رزمة من الأراء والأخبار والتحاليل والتعليقات تتناول شخص الشهيد لقمان سليم ومشروعه وانجازاته ووطنيته وعلمه والجهة التي اغتالته والأسباب/مقالات لكل من يوسف مرتضى وبشارة شربل وديانا مقلد ومحمد أبي سمرا وغسان جرمانوس وروجيه عوطة وقاسم مرواني

75

رزمة من الأراء والأخبار والتحاليل والتعليقات تتناول شخص الشهيد لقمان سليم ومشروعه وانجازاته ووطنيته وعلمه والجهة التي اغتالته والأسباب/مقالات لكل من يوسف مرتضى وبشارة شربل وديانا مقلد ومحمد أبي سمرا وغسان جرمانوس وروجيه عوطة وقاسم مرواني

06 شباط/2021

والدة الشهيد لقمان سليم: سلمى مرشاق سليم
المنسقية/الجمعة 05 شباط 2021
لقمان سليم شهيد الرأي الحرّ وضحية سياسة الإفلات من العقاب
يوسف مرتضى/نداء الوطن/05 شباط/2021
لُقمان سْليم وممحاة الرقيب
بشارة شربل/نداء الوطن/05 شباط/2021
عائلة لقمان سليم: باقون هنا وسنكمل ما بدأه
ديانا مقلد/موقع درج/05 شباط/2021
لطف القتل وجماله في بلاد النزع الأخير
محمد أبي سمرا/المدن/05 شباط/2021
عندما نقول انّ لكم لبنانكم ولنا لبناننا، هذا ما نقصده بالضبط.
غسان جرمانوس/05 شباط/2021
لغة لقمان
روجيه عوطة/المدن/05 شباط/2021
مَن قتل لقمان سليم؟ فرضية واحدة وهوامش كثيرة
قاسم مرواني/المدن/05 شباط/2021
منظمة العفو الدولية: لقمان سليم ضحية نمط الإفلات من العقاب ومقتله يثير مخاوف خطيرة
نداء الوطن/05 شباط/2021
رصاص غدر.. أنسق لقمان سليم انشقاق تاجر كبير عن حزب الله؟
دبي- العربية.نت/الجمعة 05 شباط 2021
بعد حديث عن تعذيبه.. شقيقة لقمان سليم: طلبنا تشريح الجثة
دبي – العربية.نت/الجمعة 05 شباط 2021
اغتيال لقمان سليم: رعاية انشقاق “مبيّض” لأموال الحزب…
ترجمة جودي الأسمر/أساس ميديا/الجمعة 05 شباط 2021
منى علامة* موقع “العربية” الإنكليزي
لقمان سليم… الباحث والناشط السياسي الجريء
بيروت: «الشرق الأوسط»/05 شباط/2021
اغتيال لقمان ترهيب للشيعة واللبنانيين ورسالة إيرانية إلى إدارة بايدن
استهداف سليم لإظهاره أن شيعة لبنان ليسوا تحت جناحي حزب الله.
العرب/05 شباط/2021
هل هي بداية مرحلة أمنية وسياسية جديدة؟!..كتْم صوت لقمان سليم استنهض القوى والشارع… مخاوف من عودة الاغتيالات و”حزب الله” يُطالب بالحقيقة
نداء الوطن/05 شباط/2021
هل هي بداية مرحلة أمنية وسياسية جديدة؟!..كتْم صوت لقمان سليم استنهض القوى والشارع… مخاوف من عودة الاغتيالات و”حزب الله” يُطالب بالحقيقة
نداء الوطن/05 شباط/2021

والدة الشهيد لقمان سليم: سلمى مرشاق سليم
المنسقية/الجمعة 05 شباط 2021
والدة لقمان سليم سلمى مرشاق سليم من مواليد القاهرة لوالدين من خارج مصر، حيث تعود جذورها، من جهة الأب إلى قرية النبك السورية، ومن جهة الأم إلى قرية جون الشوفية اللبنانية، وقد نشأت وتعلمت في مصر. يتفرد مشروع الباحثة اللبنانيّة الأصل، المصريّة الجنسية، سلمى مرشاق سليم بكونه يعمل على شخصيات لبنانية أسهمت إسهاما بارزاً في النهضة الثقافية والإبداعية التي شهدتها مصر ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، حيث قدمت كتاباً ضخماً موثقاً للأديب إبراهيم المصري الذي كان له حضور مهم في الثقافة المصرية من خلال مجلته “الأدب الحي”. كما صدر لها مؤخراً عن دار الجديد ببيروت كتاب عن نقولا الحداد الصيدلي، بعنوان “نقولا حداد ، الأديب العالم”

لقمان سليم شهيد الرأي الحرّ وضحية سياسة الإفلات من العقاب
يوسف مرتضى/نداء الوطن/05 شباط/2021
في بيان نشره لقمان سليم بتاريخ 13 كانون الأول 2019 جاء فيه (للمرة الثانية خلال 48 ساعة، يسعى الخفافيش، بين الظلمة والظلمة، لتهديدي وإرهابي متعرضين لحرمة دارة العائلة في حارة حريك – علماً أن هذه الدارة تأوي أيضاً مكاتب مؤسستي ” أمم للتوثيق والأبحاث” و”دار الجديد”). وتابع في بيانه: ( …أحمّل قوى الأمر الواقع ممثلة بشخص السيد حسن نصرالله وبشخص الأستاذ نبيه بري، المسؤولية التامة عما جرى …). وختم: اللهم قد بلغت.
في ظلمة ليل الأربعاء بتاريخ 3 شباط 2021 نفّذ الخفافيش الذين توقعهم لقمان على ما يبدو تهديدهم، ونالوا منه مقتلاً بخمس رصاصات في رأسه في خراج بلدة صريفا في قضاء النبطية . وهنا أعتقد أن قوى الأمر الواقع معنية بكشف ملابسات هذه الجريمة النكراء، لأنها هي المعني الأول بأمن تلك المنطقة، وإلا ستبقى أصابع الرأي العام تدل عليها بالإتهام حتى تثبت براءتها بكشف الفاعلين .
إن اغتيال الزميل لقمان سليم الكاتب والناشط السياسي المعارض لسياسة “حزب الله” في لبنان ، هو اغتيال للحرية التي تميز بها لبنان عن البلدان المحيطة منذ نيله استقلاله في العام 1943. وقد دفع لبنان غالياً ثمن هذه الحرية إبان الحقبة السورية بدءاً من اغتيال الشهيد كمال جنبلاط إلى اغتيال المفكرين حسين مروة وحسن حمدان وسهيل طويلة إلى اغتيال االرئيس رينه معوض والوزير إيلي حبيقة واغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والقائد الوطني جورج حاوي وجبران تويني وسمير قصير إلى جميع شهداء ثورة الأرز الأحيـاء منهم والأموات.
ولأن كل تلك الجرائم وصولاً إلى جريمة المرفأ وجرائـم الاغتيـــال المرتبطة بهـــا لم تظهر التحقيقات فيها أي مجرم، تماماً كما جرائم الفساد التي زكمت روائحها أنوف الداخل والخارج، ولم يدَن فيها أي فاسد، يصبح من الطبيعي أن يتشجّع المجرمون على التمادي في جرائمهم، طالما أن سياسة الإفلات من العقاب وتجهيل الفاعل هي السائدة.
ورب سائل لماذا اليوم استهداف لقمان سليم وهو المعارض منذ سنوات لسياسة “حزب الله” والثنائي الشيعي والمندد باختطافه القرار الوطني اللبناني وجعله رهينة في أجندة المشروع الإيراني، أقول إن قوى الأمر الواقع أمهلت لقمان وأمثاله للإيحاء بأنها تحترم التعددية في ظروف سياسية مؤاتية وغير مقلقة لها، ولكن عند بلوغ أزمة هذه القوى حد الإختناق والتي بدأت ملامحها في الواقع بالظهور منذ تفجّر ثورة 17ت، أصبحت تقلق من انفضاض شارعها من حولها بعدما تمكّن منه وباءا كورونا والجوع، ولم تعد تنفع في شد عصبه بروباغندا فائض القوة، وأصبح عقل ناسه أكثر انفتاحاً على كلمات ومواقف وتصريحات لقمان وأمثاله من المعارضين التي تخاطب مصالحهم الآنية والمستقبلية.
والشهيد لقمان قد يكون الضحية الأولى في هذا المسار إذا لم تتحد قوى المعارضة وترص صفوفها وتبني البديل الثوري لإسقاط منظومة القهر والفساد التي ترعى كل الجرائم بحق اللبنانيين تحت إدارتها، واستعادة الدولة بقرارها الوطني وكامل سيادتها على أرضها تحت سيادة المؤسسات الدستورية وأدواتها الأمنية والقضائية المتحررة من أي ارتهان، وبنائها تحت سقف الدستور وعلى أساس الاحترام الكامل لمبدأ فصل السلطات. الزميل العزيز لقمان: كنت الصوت الحر الصارخ بما ترى أنه حقيقة، وكاتم الصوت قد ينهي حياة أفراد، لكنه أعجز من أن يقضي على إرادة شعب صمم على استعادة حريته، لا ستالين ولا هتلر ولا موسوليني ولا جميع أنظمة الإستبداد استطاعت أن تصمد في مواجهة إرادة الشعوب . وداعاً لقمان، وعهداً أن يبقى صوتنا صادحاً في ثورة 17ت المنتصرة حتماً.

لُقمان سْليم وممحاة الرقيب
بشارة شربل/نداء الوطن/05 شباط/2021
لم تصل رسالة الدم الى عائلة لقمان سليم المفجوعة فحسب، ولا الى رشا الأديبة الأرَقُّ من نسمة، بل توزّعت على نصف اللبنانيين على الأقل، وأحرار العالم العربي والاقليم حيث يلقى مَن يشبهون لقمان المصير نفسه. عرف القاتل مقامَ لقمان فأوقفَ مسيرة مثقف استثنائي وصاحب فكر تنويري، قبل ان يكون ناشطاً يقرن القول والكلمة بالعمل السياسي وبتشكيل وعي انساني رفيع يعادي أشكال العنف والتمييز كلّها. هي الحرية التي رسمت حياة لقمان سليم. آمن بها قيمةً مطلقة لكنّه عاشها بتفاصيلها اليومية. لاعَبَ الترهيب بازدراء، سائراً في شوارع المدينة أعزلَ إلا من إرادة صلبة، وجالساً بهدوءٍ صارخ في المقهى، ومنظماً لقاءاتٍ فكرية في بيئة غير متهاونة، و”مغرّداً” بمعدن المعرفة و”حَرفنَة” التعبير. سقط الكاتب والباحث والناشط والمفكّر. لكن أول من اغتيل هو المواطن العادي الدمث المتواضع. يفتقده اللطف قبل ان تخسره السياسة، والحضور الانساني الوازن قبل الموقف المباشر والصريح.
عرفَ القاتل انّ لقمان صاحب تأثير. موقعه كان طبيعياً في ثورة 17 تشرين بخيمةٍ أُحرقت عن سابق تصوّر وتصميم. لم يؤلف حزباً ولا انخرط في تنظيم. لم يرث إلا الثقافة والايمان بلبنان الوطن والسيادة ودولة القانون والنزاهة. ثلّة من الاصدقاء كانت كافية لحفر الصخرة بإبرة التصميم. أما السلاح فكلامٌ في المقام وكتبٌ ومقالاتٌ و”دار الجديد” و”أمم للتوثيق”. يذكّر اغتيال لقمان سليم بتصفية محمد شطح وسمير قصير. القاتل رقيبٌ متشدّد يمقت الحبر والنصّ التأسيسي. أداته في الحذف ممحاةٌ من رصاص أو عبوّة تفجير. لا ضرورة إذاً لمطالبة الدولة وأجهزتها بتحقيقٍ فالجريمة سياسيةٌ فكرية من العيار الثقيل. لتوفّر جهودها لكشف السرقات والجرائم العاطفية، ففيها فرصٌ لإنجازات من نوع اعتقال ناشطين مطالبين بلقمة العيش والتغيير. ولن يكون مصير التحقيق في اغتيال أمس أفضل من نصيب الاغتيالات كلّها المقيّدة ضد مجهول بعدما أُفرغت الملفات من أدنى دليل وأحيطت بتضليلٍ وتشكيكٍ منهجيّيْن. أما أخطر ما في هذه القناعة العامة فانقطاع الأمل لدى اللبنانيين بدولة قانونٍ تحمي المواطنين جميعاً ضامنةً الرأي الآخر والتنوّع السياسي. ليطمئنّ المعنيون، وزراء وأجهزةً وقضاة. لا ننتظر منهم معلومةً او إشارة أو توقيفاً على ذمة تحقيق. هي البلاد كلّها رهينةٌ والاجهاز على بعض الرهائن من “شيم” الخاطفين و”تخاذُل” الحاكمين.

