د. توفيق هندي: تضييع البوصلة بطرح مشكلة النظام

41

تضييع البوصلة بطرح مشكلة النظام.
د. توفيق هندي/16 كانون الثاني/2021

يسود الساحة اللبنانية كلام كثير حول مشكلة النظام وضرورة تغييره. منهم من يتحدث عن ضرورة تغيير إتفاق الطائف ومنهم من يتمسك به ومنهم يعتبر أن الوضع الذي وصلنا إليه هو نتيجة “النظام الطائفي البغيض” ومنهم من يتخوف من ضرب المناصفة ومنهم من يعتبر أن البعض يريد مؤتمر تأسيسي للذهاب إلى المثالثة لإرضاء حزب الله بهدف جني الأرباح السلطوية، ومنهم من يرى بعض القوى الدولية تهدف إلى تسويات حول النظام اللبناني خدمة لمصالحها ومنهم من يتخوفون على المسيحيين ويعتبرون أن الوضع أصبح يشبه وض ال 75 من القرن الماضي ويطالبون أن تتوحد الأحزاب المسيحية على “علاتها” لمواجهة “الخطر الوجودي” ومنهم من يريد من الإستفادة من الظرف لطرح “مشروع الفيديرالية”… وتختلط هذه الهدفيات وتتناقض في رقصة لا تفيد إلا حزب الله والطبقة السياسية المارقة بمكوناتها كافة التي ترزح تحت سطوته، ولو بأشكال متباينة.

إن هذه المقدمة تستدعي الملاحظات التالية:
1) إن الإحتلالات التي تتالت على لبنان من فلسطينية وإسرائيلية وسورية وأخيرا” إيرانية (بواجهة “لبنانية”، أعني حزب الله) مارست سلطتها وتسلطها على لبنان في ظل الجمهورية الأولى كما في ظل الجمهورية الثانية من بعدها وأبقى على مؤسسات الدولة بالشكل وأخضعها لمشيئته بالفعل. و”الجمهورية الثالثة” إن تحققت، وهي لن تتحقق، لن تغير قيد أنملة بحقيقة الإحتلال الإيراني الحاضر تقدما” أو تراجعا” مما هو عليه.

2) إن لبنان لم يشهد بتاريخه الحديث وضعا” كارثيا” كما يشهده اليوم في المجالات كافة وعلى المستويات كافة وسرعة الإنهيار المؤدي إلى جهنه كبيرة جدا”. ولبنان الكيان والدولة قد لا يكون له الإمكانية من الموت السرير الذي وصل إليه وقد يتحول إلى أرض محروقة تستخدمها الأمبراطورية الخمينية قاعدة إنطلاق لمشروعها الجهادي الكوني.

3) ثمة مشكلتان أساسيتان أوصلتا لبنان إلى الحضيض: الإحتلال الإيراني (حزب الله جزء لا يتجزء من الجمهورية الإسلامية في إيران) والطبقة السياسية المارقة التي تخدمه، ولو بأشكال متباينة، وهو يتكامل معها ويحميها من غضب الشعب والثوار.

4) المشكلة الرئيسية في هذه المرحلة هي مع الإحتلال ويجب التعامل مع الطبقة السياسية على أساس أن التناقض مهها هو أساسي ولكنه ثانوي في المرحلة الراهنة، مما يحتم التركيز على مناهضة الإحتلال ولكن دون التقارب من بعض مكونات الطبقة السياسية حتى لو إتخذت بعض المواقف المتقاطعة مع بعض طروحات قوى الثورة. والسؤال هنا: ما نفع التخلص من الإحتلال إن عادت هذه الطبقة المارقة المسؤولة عن خراب لبنان إلى التسلط على العباد؟؟؟!!! فمن جرّب المجرب يكون عقله محرب!

5) من نافل القول أن الطروحات الدائرة حول تغيير النظام تشكل ملهات عن المشكلة الرئيسية والأساسية، أي الإحتلال، فتفيده كما تفيد الطبقة السياسية المارقة حيث تنفي مسؤوليتها عن تدهور الوضع في لبنان وتضعه في خانة مشكلة نظام وتسمح لبعضها التسلل إلى صفوف الثوار.

6) إن أي إتفاق خاضع لموازين القوى. إن المكون الرئيسي لميزان القوى هو المكون العسكري-الأمني. لذا، أي نظام جديد ينتج عن مؤتمر تأسيسي أو ما يشابهه سوف يكون لصالح حزب الله وأتباعه من الطبقة السياسية المارقة.

