نديم قطيش/من يحتاج لكلام قاسم قصير؟

113

من يحتاج لكلام قاسم قصير؟
نديم قطيش/أساس ميديا/الأحد 24 كانون الثاني 2021

أعادني الاشتباك السياسي بين بعضٍ من جمهور حزب الله والكاتب الصديق قاسم قصير إلى العام 2003 واشتباك مماثل مع الإعلامي الشيعي نايف كريِّم. يومها كانت “الخاتمية” نسبة إلى الرئيس الإيراني الخامس محمد خاتمي (1997-2005) في أوج تألّقها ووعودها كما في أوج اشتباكها مع التيارات المحافظة السياسية والدينية داخل إيران، وكان كريِّم يشغل منصب مدير عام قناة المنار التابعة لحزب الله، كما كان مسؤول الإعلام المركزي في الحزب.

في إحدى الصحف المحلية، نشر كريِّم مقالاً انتقد فيه المبالغات والأساطير التي تحفّ بإحياء الشعائر الحسينية في عاشوراء، ما ارتدّ عليه عاصفة استنكار وشجب وصلت إلى حد التهديد بتصفيته جسدياً. أما حزب الله، الغالب على موقفه يومها من خاتمي والخاتميين، القدرة السلبية للحرس الثوري من الرئيس الإصلاحي، فأصدر بحق مسؤوله الإعلامي قرارات قاسية دفعته للإستقالة من الحزب.

قاسم قصير، القريب من حزب الله والمستقل عنه تنظيمياً، واجه عاصفة مماثلة، بعد الظهور في مقابلة على شاشة “إن بي إن” التابعة لرئيس المجلس النيابي ورئيس حركة أمل نبيه بري، قدّم خلالها نقداً سياسياً واضحاً لعناوين، ظلّ النقد بشأنها يصدر من خارج حزب الله وبيئته. أعادني الاشتباك السياسي بين بعضٍ من جمهور حزب الله والكاتب الصديق قاسم قصير إلى العام 2003 واشتباك مماثل مع الإعلامي الشيعي نايف كريِّم

1- انتقد المبالغة في الإحتفاء بسنوية الجنرال قاسم سليماني، واعترف بانعكاسات المبالغة السلبية على حزب الله وجمهوره الشيعة عموماً.

2- انتقد الرابط العملاني بين حزب الله وبين “القيادة” الإيرانية داعياً إلى المزيد من اللبننة.

3- اعتبر أنّ احتكار حزب الله للمقاومة يجب أن ينتهي وأنّ الحل باستراتيجية دفاعية.

4- دعا الشيعة إلى أن لا “يكبر رأسهم” وأنّ لبنان لا يحتمل أن تكون خيارات أي جماعة من جماعاته أكبر من من خيارات البلد.

مثل كريِّم، جوبهت أفكار الرجل بخليط من التخوين والتشكيك والرفض والإدانة. وإذا راح “ينوشه من دونه” بحسب عبارة أبي الطيب، ظلّ الحزب على صمته، ولعلّه مارس على قاسم ما يكفي من ضغوط لتعديل موقفه، أو كان الصمت على الأذية هو الضغط نفسه. عبر “واتس أب” جاءت رسالة من قاسم فيها ما يشبه التوضيح من دون التراجع، وفيها الكثير من المرارة التي استوجبت التذكير بسيرته الممتدّة على مدى أربعين عاماً كان فيها في صلب الحراك الثقافي والسياسي الرديف للحالة التي يقودها حزب الله. لم يكن الأمر كافياً على ما سيتّضح. عبر صفحته على موقع “فايسبوك” بدا الرجل مجبراً على نشر تراجع فجّ عن قراءته التي أفصح عنها، مستفيضاً في ما يشبه تلاوة فعل الندامة، على ما قاله، مضموناً وتوقيتاً، ثم ما لبث أن محا ما كتبه.

لم يقبل قاسم أن يكون ضحية جديدة لعرض المهانة المعروف بما قبل السحسوح وما بعده. أمّا “الرجرجة” التي رافقت محاولات التعديل والتوضيح والتراجع ثم التراجع عن التراجع فمردّها، جسامة الموقف لا نقص الشجاعة، وهي نقطة تحسب له لا عليه.