عائلة لقمان سليم: باقون هنا وسنكمل ما بدأه
ديانا مقلد/موقع درج/05 شباط/2021
“اللي ما بيلاقي طريقة لمناقشة الآخر إلا بقتله وبحط رصاصات براسه وتعذيبه قبل قتله هيدا مجرم، والمجرمين عايشين بيناتنا بس مش رح يمشونا، مش رح يخوفونا”.
لا يشبه دخول دارة آل سليم في حارة حريك في ضاحية بيروت ما نتوقعه حين نذهب للعزاء. لا ضجيج معزين ولا أصوات قرآن ولا سواد يملأ المكان.
تطالع الواصل إلى الدارة حديقة صغيرة هادئة وأصوات عصافير تملأ محيطها. بيت تقليدي أنيق لا بهرجة فيه ولا ادعاء لكنه يوحي بالراحة. إلى جانب الحديقة حوّل الباحث والناشر لقمان سليم مساحة مهملة إلى فسحة ثقافية غنية احتوت لسنوات أنشطة ولقاءات مهمة عن الذاكرة والحرب.
تقرير الطبيب الشرعي في جريمة الاغتيال
في الطبقة الثانية من المنزل، تجلس رشا سليم شقيقة لقمان بزيها الأسود في مكتبتها تقرأ تقرير الطبيب الشرعي في جريمة الاغتيال، فيما والدته سلمى تحاول الاطمئنان إلى وصول ابنها المحامي هادي من مقره في باريس للوقوف مع العائلة في مصابها، وبينهما تقف مونيكا زوجة لقمان تتلقى العزاء من أصدقاء. ليس يوماً عادياً، لكن العائلة لا تجيد سوى أن تكون هي نفسها، غضب هادئ وحزن بالغ وعمل بثبات وبأقل ضجيج ممكن. حملت رشا ورقة الطبيب الشرعي بسخرية، ورقة واحدة صيغت بخط اليد على عجل تشرح أن الطبيب سحب 6 رصاصات من جسد “المدعو” لقمان سليم، كما ورد في البيان. قتل لقمان، فرد أعزل أعدم في سيارته وترك جثمانه لنراه وليحمل رسالة للجميع. لم تستطع رشا مشاهدة جثمان شقيقها لكن من شاهده نقل لها أن وجهه كان متورماً وبه كدمات.
“ما كان (لقمان) خايف من الموت… نحنا أكيد باقيين مش خايفين منهن… هني أنذال… اللي ما بيلاقي طريقة لمناقشة الآخر إلا بقتله وبحط رصاصات براسه وتعذيبه قبل قتله هيدا مجرم، والمجرمين عايشين بيناتنا بس مش رح يمشونا، مش رح يخوفونا”.
هاللي بيقتل بهالشكل رح ينقتل ويومتها مش رح نبكي متل ما هني كانوا شمتانين فينا امبارح مش رح نشمت فيهن. قتلوه لأنه كان احسن منهن هو دايماً كان مع القتيل مش مع القاتل. هني دايماً جنب القاتل وهني قتلة وسافلين…”.
رشا الكاتبة والشاعرة ورفيقة شقيقها في مشوار النشر والثقافة لا تعّول على التحقيقات، “ما بتهمني الحقيقة، أنا بعرف مين قتله فمني بحاجة هلق للشغل التقني تبع الطبيب الشرعي والأجهزة والاستقصاء وكم متر قطع قبل ما يقتلوه هيدي تفاصيل ما بتهمني…”.
تعجز هنا رشا عن إكمال جملتها دون ان تتحشرج بألمها، “مش رح ابكي، فشروا هني لازم يبكوا. هاللي بيقتل بهالشكل رح ينقتل ويومتها مش رح نبكي متل ما هني كانوا شمتانين فينا امبارح مش رح نشمت فيهن. قتلوه لأنه كان احسن منهن هو دايماً كان مع القتيل مش مع القاتل. هني دايماً جنب القاتل وهني قتلة وسافلين…”.
لم تأت كلمات رشا من فراغ، فهي عاشت مع شقيقها مسار التخوين الذي استمر لتسع سنوات خلت، وكانت معه في الدار حين ألصقت شعارات التهديد “المجد لكاتم الصوت” على جدران المنزل. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2019، تجمع عدد من الأشخاص أمام منزله في حارة حريك، مرددين عبارات تخوين، وألصقوا شعارات على جدران المنزل كُتب عليها “لقمان سليم الخائن والعميل”، و”حزب الله شرف الأمة”، و”المجد لكاتم الصوت”.
نشر حينها سليم بياناً شهيراً اتهم فيه من سمّاهم “خفافيش الظلمة” بالمسؤولية، وحمّل الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله وحليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري مسؤولية ما جرى و”ما قد يجري” له ولعائلته ومنزله.
لم تتحرك القوى الأمنية حينها ولم يؤخذ تهديد لقمان على محمل الجد، كذلك الأمر حين تعرض لهجوم خلال انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، في خيمة حوارية كان يشارك فيها في وسط بيروت فتعرض للهجوم وأُحرقت الخيمة وسط صرخات غضب واتهامات بالعمالة ضده. كان معروفاً حينها أن معظم الهجمات على ساحات التظاهر كانت تتم من مناصرين لـ”حزب الله” و”حركة أمل” في هجمات بدت دوماً مدفوعة من الثنائي. تقول رشا: “على طول كنت قله أنا خايفة يا لقمان هني ناس مسلحين بيقتلوا بس كان يقلي ما بتعرفيها لجملة الحسين اللي بيقول فيها “أتخيفونني بالموت”. ما كان خايف من الموت”.
“حزب الله”: أنا بريء
بعد ساعات من اغتيال لقمان سليم والذي وجد في سيارته على طريق العدوسية في جنوب لبنان، أصدر “حزب الله” بياناً يستنكر فيه الاغتيال ويطلب من الأجهزة الأمنية العمل على كشف المرتكبين، ودعا إلى “مكافحة الجرائم المتنقلة في ‏أكثر من منطقة في لبنان وما يرافقها من استغلال سياسي وإعلامي على حساب الأمن ‏والاستقرار الداخلي”. لكن بيان الحزب بدا هزيلاً وغير مقنع أمام حجم الوقائع التي سبقت الاغتيال وبدت مؤسسة له. فلقمان الذي عثر عليه مقتولاً الخميس (الرابع من شباط/ فبراير 2021) في سيارته في جنوب لبنان، باحث ومفكر عمل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والتوعية على أهمية المواطنة والمساواة في بلد يعاني من انقسامات وصراعات سياسية وطائفية عميقة. كان لقمان سليم (58 سنة) ينتمي إلى الطائفة الشيعية، لكنه كان من أبرز منتقدي “حزب الله”، صاحب القوة العسكرية السياسية الأقوى في لبنان والمدعوم من إيران. ركز لقمان سليم عمله ونشاطه في منزله في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل “حزب الله” حيث أقام مركز “أمم” للأبحاث والتوثيق. لسنوات طويلة، ألصق به إعلام محسوب على “حزب الله” وصف “شيعة السفارة”، وهو مصطلح يدَلّ به على نشطاء شيعة يريدون إسقاط “حزب الله” وينسقون مع سفارات غربية، فهوجم مراراً وتم وصمه بأنه “خائن وعميل”.
وإذا كان الكثير من مداخلاته التلفزيونية في الآونة الأخيرة تناول “حزب الله” الذي كان سليم يعتبر أنه يأخذ لبنان رهينة لإيران، لم يتردد في انتقاد كل الطبقة السياسية المتهمة بالفساد والعجز في لبنان. بعد مقتله بدا الانقسام حاداً في الردود حول الجريمة، إذ انتشرت عبر حسابات شخصيات مقربة أو محسوبة على الحزب عبارات تتراوح ما بين الشماتة وما بين التجاهل. وقد أثار نجل حسن نصرالله، جواد، موجة غضب بعد تغريدته: “خسارة البعض في الحقيقة ربح ولطف غير محسوب”، مضيفاً هاشتاغ #بلا_أسف. ولكنه عاد وحذف التغريدة.
بدت تغريدة نجل نصرالله استمراراً لمسار الآلة الدعائية للحزب التي غالباً ما تعتمد سياسة التهديد بالقتل والشماتة به. حصل هذا مراراً في حقبة الاغتيالات التي عصفت بلبنان ما بين عامي 2005 و2012.
هل من ثقة بالتحقيق؟
في ظروف طبيعية كان يفترض أن يكون التحقيق الشفاف هو المقياس الحاسم لمن يقف خلف جريمة اغتيال لقمان سليم، لكن التحليل في الجريمة وتحميل “حزب الله” مسؤولية هنا ليس تهوراً، خصوصاً مع مراقبة الخط التصاعدي لعدد الحالات التي تم التهجم فيها على أشخاص ومضايقتهم وتهديدهم لأنهم من من بيئة “حزب الله “أو منطقته وانتقدوه علناً. حكايات الشبان الذين علت أصواتهم في بداية انتفاضة 17 تشرين والذين ضُربوا وأهينوا وأُذِلّوا، عبر فيديوهات مسجلة، وحقيقة أن مدد التوقيف التي تعرض لها نشطاء في صور كانت الأطول مقارنة بتوقيفات بنشطاء في مناطق أخرى تشي بذلك أيضاً. هناك من خرج ليطلب عدم التسرع في الإدانة وبالتريث، لكن المفارقة أن جريمة اغتيال سليم حصلت يوم كان أهالي ضحايا جريمة المرفأ يحيون ذكرى مرور 6 أشهر على مقتل 207 أشخاص بعد انفجار شحنة نيترات الأمونيوم، والتي يتم تمييع التحقيقات الخاصة بها وسط تقاذف المسؤوليات. حصلت جريمة سليم بعد أيام من إجهاض التحقيق الجنائي بتهريب أموال اللبنانيين عبر مصرف لبنان. حصلت بعد سنوات من مسار تغييب العدالة والمحاسبة عن عشرات الجرائم والاغتيالات. هنا يبدو الصبر والتريث وانتظار التحقيق خياراً عبثياً يفيد القاتل ولا يعيد الحق للضحية. وللمفارقة فقد كان لقمان سليم في مقدمة العاملين على رفض مبدأ الإفلات من العقاب في لبنان ما بعد الحرب، ودافع بشدة عن حقّ عائلات المفقودين والمخفيّين قسراً في نيل العدالة والكشف عن الحقيقة. لكن اليوم لقمان نفسه يبدو ضحية هذا النمط من الإفلات من العقاب.
مشروع لقمان سيكمل
لقمان سليم من مواليد حارة حريك عام 1962 من أب محام معروف وأم مصرية. درس الفلسفة في جامعة السوربون في باريس. في “دار الجديد” للنشر التي أسسها في التسعينات، تُرجِمت كتب الرئيس الإيراني الإصلاحي آنذاك محمد خاتمي، للمرة الأولى إلى العربية. وعبرها، أنتج سليم مع زوجته الألمانية مونيكا بورغمان فيلمين وثائقيين، أحدهما حول مجزرة صبرا وشاتيلا خلال الحرب الأهلية في لبنان، والثاني حول سجن تدمر في سوريا حيث تعرض سجناء لبنانيون للتعذيب. في منزل العائلة في حارة حريك مركز “أمم”، الذي يحتفظ به سليم بنسخ عن الصحف الصادرة في لبنان منذ عقود، فهو الشغوف بالذاكرة وبضرورة عدم طمس الحقائق وفهمها. كان من أبرز نشاطات المركز مشروعه الهادف إلى شفاء جراح الحرب الأهلية، فجمع أرشيفاً هائلاً عن تاريخ لبنان الاجتماعي والسياسي وضعه في تصرف الباحثين والإعلاميين. ونظم أنشطة ولقاءات للدفع في اتجاه مواجهة جراح الذاكرة والمصالحة بين اللبنانيين.
تقول والدته سلمى، السيدة الثمانينية المصرية الأصل في تصريحات صحفية”دبحوني دبح.. لقمان كان صديقي في المناقشة والقراية استفادوا إيه من قتله؟ صرفوا عليه خمس رصاصات. ضيعوا طاقة كانت موجودة للبنان” مونيكا زوجة لقمان وشريكته في مشاريعه الثقافية تبدو مصممة على استكمال ما بدأه، “هذا المشروع لن يصمت أبداً… يمكنهم قتل لقمان لكنهم لن يقتلوا أفكاره وسنواصل. وعلى مستوى شخصي إذا كانوا يعتقدون أنني سأخاف وأستقل الطائرة إلى المانيا، فإنهم سينتظرون حتى آخر حياتهم. أنا ورشا مع العائلة كلها، سنكمل مشروع لقمان، لقمان سيبقى حياً إلى الأبد… يمكنهم قتل جسده لكن ليس أفكاره”.

