصوت والصورة أهل جنوب لبنان من الشيعة يستقبلون الدبّابات الإسرائيليّة بالورود والأرز وهي تجتاز الحدود اللبنانيّة في اجتياح العام 1982. أنا لا ألمّح أو أتّهم الشيعة اللبنانيين بالتعامل والتآمر مع إسرائيل على غرار ما يفعله البعض بنا كمسيحيين، بل أشير فقط إلى حجم الظلم الذي لحق بهذه الطائفة من الفصائل الفلسطينيّة، ليستقبلوا الإسرائيليين بهذا الشكل.

– شاهدت أبا أرز شامخًا كالأرز في منفاه الإختياري وهو يقول: “في العام 1975 تخلّى كل العالم عنّا وبقينا وحيدين في مواجهة الفلسطينيين وكل العالم”، وأسِفت أن العالم يتخلّى عنّا اليوم من جديد.

– لفتني أن أحد الفيلمَيْن إتّهم السوريين بالوقوف خلف مجازر صبرا وشاتيلا.

– إستوقفتني طويلًا مداخلات أحد الشباب اللبنانيين المنفيّين إلى إسرائيل يتكلّم باللغة العبريّة.

– لفتني أنّ الفيلمَيْن أشارا إلى أنّ انتصار العام 2006 الإلهي هو ليس إنتصارًا إلا في حسابات سيّد حزب الله، وأنّ لا أحد يُصدّقه من خارج بيئة هذا الحزب ومن خارج لبنان.

– لفتني في كلَيّ الفيلمَيْن تخصيص المساحة الأكبر لتعاظم قوّة حزب الله.

مُقاربتي مضمون الفيلمَيْن:
خصّصت، مساء أمس، محطّة arte الفرنسيّة-الألمانيّة سهرة عن لبنان، عرضت خلالها فيلمَين وثائقيّين، أحدهما: Liban – Pays dans la tourmente (لبنان – بلد في حالة اضطراب) للمخرج الإسرائيلي Duki Dror، والآخر Liban, l’épreuve du chaos (لبنان، محنة الفوضى) للمخرجة اللبنانية-الفرنسيّة أمل مغيزل. لفتني، إبّان متابعتي الفيلمين، أنّهما متشابهان في المضمون وسَرْد الأحداث لدرجة أنّه يكفي المشاهد أن يحضر أيَّ فيلم منهما، ليكون قد حضر الإثنين من دون أن يفوته شيء من الوقائع، ولدرجة أنّ عنوانَ كلّ فيلم مِن بينهما يصلح عنوانًا للفيلم الآخر.

خَلُص الفيلمان إلى استنتاجات متقاربة بخصوص حالة الإضطراب التي يعاني منها لبنان اليوم، ألا وهي أنّ لبنان هو رهينة الصراعات الإقليميّة، وأحيانًا الدوليّة، التي تدور حوله، وإلى أنّ زُمَرًا من زعماء الطوائف اللبنانيين تتحكّم به وتقبِض على مصير العِباد فيه.

ركّز الفيلمان على الأحداث نفسها خلال المائة عام الأخيرة من عمر لبنان، لاسيّما إتفاق القاهرة، وبداية حرب الـ 1975، والإجتياحَيْن الإسرائيليّين (1978 و 1982)، ومجزرة صبرا وشاتيلا، ونشوء حزب الله وتعاظم قوّته حتّى إحكامه السيطرة على كامل قرارات البلاد، وصولًا إلى ثورة 17 تشرين الأول 2019 وإنفجار المرفأ في 4 آب 2020. ألمُلفِت أنّ الحدَثَيْن الأخيرَيْن تمّ تناولهما على الهامش في الفيلمَيْن بالرغم من أهميّتهما، بحيث لم تَجْرِ مقاربتهما، إلّا بإختصار شديد، ومن باب الفساد المستعر في لبنان، وتقصير الزُمَر الحاكمة، وعدم إكتراثها بهَوْلِ الدَرْك الذي بلَغَته البلاد.