كلام قاسم لامس العميق العميق حول مشكلة البلد مع حزب الله. ولامسه من قلب البيئة نفسها، أي بيئة الولاء والتأييد، لا من خارجها.

لا يحتاج اللبنانيون لأدلّة على دقّة ما ذهب إليه قاسم قصير حول “كبر الرأس” بعد أن عاينوا “غزوات” جمهور حزب الله (وحركة أمل) بغطاء من هتافات “شيعة شيعة شيعة”. ولا بعد أن سمعوا النائب السابق نوّاف الموسوي يصدح تحت قبة البرلمان أنّ “بندقية المقاومة” جاءت بميشال عون رئيساً. ولا بعد أن أنبأهم النائب محمد رعد أنّ بناء لبنان المقاومة انطلق بلا رأيهم وبمعزل عن خياراتهم.

ولا يحتاجون لكلام قاسم قصير عن مخاطر ارتباط حزب الله بالخيارات الأمنية والعسكرية لإيران والأثر المدمر للحروب بالوكالة عليهم. خبروا بلحمهم ودمهم تبعات تحويل لبنان إلى مكتب إسناد للحرب الإيرانية في سوريا حين انفجر المرفأ بهم وببيوتهم وأهلهم، وبات من شبه المؤكد أنّ ما انفجر هي مواد جيءَ بها لدعم المجزرة الأسدية بحق السوريين.
لا يحتاجون لكلام قاسم قصير عن قاسم سليماني وقد شعروا بالإهانة البادئة مع تسمية الشوارع بأسماء من قتلهم، من مسلّة حافظ الأسد إلى زاروب مصطفى بدر الدين وصولاً للحاج قاسم!

اللبنانيون الآخرون سبقوا قاسم قصير إلى سقوف أعلى بكثير تنطوي على رغبة بالطلاق مع حزب الله ومع كل من يبصم على سياساته ودوره.
من يحتاج كلام قاسم قصير هو جمهور الحزب، وحزب الله نفسه. أن يقال له هذا الكلام من موقع الولاء والتأييد والخوف على العاقبة. أن يسمعوا من يقول لهم إنّهم ضعفاء في ذروة إدعاء القوة. أن يقال لهم من لدنهم إنّهم لم يردّوا على مقتل قاسم سليماني وأنّ الرد كان بإهانة اللبنانيين والعراقيين وحتى الإيرانيين بفوائض الاحتفال الفارغة.

كلام يقول لهم إنّ لا مكان للبنانيين إذا انهار لبنان حتى ولو وصل نفوذ حزب الله إلى القطب الشمالي، وأنّ لبنان هُزم بسبب فائض “الانتصارات” خارجه.

من يحتاج كلام قاسم قصير هم من هاجموه وطعنوا في شخصه وكرامته وسيرته.

حين قال كريِّم ما قاله، انتهى به الأمر خارجاً من حزب الله وربما عليه. ثم ما لبث، بعد أكثر من عقد، أن قال نصرالله ما أدين كريِّم لقوله. إعتلى الأمين العام منبر عاشوراء صارخاً في وجه من يسيئون لسيرة الإمام الحسين وكرامة أهل البيت، بعد انتشار مظاهر مقززة لاحتفالات عاشورائية شاذّة في العراق وفي صحون المراقد. لا أشك لحظة، أنّ ما يقوله قاسم قصير اليوم من قلب جمهور حزب الله هو ما سيقوله الحزب لاحقاً، طال الزمان أم قصر.

من هم خارج بيئة حزب الله، لا يحتاجون كلام قاسم قصير، على شجاعته. هذا الكلام برسم البيئة نفسها.

اللبنانيون الآخرون باتوا في مكان آخر.. لا هم يريدون العيش مع حزب الله ولا يريدون العيش في ظلّ النظام الذي يقوده..

هذا في العمق معنى ما انتهت إليه ثورة 17 تشرين 2019 عند طيفها الشبابي الأوسع..