لطف القتل وجماله في بلاد النزع الأخير
محمد أبي سمرا/المدن/05 شباط/2021
جاء في تغريدة أحدهم: “يا أنتم وأنتن، دعوا حقدكم جانباً وتكلموا بشيء من المنطق. نعلم وتعلمون أن القتيل لا يملك صفة تؤهله للقتل بجمال أيدينا.. والسلام”. قد يكون أشنع من فعل القتل أن يقال: الأيدي التي تقتل جميلة.بل هي وحدها الجميلة لأنها تقتلُ، ولم تكتسب إلا من القتل وبالقتل جمالها. وهو ذاك الجمالُ الذي تذيعه في الخلق، معلنةً على الملأ أن القتل جميل. القتل الصامتُ لئيم، لكنه يسكتُ عن لؤمه.
كأنما القاتل الصامت، القاتل في الصمت، القاتل الحقيقي والفعلي، ليس مفتوناً بالقتل، ويريد إخفاء جريمته والتستر عليها، وتركها في العتمة والصمت، فلا يرفعها إلى مرتبة الجمال والأفعال الحسنة.
أما اللؤم المفتون بلؤم القتل، بالقتل اللئيم، بجمال اللؤم الذي في القتل وبهائه، ويبصرُ ويقول إن القتلَ ربحٌ ولطفٌ غير متوقعين ولا محسوبين، ثم يتبرأ من القتل لأن القتيل لا يمتلك “صفة تؤهله للقتل بجمال أيدينا”؛ فهذا لؤم صَعُبَ عليّ – وأنا أقرأ هذه الكلمات، كلماتهم – إلا أن أتخيل ذاك الجمال الدموي، واللطف الدموي، يبللُّ بالدم الحيّ أيديهم الراقصة طرباً بجمالها، وهي تقرع طبول الموت في بلاد مشرفة على نزعها الأخير.
القاتل الساكتُ عن فعلته، أي القاتل الحقيقي والفعلي، بكاتم الصوت، والمُتخفّي إما بعتمة الليل، وإما بهدأة فجر الإعدام والمنتحرين، فقد يكون أقل لؤماً من قارع طبول القتل والموت، المحتفي بجمال الأيدي القاتلة وبهائها في بلاد النزع الأخير.
وكلما الحياة ازدادت انطفاءً في هذي البلاد، وأعتمت، يزدادون قوة وبهاءً وجمالاً في عتمتها. كبهاء مرفئها وجماله القيامي، عندما تصاعدت منه وغطّته تلك السحابة الفوسفورية الجحيمية الهائلة، فخرج منها بشرُ إذا زلزلت الأرض زلزالها. كالوباء الذي حلّ في هذي البلاد والعالم خيرٌ لهم وعليهم من ألف شهر. وكل ليلةٍ من ليالي هذه البلاد، هي ليلة القدر.
كالقائلين لمرشديهم القتلى إلى جماليات القتل: دام رعبكم.
فلماذا لا نبتهجُ مثلهم بجماليات الرعب والوباء والقتل والهباء؟!
لماذا لم نصدقهم منذ البداية، منذ أذاعوا بيانهم التأسيسي في تلك الأيام السود؟ الأيام التي وعدونا بمثلها، وقد بلغناها اليوم.
وها هم مزهوون بجمالها الذي لا نستأهل أن نزهو به مثلهم، ولا نمتلك صفة تؤهلنا لأن نُقتل بجمال أيديهم.
ويخاطبوننا قائلين: “يا أنتم، يا أنتنَّ، دعوا حقدكم جانباً، وتكلموا بشيء من المنطق”. أنتنَّ؟! يعني أنهم صاروا يحسبون حساباً لأنتنّ، وهناك أنتنّ موعودات بجماليات رعبهم.
هل من فرقٍ بين فِرق القتل، عمال القتل في الصمت وبكاتم الصوت، وبين من يبتهجون بالقتل، بجمال الأيدي القاتلة، بأقدم فعل ابتكره البشر على هذي الأرض، ويحاولون التبرؤ منه أو الشفاء منه، منذ قايين وهابيل.
وكل ساعٍ إلى ذلك الشفاء حاقدٌ. وأشد حقداً منه مَن يدعوهم إلى سلوك درب الشفاء من القتل. فهذا مرتدٌ ويدعوهم إلى الارتداد عن دينهم، فيقتلونه ويتلذذون بجمال القتل.  علينا أن نكفَّ عن نفورنا من هذا القتل، ونسير معهم في مواكبه مبتهجين مثلهم، وإلا نظل موعودين بالقتل لنشفى من ذلك النفور.
وقتلهم لطف وجمال.ولا لطف ولا جمال إلا في القتل.

عندما نقول انّ لكم لبنانكم ولنا لبناننا، هذا ما نقصده بالضبط.
غسان جرمانوس/05 شباط/2021
منذ لحظة الإغتيال، بدأت تأتي الأخبار، وكل خبر مُفاجئ بالنسبة لي أكثر من الآخر، فبدأتُ أجمع puzzle هذا الرجل الذي لم تَشأ الظروف ان أتعرّف إليه! هو إبن احدى العائلات القديمة في الضاحية الجنوبية، هو إبن نائب وحقوقي كان ينتمي إلى الكتلة الوطنية، حتى يأتي أحدهم في بلدة العاقورة ليقول لي أيضاً ان محسن سليم، أي والد لقمان، كان محامي والده ومحامي ‘الكتلاويين’ في جبيل أيام ريمون ادّة.
هو خرّيج جامعة السوربون الفرنسية، وليلة اغتياله، كان عند اصدقاء في نيحا ‘عم ياخد كاس’، هو مثقّف وباحث ويتكلّم باللكنة اللبنانية الـ Neo بيروتية كما كثير منّا، هو كثير من الأشياء التي تُشبهنا، ولو كنّا ننتمي إلى منطقة اخرى والى طائفة اخرى، هو ذاك الشخص الذي يُشعرك ان لبنان هو فعلاً قاسم جامع بيننا. هو يعيش في حارة بٌنيت ايام والده او ربما جده عندما كانت الضاحية قرى صغيرة وبساتين ليمون قبل ان يجتاحها الباطون والبنايات والافكار الدخيلة الغريبة عن مجتمعنا اللبناني، فأبى لقمان ان يهدم البيت العتيق ليستبدله ببناية لدواعي استثمارية مثلاً، وأبى ان يتنازل عن حديقة المنزل القرويّة… هو مات وأبى ان يغيّر اشياء كثيرة رغم التحوّلات المحيطة… فتمسّك بلبنانيّته التقليدية، تلك اللبنانية التي تجمعنا به، تلك اللبنانية التي تجمع كل اللبنانيين المعتدلين ببعض.
عندما يتمّ تِعداد الطوائف في لبنان، هناك طائفة أساسية لا يذكرها احد: طائفة سكّان بيروت، وهي الطائفة التي أسست لبنان الكبير.
تلك العائلات التي نزحت إلى بيروت للعمل فَدُرِّس أولادها في مدارس بيروت كالـ lycée والـ IC والناصرة والجمهور وليسيه عبد القادر وليسيه فيردان وغيرها وثم انتقلوا الى الجامعة اليسوعية او الاميركية! تلك الناس التي تلتقي وتختلط و’تتصاحب’ وتناقش في السياسة والفن والفلسفة وتتبادل الافكار، في مقاهي ومطاعم وحانات الحمرا ومار مخايل والمونو والجميزة وبدارو…. هؤلاء طائفة بحالها وهوّية لبنانية جامعة عابرة للطوائف، هؤلاء هم الافكار الخلّاقة والطبقة الوسطى في لبنان ومحرّك النهضة والثورة.
انا انتمي الى تلك العائلات التي نزحت في ثلاثينيات القرن الماضي من جرود جبيل الى بيروت، حيث كان يتردَّد جدّي الى ساحة البرج وقهوة الجمهورية ويختلط في السياسة وفي ‘دقّ الطاولة’ مع لبنانيين اخرين نزحوا من مناطق اخرى.
ولو كنت أساساً من بلدة العاقورة الجردية المارونية القاسية، طبعت بيروت بمدارسها وجامعاتها وشوارعها وناسها شخصيتي فجعلتني اكثر انفتاحاً وديبلوماسياً ولطافاً وتلاقياً وتثقيفاً…
ان تسألني عن تقسيم لبنان، أُجاوبك ان اللبناني ابن بيروت السنّي والشيعي والدرزي والمسيحي يُشبهني ثقافياً اكثر من اي شيء آخر، فقد جعلت بيروت من أصدقائي احمد وشفيق ورولان وميساء وماريا يشبهونني اكثر من جرجس ومطانيوس وسيّدة.
وهنا يَكمن الصراع ، بين الطائفة البيروتية، التي كان لها بطاركها وعُلمائها كبشارة الخوري واميل ادة وشارل مالك ورياض وسامي الصلح وعادل عسيران وغيرهم، تلك الطائفة التي بنت لبنان وناضلت للحفاظ عليه كوطن وكهوية والتي تسعى اليوم الى تطويره الى دولة علمانية شفافة لا عنصرية ولا تمييزيّة تحترم الجميع.. وبين لبنان الطبقة الحاكمة الحاليّة التي سحقتنا خلال الحرب الاهليّة، والتي تمثّل التخلّف والطوائف والتعصّب والتعنيف والتفرقة والعشائر والإنتماء الى الخارج والمحاصصة والسرقات. عندما نقول انّ لكم لبنانكم ولنا لبناننا، هذا ما نقصده بالضبط.