الأكثر لفتًا للإنتباه في الفيلمين هو التغييب شبه المطلق لحضور المسيحيين على الساحة اللبنانيّة بعد اغتيال الرئيس بشير الجميّل، في مقابل التركيز على تصاعد دور حزب الله لدرجة تصويره دولة أكبر من الدولة وليس في داخل الدولة. كما أنّ الفيلمين لم يتضمّنا أيّ مقاربة للبنان الغد، وإكتفيا ببعض التلميحات الخجولة، وغالبًا غير المباشرة، بأنّ الدولة المدنية العلمانيّة هي الحلّ، ممّا يدلّ على أنّ معالجة الموضوع برمّته تمّت من وجهة نظر غربيّة، وبالتحديد أوروبيّة، وهو الأمر الذي يبيّن قِلة معرفة بالواقع التعدّدي اللبناني أو تغاضياً عن حقيقة هذا الواقع. والأخطر من ذلك أنّ من شأن تقديم النموذج العلماني الأوروبي على أنّه نموذج حضاري يُحتذى به، أن يقضي على آخر حضور مسيحيّ في الشرق لصالح تنامي دور القوى الراديكاليّة الإسلاميّة، وبالتالي أن يقضيَ على لبنان الصيغة الذي بات البعض يُجاهر بأنّه كذبة.

والحال على ما استعرضناه آنِفًا، ما الذي تُريده محطة arte الواسعة الإنتشار من عرض فيلمين في الليلة نفسها، يصوّران كلاهما لبنان أسيرًا بيد حزب الله القادر على مجابهة القوى العظمى، وخلفه سوريا وإيران؟

قد يكتفي البعض بالنظر إلى الموضوع على أنّه مجرّد إضاءة على معاناة لبنان. لكن مَن يتابع arte أو سبق له أن تعامل معها، يُدرك تمام الإدراك، أنّ هذه المحطة التي تسخّر الميزانيّات الطائلة للأبحاث والجودة في الإنتاج، لا تعرض على شاشتها إلّا الأعمال التي يكمن وراءها هدف محدَّد أو المخصّصة لإيصال رسائل معيّنة. ولو كان الأمر غير ذلك، لكانت اكتفت، لسهرتها الخاصة بلبنان أمس، بإنتاج أو شراء عمل واحد من العملين المتشابهَين في المضمون، والمنوّه عنهما أعلاه، خصوصًا أنّ كلفة الواحد منهما تصل إلى مئات الألوف من “اليوروهات”. وبرأيي الشخصي، ما أقدمت arte على عرض الفيلمين في الليلة نفسها، وأعلنت عن إعادة بثّهما في 26 و27 تشرين الثاني الحالي، إلّا لتعزيز فكرة ما من ورائهما.

فهل إهتمام arte بالمعضلة اللبنانيّة هو جرس إنذار إضافي لإنقاذ لبنان من براثن حزب الله وإيران، أم مجرّد إستشراف للحقيقة المرّة القاضية بتحوّل لبنان إلى ولاية إسلامية تحت عباءة الفقيه؟

من حضر الفيلمين أمس، لا يصعب عليه الملاحظة، من خلال لغة الصورة، كيف أنّ وجه لبنان الثقافي والحضاري بدأ بالتحوّل منذ بدء تصاعد نفوذ حزب الله الذي لا يخجل قادته من إعلان نيّتهم إقامة الجمهوريّة الإسلاميّة في لبنان. فهل ستكتمل المجزرة بحقّ المسيحيين وبحقّ حضورهم في هذا الشرق وينتهي لبنان؟

لمعرفة الجواب، ما علينا سوى معرفة أيّ من اللوبيّين اللذين يتصدّران السيطرة على الإعلام في العالم، يقف خلف هذين الفيلمَيْن: هل هو اللوبي اليهودي أم ذاك الإيراني؟

ولكي أختم:
كنت مقرّرًا أن يكون عنوان هذه المقالة: “المجزرة مستمرّة بحقّ المسيحيين!”، لكنّي عدلتُ عن هذا العنوان، كي لا يتقدّم أحدهم بإخبار ضدي إلى النيابة العامة التمييزية، ويتّهمني مجدّدًا بأنّي أثير النعرات الطائفية، وبأنّي أدعو إلى تقسيم لبنان وإلى الفدرالية، ما سيضطر المدعي العام التمييزي إلى تحويلي إلى المحكمة العسكرية في قضيّة ثانية، لأن “شكلو صاير جِسمي لبّيس”!