7) حذار من المس بإتفاق الطائف تعديلا” أو تغييرا” قبل زوال الإحتلال وعودة الدولة بكامل مواصفاتها.

8) إن سرعة الإنهيار تتعدى بزمان أي محاولة لتغيير الوضع من خلال المسارات الدستورية أم أي إستراتيجيات تغيير متوسطة أو طويلة الأمد.

9) لا قدرة لبنانيا” تحت هذه السلطة الرعناء بمعالجة الأوضاع الإقتصادية والمالية والبيئية والإجتماعية والمعيشية والإنسانية…

10) لا إمكانية لإعادة إنتاج السلطة من خلال المسارات والآليات الدستورية في ظل ضغط السلاح وإمساك حزب الله بمفاصل الدولة كافة وبتواطؤ الطبقة السياسية.

11) لا قدرة لقوى الثورة أن تحدث التغيير بالسرعة المطلوبة حتى لو توحدت صفا” وبرنامجا” ونزلت إلى الشارع بمظاهرات مليونية. فعند الحاجة، تقمع مسيرتها بالقوة كما هو الحال في إيران.
لذا لبنان ذاهب إلى الصوملة الكاملة والنهائية، مما سوف يحوله إلى قنبلة موقوتة تهدد الأمن والإستقرار والسلام الدولي والإقليمي: الطرف الوحيد الذي سيزداد قوة” وفعالية” هو حزب الله في بحر من الفوضى بالإضافة إلى إمكانية كبيرة لتطور دراماتيكي خطير لوضع النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، من حيث إختراقهم من قوى إسلامية متطرفة أم من حيث هجرتهم غير الشرعية إلى أوروبا بالإضافة إلى بعض اللبنانيين.

فمن الواضح أن اللبنانيين بات لا قدرة لهم على حكم أنفسهم بأنفسهم وقد تتقاطع المصالح الدولية على قاعدة المخاطر الناجمة عن الوضع في لبنان على ضرورة تدويل وضعه.

فالحل الوحيد هو بالعمل على تدويل الوضع اللبناني (وبالطبع ليست السلطة المارقة القابضة على مقاليد ما تبقى من الدولة من سوف يطالب بالتدويل). كيف إذن؟ عبر:
1- وضع القرارين 1559 و 1701 تحت الفصل السابع.

2- وضع لبنان تحت الإنتداب الدولي وفق الفصل 12 و 13 من شرعة الأمم المتحدة أو مقاربة وضعه تحت الإنتداب من باب وحشية السلطة تجاه الشعب اللبناني وإخلال الدولة بواجباتها تجاه شعبها بضربها عرض الحائط شرعة حقوق الإنسان.

3- تشكيل سلطة عسكرية-مدنية مؤقتة تعمل تحت إشراف ورقابة الإنتداب الدولي، تعلق الدستور وتقتلع رواسب محاصصات الطبقة السياسية المارقة من مؤسسات الدولة كافة. وتضع قانون إنتخابات كما تعمل على تثبية حياد لبنان الناشط داخليا” ودوليا”. ولأن آفات المجتمع اللبناني بنيوية ولا تتعلق فقط ب”آدمية” الأفراد، فإن الرقابة الدوليةعلى السلطة المؤقتة تحول دون إنتقال عدوى الفساد والمحاصصة إلى أعضائها.
بعد إتمام السلطة المؤقتة ما عليها، يعاد العمل بالدستور بداء” بإجراء إنتخابات نيابية، فإنتخاب رئيس المجلس النيابي ومكتبه، فإنتخاب رئيس الجمهورية وصولا” إلى تشكيل حكومة جديدة. فيرفع الإنتداب.
هكذا، يستعيد الشعب اللبناني الثقة بدولته كما يستعيد المجتمع الدولي والعربي والإنتشار اللبناني ثقته بالدولة اللبنانية، مما يمهد لتعاف سريع للبنان إقتصاديا”، ماليا”، مجتمعيا”، ثقافيا”،…

قد يعتبر البعض أن سلوك خارطة الطريق هذه ضربا” من الخيال وأن هذه الخارطة صعبة التنفيذ أو حتى مستحيلة. ولكن هذا لا يثنيني عن الإعتقاد أن هذه الخارطة هي الوحيدة التي توصل إلى خلاص لبنان الكيان والدولة وأن عدم إعتمادها يوصل دون شك إلى زواله.