لغة لقمان
روجيه عوطة/المدن/05 شباط/2021
عندما فتحت للمرة الأولى كتاب “الخشخاش والذاكرة” لباول تسيلان، الذي أقدم لقمان سليم على تعريبه بالاشتراك مع الباحث وضاح شرارة، قلت سريعاً أن هذه هي اللغة التي أحب قراءتها أينما كان. فعلياً، الوقوع على لغة سليم هو وقوع على عين ماء في مكان متصحر، وصفته هذه مردها أمر أساس، وهو أن الكلمات، وما أن تنبت أو تنزل داخل هذا المكان، حتى تفقد كل معانيها، وتصير مجرد ألفاظ من هواء جاف. لقد كانت لغة سليم عين الماء تلك، كما كان هو، وبمواظبته على هذه اللغة، يحض على التمسك بها رغم وسمها دوماً بالعوصاء أو المجهولة. حين يطلق القاتل المعروف رصاصه على سليم، مغتالاً اياه، فهو يقضي على تلك العين، وبهذا، يصحر الصحراء أكثر فأكثر. وخلال هذا كله، يبين أن اللغة أيضاً، بل أساساً، هي من سبل المواجهة، فالمضي الى بلورتها أو صقلها أو اكتشاف تضاريسها ليس مجرد أمر تشكيلي عابر، إنما هو فعل استطيقي رئيسي. فأن تصير اللغة، وفي اثره، جميلة، لا يعني أن تغدو مُعدة لاستهلاكها كيفما اتفق، لكنها تصير عائقاً أمام هذا الاستهلاك، بحيث تشير الى أن هناك، وفي وقت التطاير الكلماتي من المدرسة الى المعرض، كلمات مركزة، دلالاتها بعيدة وقريبة على حد سواء. فلها جذور، وتواريخ، ولا تحتاج الى كهنة، أو إلى شرطة، أو الى أي نوع من الحراس الحمقى، لكي تكون كما تكون.
أتخيل سليم بعد الحرب بصحبة شقيقته رشا، في حين انطلاقهما في مغامراتهما الثقافية على اللغة ذاتها. فلم يكن للغة عندها سوى أن ترتفع عين ماء في الصحراء اللبنانية، وأن تبدو، وعلى جمالها، ما يفترق عن كل الرداءة، وأن تتقدم، وعلى صعوبتها، كأنها تولي همها لإطاحة دعاية أن كل شيء سيكون سهلاً، و”ولا يهمك”. فقد كانت، ومن بعدها الاستطيقي، تؤكد، من ناحية، على أن ثمة شيئاً راسخاً، أو يسعى إلى أن يكون كذلك. مثلما أنها، ومن ناحية أخرى، تؤكد على سخريتها من كل مشروع يرمي الى سيطرته، أكان يعد بالمستقبل أو يهدد بالقوة. لم تكن هذه اللغة مألوفة على أي مشروع، كانت هكذا في الصحراء، تنطق، وتسحر، وتصمت، وتشع كجدال مرات، وكمونولوغ مرات، وكجسم حي في كل الأحيان. آخر ما قرأت من هذه اللغة هو ذاك البيان الذي كتبه سليم عمّن سماهم “خفافيش” سعت، “وبين الظلمة والظلمة”، لتهديده وإرهابه. فقد بدت هذه “الخفافيش” أنها، ومهما جعلت من أمرها أمراً واقعاً، ففي مقابل لغة الـ”قصيرة من طويلة”، هي فعلاً على وهن، لا تستر عليه سوى بالتخوين و”التعميل”. ووهنها هذا يتعلق بكونها ليست أمام لغة توجه إصبعها صوبها بعد أن تعمد الى تخويفها، بل أنها أمام لغة تفعل كل هذا من دون أن يلزمها وضع إمكان من إمكاناتها جانباً. فـ”الخفافيش”، ولما تتلقاها، تجد أن تخويفها كان بلا طائل، فلم تفقد اللغة، وفي نتيجته، بلاغتها، بل أن هذه اللغة ردت بها عليه. لقد كانت عين ماء، ثم درعاً، وفي النهاية، ما عادت “الخفافيش” تتحملها، فقتلت من كان فيها برصاصات الكتم… وصارت الصحراء أكثر من صحراء.

مَن قتل لقمان سليم؟ فرضية واحدة وهوامش كثيرة
قاسم مرواني/المدن/05 شباط/2021
“أنهى لقمان سليم عشاءه برفقة أصدقائه في قرية الجنوبية وغادر منزلهم عند الساعة الثامنة والنصف مساءً. قاد سيارته عائداً إلى بيروت مسافة ثلاثمئة متر، حين اعترضت طريقه سيارة دفع رباعي سوداء وأجبرته على التوقف”. “ترجل من السيارة رجلان ووجها إليه مسدساتهما، أجبراه على فتح الأبواب، صعد الرجل الأول إلى جانبه وجلس الثاني على المقعد الخلفي وسط حال من الذهول والخوف، أخذ الرجل في المقدمة هاتف لقمان ورماه من النافذة ثم أمره بالتقدم”.
“قاد سيارته بضعة كيلومترات حتى طريق فرعي في منطقة العدوسية، تتبعه السيارة السوداء رباعية الدفع، أمراه بالتوقف إلى جانب طريق فرعية ثم بدأ الرجل الجالس إلى جانبه بطرح الأسئلة. حين رفض لقمان الإجابة، بدأوا بصفعه وتعذيبه. استمر التحقيق حتى الساعة الواحدة ليلاً، ولا بد أنه استفزهم بإجاباته، رافضاً اعطاءهم ما أتوا لأجله”… “أصيب المحقق بالحنق الشديد، لقّم مسدسه ووجّهه إلى لقمان الذي أشاح بوجهه، محاولاً الهرب وتفادي الإصابة التي لا مفرّ منها، ردّ فعل غريزي لدى أي إنسان. بدأ المحقق الغاضب بإطلاق الرصاص دون توقف. خمس رصاصات اخترقت رأسه وواحدة أصابت ظهره. تركوه جثة هامدة. استقلوا السيارة السوداء رباعية الدفع وغادروا”. هذا المشهد عبارة عن سيناريو متخيل للساعات الأخيرة التي عاشها لقمان سليم قبل أن يُقتل، بناء على ما تسرّب من مسرح الجريمة، إلى الإعلام والشبكات الاجتماعية حتى الآن. كثيرون لم يسمعوا باسمه من قبل، لكن معظم هؤلاء أصابهم تأثير لقمان بشكل أو بآخر، ربما عبر قراءة أحداث لبنانية وثّقها “مركز أمم للأبحاث والتوثيق” الذي حاول جمع شتات الذاكرة اللبنانية خلال الحرب الأهلية، أو عبر قراءة الكتب التي يصدرها “دار الجديد للنشر”، أو عبر مشاهدة الأفلام التي أنتجها لقمان أو شارك بإنتاجها.
من هو القاتل؟
فرضيات عديدة تدور حول الجهة التي استفادت ونفذت عملية اغتيال لقمان سليم، وكلها وردت ضمن تغريدات في مواقع التواصل التي انقسمت بين ميال لهذه الفرضية أو تلك. أولى الفرضيات هي أن يكون هناك خلاف شخصي بينه وبين شخص آخر لسبب من الأسباب. لكن هذه الفرضية بدت، لكثيرين، ضعيفة، بالنظر إلى مكان وكيفية حدوث الجريمة، بالإضافة إلى أن المنطقة التي وقعت فيها، معروف نفوذ قوى أمرها الواقع. وفي العادة، لا تستغرق القوى الأمنية وقتاً حتى تمسك بالقاتل في حال وجود خلاف شخصي. الفرضية الثانية، التي حظيت بشبه إجماع، هي أن “حزب الله” هو من اغتال لقمان سليم في منطقة تابعة لنفوذه، معتبرين أن لقمان كان معارضاً لسياسة حزب الله وإيران، وأن “حزب الله” اغتاله بهدف إسكاته، مستندين إلى التهديدات التي طالما وصلت إلى لقمان من أنصار الحزب، وهو كان قد حمّل الثنائي الشيعي مسؤولية التعرض له أو لعائلته في بيان نشره العام 2019. في حين يردّ أنصار الحزب بأن لقمان لطالما عاش في الضاحية الجنوبية، وفيها يقع مكتبه ولطالما تنقل بين الضاحية والجنوب، ولو أراد الحزب تصفيته لفعل ذلك منذ زمن بعيد.
الفرضية الثالثة هي أن “حزب الله” قد اغتال لقمان سليم، لكن ليس لمعارضته في السياسة والرأي، بل إن لقمان، من خلال عمله كباحث ومعارض للحزب، ربما استطاع الحصول على معلومات يعتبرها الحزب حساسة وليس من مصلحته أن يتم نشرها. معلومات ربما تتعلق بالشق السياسي في الداخل اللبناني أو ربما بالفساد أو انفجار مرفأ بيروت أو عمليات تبييض الأموال وارتباط الحزب مع شخصيات داخل القطاع المصرفي اللبناني تُسهّل هذه العمليات، ولم يكن لدى “حزب الله” خيار آخر لكتم المعلومات سوى التصفية الجسدية.
الفرضية الرابعة، يروج لها “حزب الله”، وهي أن جهة خارجية قد نفذت عملية الاغتيال، داخل منطقة تابعة أمنياً للحزب، كي تؤلّب الرأي العام اللبناني على الحزب وخصوصاً البيئة الشيعية. هذه الفرضية، ولو كانت واردة ومحتملة، إلا أن اللبنانيين ضاقوا ذرعاً بتكرارها وتصديرها أولوية. فكل عمليات الاغتيال التي حدثت في التاريخ اللبناني الحديث، منذ اغتيال رفيق الحريري، رُدّت إلى جهة خارجية، غالباً اسرائيل، وللسبب عينه، هو إحداث الفتنة، أو خلط الأوراق لتحقيق مكاسب ومناصب زعاماتية وسياسية. بل وصل الأمر بأحدهم إلى القول إن سعد الحريري مستفيد من هذا الاغتيال، لأنه استفاد قبلاً من اغتيال والده ليصبح رئيساً للحكومة! لكن تعبير اللبنانيين عن سأمهم من نظرية المؤامرة تفشى، أمس، بشدة، بالجدّ والتهكّم، في مواقع التواصل الاجتماعي. كما استنكر كثر واستُفزوا مما كتبه ممانعون عن إمكانية أن يكون القتل قد تم على خلفية ديون أو قمار أو خلافات نسائية أو حتى بداعي السرقة! إذ بدت تلك الفرضيات منطوية على إسفاف وإهانة، سواء على مستوى حجم الجريمة أو مكانة الشخصية المُغتالة.
أما الحقيقة فلا يظهرها إلا تحقيق مهني وتقني وشفاف، وهذا ما يطالب به الجميع. لكن التعليقات ما انفكت تعود إلى مشكلة أساس، وهي أن “حزب الله” يبدو غير قابل للمساءلة أو الاستجواب. ولا يقبل أن يخضع عناصره، ناهيك عن قياداته، للتحقيق. ولا تستطيع الدولة، أو حتى القضاء الدولي، استدعاء أي عنصر في حال الاشتباه فيه (ولم لا؟ ربما تتم تبرئته!). ولا تتوافر حتى إمكانية الحصول على إفادات في المسار الاستقصائي من منظور “شاهد”.. إلا إن رُفع الغطاء عنه، وهذا ما لا نمط سوابق له، بل يُعالج بالبيانات.
والحال إن صدور بيان يقول “لم نفعل ذلك”، لم يجده اللبنانيون كافياً. كان استنكاره واسعاً، أمس، مع الإشارة إلى أن الحقيقة تحتاج إلى أدلة لن يُحصَل عليها سوى بتعاون الحزب مع التحقيق. هذا الواقع ظهّر اللبنانيين يائسين تماماً من التوصل إلى أي حقيقة. الكلام الدائر، في العام والخاص، مزاجه أن لا تحقيق جدياً سيجري، ولا قاتل سيكشف، بل هي الوقفة نفسها في طابور الانتظار الطويل مع باقي القضايا.

