يوسف بزي/الذي أتى بنترات الأمونيوم.. جميعنا يعرفه

210

الذي أتى بنترات الأمونيوم.. جميعنا يعرفه
يوسف بزي/المدن/15كانون الثاني/2021

عادت قضية تفجير مرفأ بيروت إلى دائرة الضوء، قضائياً وإعلامياً.. وسياسياً. ومن الواضح أن جبل الألغاز الذي يحيط بالانفجار ومادته (نترات الأمونيوم) يقول لنا أن “مؤامرة” متعددة الأطراف، شديدة التعقيد وكثيرة الخيوط، تقف وراء تلك الكارثة. لا في سبب الانفجار وكيفية حدوثه وحسب، بل في الغاية من استيراد نترات الأمونيوم وكيفية جلبها وعملية تخزينها ووجهة استعمالها وسبل إخراج دفعات منها نحو جهة مجهولة (!)، هي بالتأكيد جهة تصنع متفجرات على نطاق واسع.

لا يجوز القفز إلى استنتاجات متسرعة استجابة لميولنا السياسية. لكن ليس تاجر ألبسة مثلاً من يستورد مئات أطنان نيترات الأمونيوم من النوعية العسكرية، ويضعها لسنوات مديدة في واحد من أكبر عنابر مرفأ بيروت. وبالتأكيد، من الصعب على حزب لبناني كـ”الكتلة الوطنية” أن يتمكن من هكذا عمل ضخم، بشرياً ولوجيستياً ومادياً. والأصعب أن تتمكن “خلية إرهابية” سرية من حيازة نفوذ أمني وسياسي وإداري يخولها تخزين ما يوازي عشرات آلاف العبوات الناسفة، في قلب مرفق رئيسي، تتشارك في إدارته وزارات وأجهزة أمنية متعددة، ويتغلغل فيه نفوذ أحزاب وحركات وتيارات حاكمة وشريكة في السلطة. وربما من المستحيل على صاحب البضاعة، مهما كان، أن يطمئن إلى بقائها في مكانها كل هذا الوقت، ويأخذ منها ما يشاء، ساعة يشاء، وهي بضاعة بالغة الخطورة والشبهة، لو لم يكن لديه القدرة والضمانات الكافية لحمايتها والحفاظ على سريتها.

البداهة والمنطق يقولان أنه من المستحيل وجود مئات أطنان الأمونيوم من النوع العسكري لا الزراعي في مرفأ بيروت.. هكذا بالصدفة القدرية، لا صاحب لها. وتتأكد تلك الاستحالة مع حقيقة أن كمية ضخمة منها تم سحبها على دفعات (بالأطنان)، محملة بشاحنات، غادرت المرفأ بأمان.
ثم أن طبقات الغموض المتعمد، والأساليب الملتوية البالغة الاحتراف في التغطية والتمويه، في كيفية طلبها وتوضيبها وشحنها ووصولها إلى بيروت، وتواري كل من يمت بصلة بهذه الشحنة وأصحابها، وأصحاب السفينة، ومن كان يحرسها ويسهر على بقائها، لأكثر من سبع سنوات، في واحد من أهم عنابر المرفأ وأكبرها، ومحو آثار كل من له علاقة بوجودها.. هي كلها عملية أشد تعقيداً من عمليات الاغتيال الكبرى أو تبييض الأموال أو تهريب المخدرات، وتتسق مع نمط من أعمال المخابرات العسكرية الرفيعة المستوى.

البداهة تقول، وفق الحقائق المتكشفة تباعاً، أن لبنان الذي يقع عند تقاطع حروب وصراعات إقليمية، لا بد أنه يشكل “قاعدة خلفية” للإمداد، أكان ذلك في المحروقات أو المواد الغذائية الأساسية كالطحين، أو العملة الصعبة كالدولار، أو لتهريب بعض المواد الحساسة، أو حتى لعمليات “بريئة” كالسفر المدني أو جلب المساعدات الدولية الإغاثية.. أو استيراد نترات الأمونيوم. ويتوفر كل ذلك، خصوصاً إن وُجد طرف لبناني قوي كفاية لتأمين هذا الإمداد كله.

من يتابع سير التحقيق وتعثره، والخطب السياسية التي تحاول التأثير على وجهته (مثلاً، اتهام الجيش اللبناني فجأة بأنه لم يتصرف كما يجب، أو أنه يخفي الحقيقة!)، والتسريبات والاستقصاءات الإعلامية التي تبرهن على الاحتراف الرفيع للذي دبّر استيراد المواد المتفجرة.. يمكن له الاستنتاج -بغض النظر عن سبب التفجير- أن من أتى بنترات الأمونيوم أرادها في مرفأ بيروت تحديداً لا في مكان آخر. وهي تشكل حاجة عسكرية ضرورية له.
والاستنتاج الآخر الأكثر خطورة، أن السلطات اللبنانية السياسية والعسكرية كانت حسب اعترافاتها على علم ودراية بوجود كل هذه الكمية من المواد الممنوعة قانوناً، وإن “قوة قاهرة” منعتها على الدوام من التصرف إزائها. وتمنعها اليوم من البوح بالحقيقة، لا خوفاً فقط، بل إخفاء لتورط أطراف كثيرة من هذه السلطات بالجريمة، تسهيلاً وتغاضياً وتغطية. أما تلك “القوة القاهرة”.. فلا نحتاج لتسميتها. أليس كذلك؟