منظمة العفو الدولية: لقمان سليم ضحية نمط الإفلات من العقاب ومقتله يثير مخاوف خطيرة
نداء الوطن/05 شباط/2021
أعلنت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية لين معلوف في تصريح اليوم، تعقيبا على خبر مقتل المفكر والناشط اللبناني لقمان سليم أنه “كان في طليعة النضال ضد الإفلات من العقاب في لبنان ما بعد الحرب، ودافع بشدة عن حق عائلات المفقودين والمخفيين قسرا في نيل العدالة والكشف عن الحقيقة، إلى جانب جمعيات الأهالي ومجموعة من المنظمات والنشطاء الآخرين الذين امتلكوا الشجاعة الكافية لتحدي نمط الإفلات من العقاب السائد في لبنان”. وقالت: “لقمان سليم هو ضحية هذا النمط من الإفلات من العقاب الذي استمر لعقود من الزمن، والذي تسبب ببقاء جرائم قتل النشطاء والصحافيين والمثقفين في الماضي والحاضر بلا عقاب، وهو نمط تتحمل الدولة اللبنانية المسؤولية النهائية عنه”. وأشارت إلى أن “مقتل سليم المروع يثير مخاوف خطيرة من العودة إلى عمليات القتل المستهدفة، وتزداد هذه المخاوف في ظل تقاعس الدولة عن تحقيق أي عدالة في قضايا مروعة ومماثلة سابقا”، وقالت: “يحق للشعب اللبناني أن يبلغ العدالة في الجرائم المستمرة التي تعرض لها على مدى العقود وحتى يومنا هذا. ويصادف اليوم أيضا مرور ستة أشهر على الانفجار الذي فجع به سكان العاصمة بيروت وقبض على روحها، من دون أن يساءل أو يحاسب أحد عنه حتى الساعة”.وطالبت “السلطات اللبنانية، من أجل القطع مع مسلسل الإفلات من العقاب السائد ماضيا، بضمان أن يكون التحقيق الذي أعلنته في جريمة قتل لقمان سليم شفافا ومحايدا ومستقلا”، مشيرة إلى أنه “ينبغي إعلان النتائج على الملأ، وتقديم الجناة إلى العدالة على وجه السرعة”.

رصاص غدر.. أنسق لقمان سليم انشقاق تاجر كبير عن حزب الله؟
دبي- العربية.نت/الجمعة 05 شباط 2021
فيما لا يزال الشارع اللبناني مصدوما لمقتل الناشط والباحث لقمان سليم، بـ 5 رصاصات غادرة في جنوب لبنان، تستمر التحقيقات لمعرفة تفاصيل تلك الجريمة، التي وجه العديد من السياسيين والأحزاب في لبنان أصابع الاتهام فيها لحزب الله. فيما اعتبرت الصحافية منى علمي أمس أن السبب الحقيقي لاغتيال المعارض البارز والشرس لحزب الله وسياسة إيران في لبنان، مرتبط بترتيبه لانشقاق أحد كبار التجار المتعاملين مع الحزب، بعد عقد عدة لقاءات معه. ففي مقال نشرته على موقع العربية.نت (الإنجليزي) اعتبرت “ما قتل سليم لم يكن انتقاده الصريح لحزب الله الذي حول لبنان في السنوات القليلة الماضية – بموافقة ضمنية من القيادة اللبنانية الفاسدة – إلى تابع إيراني، على حساب اقتصاده واستقراره وعلاقاته الخارجية”، بل لأنه “ذهب بعيداً في الكشف عن النسيج الداخلي لحزب الله وشبكته المعقدة على الإنترنت”.
غسيل أموال حزب الله
وتابعت كاتبة: “إنه في الأشهر القليلة الماضية، توغل سليم في البحث عن أنشطة غسيل الأموال لحزب الله، والاتصالات المحتملة بين التجار الذين يسهلون تلك الأنشطة للحزب، وتعامل هؤلاء بالشخصيات مع مصرف لبنان”، كما أخبرها شخصيا. إلى ذلك، قالت: “يوم الأحد 31 يناير طلب مني سليم المرور بمكتبه لمناقشة موضوع حساس معي لا يمكن فعله إلا وجها لوجه.. وعندما التقيت به يوم الاثنين 1 يناير، أكد أنه كان على اتصال بشريك تجاري لحزب الله، متورّط بشكل كبير في أنشطة غسيل الأموال للحزب وتم فرض عقوبات عليه من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC). هذا الشخص الذي لم ينشر اسمه، كان مستعدا للانشقاق مقابل إخراجه من لبنان وحمايته من حزب الله”. وأضافت “كان سليم يسألني ما هي أفضل طريقة للقيام بذلك، بالنظر إلى أن أي اتصال مع سفارة أجنبية محلية سيشمل مشاركة العديد من الأطراف، مما قد يؤدي إلى تسريب استخباراتي وتهديد حياة المنشق المزعوم. كان يعتقد أن أفضل طريقة للتعامل معه هي الاتصال مباشرة بوزارة الخارجية الأميركية أو وزارة الخزانة”.
جثة المنشق الغامض
كما أردفت “بعد أيام، جاهلًا أنه يتم ملاحقته، ذهب سليم إلى الجنوب لتناول العشاء مع الأصدقاء. اختفى بعد ساعات قليلة في المساء، تاركًا أسرته محطمة، ليعثر عليه ميتًا بعد يوم واحد”. وختمت متسائلة: “يبقى أن نرى ما إذا كان سيظهر جسد آخر – جثة المنشق الغامض – في الأسابيع القليلة المقبلة”. يذكر أن قوى الأمن اللبنانية كانت عثرت على الناشط السياسي والاجتماعي اللبناني لقمان سليم المعروف بمواقفة المنتقدة لحزب الله مقتولاً بالرصاص صباح أمس الخميس في جنوب البلاد. وسليم البالغ من العمر 58 عاماً، باحث وناشط مدافع عن حقوق الإنسان، وملتزم التوعية الثقافية والسياسية حول مواضيع المواطنة والحريات، وناقد في مقالاته وإطلالاته التلفزيونية لحزب الله، القوة السياسية والعسكرية الأكثر نفوذاً في لبنان. وكانت عائلته أبلغت عن اختفائه مساء الأربعاء، مشيرة إلى أنه غادر قرية جنوبية وكان يفترض به أن يعود إلى بيروت.

بعد حديث عن تعذيبه.. شقيقة لقمان سليم: طلبنا تشريح الجثة
دبي – العربية.نت/الجمعة 05 شباط 2021
بعد ورود معلومات حول تعرض الناشط اللبناني والمعارض الشرس لحزب الله لقمان سليم للتعذيب قبل قتله، أكدت شقيقته رشا الأمير لـ”العربية” الجمعة أن العائلة طلبت تشريح الجثة لكشف احتمال تعرض لقمان للتعذيب قبل اغتياله، مضيفة أنها تعرف من قتل شقيقها. وفي حديث مع “العربية.نت” الخميس، قالت الأمير إن العائلة لا تثق بالقضاء اللبناني ولا بتحقيقاته. يذكر أنه تم العثور على لقمان سليم مقتولاً رمياً بالرصاص في سيارة جنوب لبنان الخميس. بعد ورود معلومات حول تعرض الناشط اللبناني والمعارض الشرس لحزب الله لقمان سليم للتعذيب قبل قتله، أكدت شقيقته رشا الأمير لـ”العربية” الجمعة أن العائلة طلبت تشريح الجثة لكشف احتمال تعرض لقمان للتعذيب قبل اغتياله، مضيفة أنها تعرف من قتل شقيقها. وفي حديث مع “العربية.نت” الخميس، قالت الأمير إن العائلة لا تثق بالقضاء اللبناني ولا بتحقيقاته. يذكر أنه تم العثور على لقمان سليم مقتولاً رمياً بالرصاص في سيارة جنوب لبنان الخميس.
وأوضح قاض يتابع القضية أن الجثة بها أربع رصاصات في الرأس وواحدة في الظهر. وقال مصدر أمني إن هاتف سليم عُثر عليه على جانب طريق. يشار إلى أن سليم، الذي كان في أواخر الخمسينيات من العمر، أدار مركزاً للأبحاث وأعد أفلاماً وثائقية مع زوجته وقاد جهوداً لبناء أرشيف عن الحرب الأهلية اللبنانية التي دارت من عام 1975 إلى 1990.
حملات تخوينية وتهديدات
إلى ذلك كان ينتقد أساليب حزب الله الترهيبية ومحاولاته احتكار السياسة في لبنان. ولمحت شقيقته إلى أن سليم قُتل لهذا السبب. وشوهد سليم آخر مرة بعد مغادرته منزل شاعر صديق. وقالت زوجته إنه اختفى فجأة. كما تعرض سليم سابقاً لحملات تخوينية عدة من قبل موالي وأنصار حزب الله وحركة أمل، حتى أنهم دخلوا عام 2019 حديقة منزله، تاركين له رسالة تهديد، وملوحين برصاص وكاتم صوت، ما دفع الباحث إلى إصدار بيان حمّل فيه مسؤولية تعرضه لأي اعتداء إلى أمين عام حزب الله حسن نصرالله، وحركة أمل برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري.

اغتيال لقمان سليم: رعاية انشقاق “مبيّض” لأموال الحزب…
ترجمة جودي الأسمر/أساس ميديا/الجمعة 05 شباط 2021
منى علامة* موقع “العربية” الإنكليزي
لم يكن مقتل لقمان سليم، الناشط الشيعي المناهض لحزب الله، قتلًا عشوائيًا. لقد كان إعداماً بدم بارد. الناشط الذي ندّد بانتهاكات حزب الله لحقوق الإنسان لسنوات وتحرّى عن كثب قمع الجماعة المتزايد لقاعدتها الشعبية الشيعية وكذلك الشارع اللبناني الأوسع، عُثر عليه مقتولاً بأربع رصاصات في الرأس في منطقة الزهراني، معقل حزب الله. وتمّ العثور على هاتفه على بعد كيلومترات قليلة، في نيحا، وهي منطقة أخرى من الجنوب تحت سيطرة الجماعة المسلحة. ما قتل سليم لم يكن انتقاده الصريح لحزب الله، الذي حوّل لبنان في السنوات القليلة الماضية – بموافقة ضمنية من القيادة اللبنانية الفاسدة – إلى تابع إيراني، على حساب اقتصاده واستقراره وعلاقاته الخارجية. لقد اشتهر مركز “أمم”، الذي يديره سليم، بنشره مجموعة واسعة من الأبحاث حول الحزب. إلا أنّه لم يقتل بسبب علاقاته العلنية مع السفارة الأميركية أو كبار الدبلوماسيين الأميركيين أو الأوروبيين. ما قتل سليم هو أنّه ذهب بعيداً في الكشف عن النسيج الداخلي لحزب الله وشبكته المعقّدة على شبكة الإنترنت. ما قتل سليم لم يكن انتقاده الصريح لحزب الله، الذي حوّل لبنان في السنوات القليلة الماضية – بموافقة ضمنية من القيادة اللبنانية الفاسدة – إلى تابع إيراني، على حساب اقتصاده واستقراره وعلاقاته الخارجية
ففي الأشهر القليلة الماضية، توغّل لقمان سليم في أنشطة غسيل الأموال لحزب الله، والبحث في الاتصالات المحتملة بين التجّار الذين يسهّلون هذه الأنشطة للحزب، والذهاب إلى أبعد من محاولة ربط هؤلاء بالشخصيات التي تعمل مع البنك المركزي اللبناني، وفقًا لمحادثة دارت بيننا.
في يوم الأحد 31 كانون الثاني، طلب مني سليم المرور بمكتبه يوم الاثنين، حيث أراد مناقشة موضوع حسّاس لا يمكن تناوله إلا وجهًا لوجه. عندما التقيتُ به يوم الاثنين 1 شباط، أكد أنّه كان على اتصال بشريك تجاري لحزب الله، كان متورطًا بشكل كبير في أنشطة غسيل الأموال للحزب وتم فرض عقوبات عليه من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC). هذا الشخص الذي لم يفصح عن اسمه، كان مستعدّاً للانشقاق مقابل انتشاله من لبنان وحمايته من حزب الله. كان سليم يسألني ما هي أفضل طريقة للقيام بهذه الخطوة، بالنظر إلى أنّ أيّ اتصال مع سفارة أجنبية محلية سيشمل مشاركة العديد من الأطراف، ما قد يؤدي إلى تسرّب استخباراتي وتهديد حياة المنشقّ المزعوم. كان يعتقد أنّ أفضل طريقة للتعامل معه هي الاتصال مباشرة بوزارة الخارجية الأميركية أو وزارة الخزانة. بعد ثلاثة أيام، جاهلًا أنّه يتم ملاحقته، ذهب سليم إلى الجنوب لتناول العشاء مع الأصدقاء. اختفى بعد ساعات قليلة في المساء، تاركًا أسرته محطّمة، ليعثر عليه ميتًا في اليوم التالي. لقمان سليم لاقى مصيره. ويبقى أن نرى ما إذا كان سيظهر جسد آخر – جسد المنشقّ الغامض – في الأسابيع القليلة المقبلة. من المؤكد أنّه لن يتم فتح تحقيق جدي في إعدام لقمان سليم وأنّ القضاء اللبناني لن يقدّم الجناة إلى العدالة. لا مصلحة للأجهزة الأمنية اللبنانية وقضائها في معرفة الحقيقة. إنّها سلعة باهظة الثمن في بلد لا ثمن فيه لحياة الإنسان.
* منى علامة هي صحافية فرنسية – لبنانية وباحثة غير مقيمة في “مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط” التابع لـ”المجلس الأطلسي”.

لقمان سليم… الباحث والناشط السياسي الجريء
بيروت: «الشرق الأوسط»/05 شباط/2021
«مثقف لبناني جريء مولع بالتأريخ واللغة» هذا ما يكرّره أصدقاء لقمان سليم الباحث والناشط السياسي، ابن الضاحية الجنوبية لبيروت المعروف بمواقفه المناهضة لسياسة «حزب الله»، والذي أثار اغتياله أمس مخاوف من دخول لبنان عصراً جديداً من الاغتيالات. سليم هو باحث وناشر وناشط سياسي لبناني، وُلد في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت عام 1962، حاصل على شهادة في الفلسفة من جامعة السوربون في باريس، وعُرف في مجال التأريخ والنشر والبحوث والترجمة واللغة. يصفه صديقه الصحافي علي الأمين سليم، بالباحث الذي يتمتّع بدرجة عالية من الثقافة العميقة، فهو ناشر ومؤسس «دار الجديد» 1990 التي أنتجت مجموعة مهمة من الكتب في مجال الأدب العربي والمحتوى الذي لطالما أثار الجدل، مضيفاً في حديث مع «الشرق الأوسط» أنّ «سليم ينتمي إلى عائلة سياسية، وهو شخصية لبنانية بما للكلمة من معنى عميق؛ فوالدته المارونية ووالده المسلم أسهما في نشأته ببيئة وطنية».
وسليم هو نجل النائب السابق والحقوقي محسن سليم الذي كان عضواً في الكتلة الوطنية مع العميد ريمون إده، والمعروف بنضاله في سبيل حقوق الإنسان والدفاع عن الشرعية والدستور. ويشير الأمين إلى أنّ «سليم كان ناشطاً سياسياً يُعبر عن رأيه بطريقة يصفها مَن لا يعرفه عن قرب بالمتهوّرة، ولكّن واقع الأمر أنّ سليم كان منسجماً مع نفسه ومع طبيعته التي تميل إلى قول الحقّ كما تراه من دون أن تقصد الجرأة، وإن كانت مواقفه دائماً تحمل جرأة عالية جداً». كان سليم من أبرز معارضي «حزب الله» في البيئة الشيعية وتعرّض لكثير من حملات التخوين، وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) 2019 حين كان حراك 17 أكتوبر (تشرين الأول) في أوجّه، تعرّض منزله الواقع في الضاحية الجنوبية في بيروت للاعتداء، وحمّل سليم حينها «حزب الله» المسؤولية. وقال في بيان أصدره آنذاك: «استدراكاً على أي محاولة تعرُّض لفظية أو يدوية لاحقة، لي أو لزوجتي أو لمنزلي أو لدارة العائلة أو لأي من أفراد العائلة، أو القاطنين في الدارة، فإنني أحمِّل قوى الأمر الواقع (حزب الله) ممثلةُ بشخص (أمينه العام) حسن نصر الله المسؤولية التامّة عما جرى وعما قد يجري»، مضيفاً: «اللهم إني بلغت اللهم فاشهد».
ويقول الكاتب مصطفى فحص إنّ ما قام به سليم من عملية تأريخ للحياة السياسية اللبنانية لم تستطع فعله مؤسسات الدولة اللبنانيّة والسياسيون. واهتمّ سليم بشكل خاص بموضوع المفقودين في الحرب اللبنانية والمقاتلين الصغار الذين دفعوا أثمان الحروب، كما أخرج مع مونيكا بورغمان فيلماً يسائل فيه القتلة المسؤولين عن مجزرة مخيّم صبرا وشاتيلا. ويرى الأمين أنّ عملية اغتيال سليم «موقّعة» والفاعل «واضح وضوح الشمس»، معتبراً أنّ هذا النوع من الاغتيالات يبشّر بمرحلة جديدة تجعل المنفّذ غير قلق من تداعيات جريمته، لذلك التحدّي الأهم يكمن في كيفية تعامل السلطة اللبنانية مع هذا الحادث، للمحافظة على ما تبقى ولو بالحد الأدنى من مفهوم الدولة. وفي حين لم يستبعد الأمين أن يكون اغتيال سليم بداية مرحلة اغتيالات للناشطين المعارضين أشار إلى أنّ طريقة تعاطي الأجهزة الأمنية والقضاء إمّا تعطي رسالة تدفع المسؤول عن الاغتيال إلى التفكير مرتين قبل تنفيذ اغتيال جديد، وإما تشجّعه على المزيد من الاغتيالات. ويشير الأمين إلى أنّ اغتيال سليم هو رسالة تخويف للناشطين بالدم في بلد تُرك فيه الناس لمصيرهم فباتت آراؤهم تواجَه بالبندقيّة، آملاً ألا يكون المجتمع الدولي شاهد زور في هذا الاغتيال. وكانت رشا الأمير، شقيقة سليم، قد قالت في حديث صحافي إنها «لا تتهم أحداً في اغتيال أخيها»، لكنّ «المسؤولين عن الجريمة معروفون، هم قاموا بتوجيه أصابع الاتهام لأنفسهم، من المعروف مَن هو المتحكم في هذه المنطقة» في إشارة إلى المنطقة التي وُجد فيها سليم مقتولاً، مذكّرةً بأنّ شقيقها كان قد سبق وتعرض لتهديدات متنوعة. وأشارت الأمير إلى أنها لا تثق بقدرة القضاء اللبناني، منتقدةً تكاسل الأمن في الاستجابة لشكوى غياب شقيقها، وتقاعسه عن حمايته رغم تعرضه لتهديدات تمس سلامته الشخصية. ويُشار إلى أنّ سليم لم يكن واحداً من وجوه انتفاضة «17 تشرين» ولكنّه كان قد تعرّض لحملة تخوين كبيرة بعد مشاركته في ندوة عُقدت وسط بيروت مكان خيام المتظاهرين حينها، تطرّقت إلى موضوع مفهوم الحياد في لبنان. وتعرّضت خيمة الندوة حينها لهجوم وحاول البعض إحراقها بحجّة أنها تروّج للتطبيع مع إسرائيل.

اغتيال لقمان ترهيب للشيعة واللبنانيين ورسالة إيرانية إلى إدارة بايدن
استهداف سليم لإظهاره أن شيعة لبنان ليسوا تحت جناحي حزب الله.
العرب/05 شباط/2021
بيروت – قالت مصادر سياسية في بيروت إن اغتيال الناشط السياسي الشيعي لقمان سليم أثناء وجوده جنوب لبنان، في منطقة تقع تحت النفوذ المباشر لحزب الله، يستهدف ترهيب اللبنانيين، خصوصا الشيعة منهم، وتوجيه رسالة إيرانية إلى الإدارة الأميركية الجديدة.
وأوضحت هذه المصادر أنّ فحوى هذه الرسالة تأكيد أن لبنان، بمن في ذلك كلّ شيعته، تحت السيطرة الكاملة لحزب الله الذي يستطيع أن يفعل بهم وبه ما يشاء في ضوء سيطرته على كلّ مفاصل السلطة في البلد. وركزت المصادر السياسية اللبنانية على أن العنصر الرئيسي في جريمة اغتيال لقمان سليم يكمن في توقيتها، ذلك أنّه معروف أن حزب الله كان يستطيع اغتيال الناشط السياسي ساعة يشاء نظرا إلى أنّه مقيم في منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية. لكنّ الحزب اختار مباشرةَ الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة جو بايدن نشاطها كي يوجه رسالته القائلة إنّه يسيطر كليّا على لبنان وعلى الطائفة الشيعية من جهة وأنّه لن يسمح بأي صوت مختلف من داخل الطائفة من جهة أخرى. وأشارت المصادر ذاتها إلى أن أكثر ما كان يزعج حزب الله وإيران العلاقات التي أقامها لقمان سليم مع مسؤولين في الإدارة الأميركية ومع مسؤولين أوروبيين بما يشير إلى أن شيعة لبنان ليسوا كلّهم تحت جناحي الحزب. وذكرت أن لقمان سليم، الذي كان يمتلك دار نشر ومؤسسة أبحاث، لم يكن ذا تأثير كبير في الأوساط الشعبية الشيعية، خصوصا أنه من بيروت وليس من الجنوب أو البقاع، إضافة إلى أنّه نخبوي. لكنّه كان يمتلك في المقابل شبكة علاقات دولية وعربيّة واسعة يستطيع من خلالها تأكيد أن شيعة لبنان ليسوا كلّهم تابعين لإيران وأنّ هناك وجها آخر للطائفة غير وجه حزب الله والولاء لإيران. وكان لافتا إسراع ابن حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله إلى تبني عملية الاغتيال، إذ نشر تغريدة جاء فيها “خسارة البعض هي في الحقيقة ربح ولطف غير محسوب. بلا أسف”. وما لبث جواد حسن نصرالله أن حذف التغريدة بعدما اعتبرها كثيرون بمثابة توقيع لحزب الله على الجريمة.
وينحدر لقمان سليم من عائلة ميسورة هي بين نحو عشر عائلات شيعية تمتلك جذورا عميقة وقديمة في الضاحية الجنوبية لبيروت التي كانت أصلا منطقة شيعية – مسيحية. وامتلك والده المحامي محسن سليم ذو التوجه اللبناني المحض بيتا كبيرا في تلك المنطقة (حارة حريك) التي كانت تقيم فيها عائلة رئيس الجمهورية الحالي ميشال عون. وبقي لقمان سليم مع زوجته الألمانية في حارة حريك على الرغم من التهديدات التي كان يتلقاها باستمرار ولم يحط نفسه يوما بأي إجراءات أمنية. وجاء اغتياله في جنوب لبنان الذي يسيطر عليه حزب الله، في طريق عودته إلى بيروت، بعد تمضية سهرة مع أصدقاء له من آل الأمين في قرية نيحا الجنوبية القريبة من صريفا.
وكان الرئيس اللبناني العماد ميشال عون دعا إلى الإسراع في كشف الجهات التي تقف وراء عملية اغتيال الناشط لقمان سليم الذي عثر عليه مقتولاً داخل سيارته جنوب البلاد. وغرّد رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري عبر حسابه على تويتر “لقمان سليم شهيد جديد على درب حرية وديمقراطية لبنان، واغتياله لا ينفصل عن سياق اغتيالات من سبقه. لقمان سليم كان واضحا أكثر من الجميع ربما في تحديد جهة الخطر على الوطن”. وأكّد رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب أن جريمة اغتيال الناشط لقمان سليم لن تمر دون محاسبة.
وطالبت منظمة العفو الدولية ودبلوماسي كبير في الأمم المتحدة وكذلك رالف تاراف سفير الاتحاد الأوروبي لدى لبنان بإجراء تحقيق.
وكتب تاراف على تويتر “نستنكر ثقافة الإفلات من العقاب السائدة”.
باسم السبع: اغتيال سليم رسالة للشيعة الذين ينشطون خارج مدار حزب الله باسم السبع: اغتيال سليم رسالة للشيعة الذين ينشطون خارج مدار حزب الله
وقال مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية (سكايز) إنه يخشى “طمس حقائق” الجريمة ومحاولات أخرى لتصفية “رموز الفكر السياسي الحر والمعارض”.
وفي منزل العائلة في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يسيطر حزب الله الشيعي، جلس أفراد العائلة في حالة صدمة. وبكى البعض في صمت.
وقالت شقيقته رشا للصحافيين دون ذكر حزب الله بالاسم “خسارة. خسارة. وهم أيضا خسروا عدوّا نبيلا لهم. بمقدار ما هي خسارة لنا هم خسروا إنسانا يعرف أن يساجلهم بذكاء وبأريحية ويقول أنا لا أتبرأ منهم وأعيش معهم وبينهم بكل احترام ومحبة”.
وأضافت “القتل هو اللغة الوحيدة التي يتقنونها”، وأضافت “لا أعرف كيف سنواصل عملنا.. سيكون الأمر صعبا”.
وفي مقابلة أخيرة مع تلفزيون الحدث السعودي، قال سليم إنه يعتقد أن دمشق وحليفها حزب الله لهما دور في انفجار المرفأ الذي هز بيروت في أغسطس الماضي وأسفر عن مقتل 200 شخص وإصابة الآلاف. وواجه انتقاد سليم لحزب الله هجوما من أنصار الحزب الذين وصفوه في بعض الأحيان بأنه ينتمي إلى “شيعة السفارة”، وهو مصطلح يتهم المعارضين للحزب بأنهم أداة في يد الولايات المتحدة. واعتبر النائب السابق باسم السبع أن اغتيال لقمان “رسالة مباشرة لكل الناشطين والكتاب والسياسيين من ‏أبناء الطائفة الشيعية الذين يتحركون وينشطون ويعبرون عن أفكارهم خارج المدار ‏السياسي لحزب الله”. ووضع الصحافي اللبناني علي الأمين عملية اغتيال لقمان سليم برسم رئيس الجمهورية وحزب الله الممسك بالأمن في المنطقة، مضيفا أن “لقمان سليم كان يعلن بوضوح خصومته لحزب الله ويتلقى تهديدات في السر والعلن”. وقال الصحافي حازم صاغية إن “مقتل لقمان سليم خسارة كبيرة جدا للبنان وللثقافة والفكر والشغل والجدية والنزاهة والصراحة في قول ما ينبغي أن يقال”.

هل هي بداية مرحلة أمنية وسياسية جديدة؟!..كتْم صوت لقمان سليم استنهض القوى والشارع… مخاوف من عودة الاغتيالات و”حزب الله” يُطالب بالحقيقة
نداء الوطن/05 شباط/2021
ما إن “أسكتت” أربع رصاصات أصابت الرأس وخامسة أصابت الظهر، الباحث والناشط السياسي لقمان سليم، حتى انهالت المواقف الشاجبة موجّهة أصابع الاتهام مباشرة نحو “حزب الله”، في اعتباره “من وضع الإصبع على الزناد في محاولة منه لإخفات الصوت الشيعي المعارض”. الادانات لم تقتصر على الساحة السياسية والحزبية والاعلامية المحلية بل تعدّتها لتشمل الساحتين الدولية والعربية. وفي هذا السياق، قالت الخارجية الأميركية: “من الجبن وغير المقبول أن يلجأ طرف للعنف لتخريب حكم القانون”. ووصفت الخارجية الفرنسية الجريمة بالبشعة وطالبت بتحقيق شفاف. وعبّر القائم بالأعمال البريطاني في لبنان مارتن لونغدن عن صدمته ودعا السلطات الى إجراء تحقيق سريع وشفاف، والعثور على المسؤولين. وقال: “سأتابع هذه المسألة عن كثب لحماية كل الأصوات في لبنان، بما في ذلك أصوات النقاد ولا إفلات من العقاب”.
وطلب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان السابق يان كوبيتش “التحقيق في هذه المأساة بشكل سريع وشفاف، واستخلاص النتائج اللازمة”، وقال: “يجب ألا يتبع هذا التحقيق نمط التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، الذي بقي بعد ستة أشهر غير حاسم ومن دون محاسبة. يجب أن يعرف الناس الحقيقة”. ودان سفير الاتحاد الأوروبي رالف طراف “ثقافة الإفلات من العقاب” وطالب بإجراء التحقيق المناسب. ودعت الجامعة العربية الى الكشف عن ملابسات الجريمة ومعاقبة مرتكبيها، وحذّرت “من انزلاق لبنان الى منعطف خطير وحالة من الانفلات والعودة به الى مسلسل الاغتيالات المشين”. وطلب رئيس الجمهورية ميشال عون من المدعي العام التمييزي إجراء التحقيقات اللازمة لمعرفة ملابسات الجريمة، وشدّد على ضرورة الإسراع في التحقيق لجلاء ظروف الجريمة والجهات التي تقف وراءها. وكلّف رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وزير الداخلية محمد فهمي، الإيعاز إلى الأجهزة الأمنية للإسراع في تحقيقاتها لكشف ملابسات الاغتيال وملاحقة الفاعلين والقبض عليهم وإحالتهم إلى القضاء بأسرع وقت.
الحريري: معركة الحرية
واعتبر الرئيس سعد الحريري ان اغتيال سليم “لا ينفصل عن سياق اغتيالات من سبقه”. وقال: “لقمان سليم كان واضحاً أكثر من الجميع ربما في تحديد جهة الخطر على الوطن. ونحن وكل السياديين سنواصل معركة الحرية. الشجب لم يعد كافياً. المطلوب كشف المجرمين لوقف آلة القتل الحاقدة”. واستنكر رؤساء الحكومات السابقون فؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي الجريمة، وحذّر الاول من انه “اذا لم يجر تحقيق سريع وحر وفعال لكشف هذه الجريمة النكراء، فان الادانة والاتهامات ستكون واضحة، وتحديداً لمن يسيطر بالسلاح على الجنوب وقراه”.
جعجع: شهيد الرأي الحر
وأكد حزب “القوّات اللبنانيّة” انه “من غير المسموح تصفية الأحرار بسبب مواقفهم الوطنية”، وشدد رئيس الحزب سمير جعجع على أنّ سليم “شهيد الرأي الحر”. وقال: “إذا كان للشرّ جولة، فسيكون للخير والحقّ ألف جولة وجولة”.
ونعى العلامة السيد علي الامين لقمان سليم “الذي اغتالته يد الغدر مدافعاً شجاعاً عن مشروع الدولة ومناضلاً مقداماً ورافضاً لهيمنة السلاح خارج المؤسسات الشرعية”. وقال: “بعد اغتيالك الآثم لن يتوقف النضال بالكلمة والموقف وسيستمر بمزيد من الوعي والتضامن ولن ترهبنا تلك الرصاصات الغادرة التي اطلقتها يد القمع والاجرام”.
واعتبر النائب السابق باسم السبع أنّ اغتيال سليم “رسالة مباشرة لكل الناشطين والكتاب والسياسيين من ابناء الطائفة الشيعية الذين يتحركون وينشطون ويعبّرون عن أفكارهم خارج المدار السياسي لـ”حزب الله”. وتابع: “هذا هو مع الأسف، الانطباع الذي يسود بعد اغتيال لقمان، وسيكون من الصعب تبديل هذا الانطباع بغير الكشف الكامل عن مجريات الجريمة وظروفها”.
وطالب “حزب الله” الأجهزة القضائية والأمنية المختصة “بالعمل سريعاً على كشف المرتكبين ومعاقبتهم، ومكافحة الجرائم المتنقلة في أكثر من منطقة في لبنان وما يرافقها من استغلال سياسي واعلامي على حساب الأمن والاستقرار الداخلي”.
وحذّر تيار”المستقبل” من “مخاطر العودة الى مسلسل الاغتيالات واستهداف الناشطين”، وطالب الجهات المختصة الامنية والقضائية الشرعية بـ”العمل على جلاء الحقيقة بأسرع وقت”.
ورأى “الحزب التقدمي الإشتراكي” ان الجريمة تستدعي من القوى والأجهزة الأمنية “أقصى درجات الملاحقة والمتابعة والتحقيق الفعلي والشفاف لكشف المرتكبين وسوقهم إلى القضاء بأسرع وقت، وإنزال القصاص الذي يستحقون”.
وأعلن “لقاء سيدة الجبل” بالاشتراك مع عدد من الفاعليات، أن اغتيال سليم “دلالة على افلاس الميليشيات التي لا تجد سوى الارهاب والعنف لترهيب اللبنانيين الذين يطالبون برفع الوصاية الايرانية والحفاظ على الحريات”. ولفت الى أن “الاغتيال حصل في منطقة نفوذ “حزب الله” وبالتالي هو المتهم الاساس، فإما ان يخبر كيف حصلت الجريمة أو فليتحمل المسؤولية المباشرة”. وشدد على ان “هذه الجريمة لن تنال من عزيمة اللبنانيين و”حزب الله” هو المسؤول الأساسي لكشف الحقيقة”. واعتبر حزب الكتائب الجريمة “عودة لمسلسل الاغتيالات السياسية، ومحاولة بائسة لضرب التنوع والرأي الاَخر وإسكات الأصوات الحرة المطالبة بقيام الدولة السيدة، الحرة والمستقلة”. ودان رجل الأعمال بهاء الحريري الاغتيال وقال “إن مثل هذه الأعمال تهدف الى تخويف ملايين اللبنانيين الذين يدعون الى مستقبل أفضل للبنان، وهذا يسلط الضوء على الشجاعة اليومية التي أظهرها الشهيد سليم وكل الوطنيين من رجال ونساء الذين شاركوه قضيته”.
واستنكر آل سليم في حارة حريك الجريمة رافضين “استغلالها من قبل بعض أبواق الفتنة الذين استبقوا التحقيقات بتوجيه التهم يميناً وشمالاً”، مطالبين بأن “تكون الكلمة الفصل للأجهزة الأمنية والقضائية المطالبة بالتحقيق السريع فيها وكشف ملابساتها”. ودعا “التيار الوطني الحر” الى “عدم استغلال هذه الجريمة لإثارة الفتنة خاصّة ان مصطادي الدماء الاعتياديين بدأوا عملية الاستثمار السياسي، بل الى استغلال هذه الجريمة لإنزال اقصى العقوبات بحق مرتكبيها كائناً من كانوا”.
وطالب “الخط التاريخي” الاجهزة الامنية بالكشف عن الجهة التي عمدت الى اغتيال سليم، وأكد أنّ القضاء المستقل “وحده من يصدر الاحكام وكل ما عدا ذلك يبقى اتهاماً بالسياسة، يساهم بترسيخ الانقسام”.

فرنسا وأميركا: لتسريع تحقيق المرفأ وتشكيل الحكومة…كلُّ حرّ “لقمان”
نداء الوطن/05 شباط/2021
هل تعود الاغتيالات إلى المشهد الداخلي؟ هل يتجه لبنان إلى نموذج “العرقنة” في تصفية النشطاء وقادة الرأي والتعبير؟ من التالي على قائمة التصفيات؟ وغيرها من علامات الاستفهام والترقب طرحتها عملية اغتيال الناشط السياسي لقمان سليم فجر الخميس. وإذا كانت أصابع الاتهام السياسي اتجهت تلقائياً مع شيوع الخبر نحو “حزب الله” بالوقوف خلف تصفية سليم، باعتباره مناهضاً شرساً لسطوة “الحزب” على الدولة، وربطاً بكون العملية وقعت ضمن نطاق نفوذه الحيوي في الجنوب، لكن على الأرجح ستبقى المعادلة هي نفسها إزاء كل عمليات الاغتيال السياسي التي حصلت وستحصل في لبنان، بحيث تبقى الأدلة والقرائن الدامغة “في ذمة” الأجهزة الأمنية والقضائية الواسعة، فيضيع الحق ولو وراءه مليون مطالب… ليضاف في محصلة المشهد الدموي الجديد، إسم لقمان سليم، إلى قائمة الشهداء الذين ستبقى قضيتهم في ذمة “حزب الله” من دون أي إشعار قضائي آخر يثبت العكس.
هذا في الاتهام السياسي للجريمة، أما في مفعولها السيادي وانعكاساتها على أرضية المشهد الوطني، فإن الأكيد أنّ كل عمليات الاغتيال التي طالت قياديين وصحافيين ومفكرين وأصحاب الرأي الحر في لبنان لم تؤدّ غرض قمع الناس وكمّ الأفواه وترهيب السياديين، حتى بدا جلياً للقاتل أمس وهو يشاهد ردود الفعل على جريمته أنّ رصاصات غدره لم تستطع أن تخترق كل رؤوس الأحرار في البلد، بل زاد بجبنه شجاعتهم، وبضعفه عزيمتهم، وبتواريه إصرارهم على استكمال مسيرة الحق والحرية والمواجهة التي لطالما تقدم صفوفها سليم، ولا يزال يسير في ركبها قافلة من الشجعان، كل حرّ فيها “لقمان” آخر.
وعلى خط ثورة 17 تشرين التي كان سليم ناشطاً فاعلاً في حراكها الفكري والنضالي، فقد تداعت مجموعاتها الوازنة أمس إلى عقد اجتماع طارئ حذرت فيه من عودة “ميليشيا الارتهان إلى كمّ الأفواه بالاغتيال”، مناشدةً المجتمع الدولي “حماية اللبنانيين من الإبادة الجماعية التي يتعرضون لها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية والأمنية”. وتوالت ردود الفعل الديبلوماسية والدولية في معرض التنديد بهذا الاغتيال “البربري”، كما وصفته واشنطن على لسان السفيرة الأميركية دوروثي شيا، بينما أعربت باريس عن إدانتها “بأشد الحزم لهذا العمل الشنيع”، مطالبة في بيان للخارجية الفرنسية بكشف الحقيقة، ومشددةً في هذا المجال على أنّ “فرنسا تنتظر من السلطات اللبنانية والمسؤولين اللبنانيين أن يسمحوا للقضاء بأن يعمل بفعالية وبشفافية كاملة من دون تدخل، لأنّ التعددية وحرية التعبير هي من الأنماط الأساسية التي يتمسك بها اللبنانيون وفرنسا تقف إلى جانبهم لصيانتها”.
وكذلك دعت جامعة الدول العربية إلى الإسراع في الكشف عن ملابسات الجريمة ومعاقبة مرتكبيها، محذّرةً من “انزلاق لبنان إلى منعطف خطير وحالة من الانفلات والعودة به الى مسلسل الاغتيالات المشين”. لكن وبموازاة إعلان رئاستي الجمهورية والحكومة عن الإيعاز للقضاء والأجهزة المعنية بإجراء التحقيقات اللازمة في الجريمة، جاءت معظم التعليقات والمواقف السياسية والديبلوماسية لتعرب عن تخوفها من أن يلحق التحقيق في اغتيال لقمان سليم بنمط التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، “الذي بقي بعد ستة أشهر غير حاسم ومن دون محاسبة ومن دون أن يعرف الناس الحقيقة”، كما عبّر المنسق الخاص السابق للأمم المتحدة في بيروت يان كوبيتش.
وفي السياق نفسه، استرعى الانتباه إصدار وزيري الخارجية الفرنسي والأميركي، جان إيف لودريان وأنتوني بلينكن، بياناً مشتركاً أمس عبّرا فيه “بعد مضي ستة أشهر على انفجار 4 آب الذي أودى بمئات الضحايا وتسبب بأضرار كبيرة”، عن دعم فرنسا والولايات المتحدة الكامل “الذي لا لبس فيه للشعب اللبناني”، وقالا: “كما فعلنا منذ الانفجار، بما في ذلك مع الأمم المتحدة وشركائنا والمجتمع المدني اللبناني في مؤتمري الدعم في 9 آب و 2 كانون الأول، ستواصل فرنسا والولايات المتحدة تقديم المساعدة العاجلة للشعب اللبناني، بما في ذلك الصحة والتعليم والإسكان والدعم الغذائي”.
ولفت لودريان وبلينكن إلى أنّ فرنسا والولايات المتحدة تتوقعان “نتائج سريعة في التحقيق في أسباب الانفجار”، مؤكدَين أنّ “نظام العدالة اللبناني يجب أن يعمل بشفافية بعيداً من أي تدخل سياسي”، مع تأكيدهما على “الحاجة الملحة والحيوية لأصحاب المصلحة اللبنانيين، للعمل بشكل نهائي على الالتزامات التي تعهدوا بها لتشكيل حكومة ذات مصداقية وفعالة، وتمهيد الطريق لتنفيذ الإصلاحات اللازمة”.
وكانت “هيومن رايتس ووتش” قد أضاءت في تقريرها لمناسبة مرور ستة أشهر على “الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت” على “تقاعس السلطات اللبنانية عن إحقاق العدالة”، لافتةً إلى أنّ “محاولات الزعماء السياسيين وقف التحقيق تعزز الحاجة إلى تحقيق دولي مستقل”.
وفي مقابل “التدخل السياسي وتعطيل التحقيق” وأمام “عناصر الجريمة العابرة للحدود على ما يبدو، فضلاً عن افتقار فريق التحقيق القضائي إلى القدرة الفنية”، رأت المنظمة الدولية أنّ هناك “ضرورة لإجراء تحقيق دولي، مثل لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة لكشف الحقيقة”، مشددةً في الوقت عينه على وجوب “أن يمرر لبنان على وجه السرعة مشاريع قوانين لضمان استقلالية القضاء وتوافق الإجراءات الجنائية مع المعايير الدولية”.