الكولونيل شربل بركات/خليل آغا خريش

35

خليل آغا خريش
الكولونيل شربل بركات/13 كانون الثاني/2021

سكن عبدالله الطويل عين إبل في بداية القرن السابع عشر ورزق بولد ذكر سمي جريس، قد يكون هو ما تبقى له من أولاده الذين توفوا صغارا أو عند الولادة، وقد يكون عنده بنات ولكننا لا نعرف أيضا ممن تزوجن. ولكن ابنه جريس المذكور هو الذي تحول معه اسم العائلة إلى خريش بعد الحادثة التي كان يرويها المرحوم أيوب خريش “أبو المطران” والتي تفسر سبب اتخذ جريس لقب خريش حتى أصبح فيما بعد كنية العائلة كلها لا بل اسمها. وقد روينا هذه الحادثة سابقا وهي حادثة “العتريسي” الذي قتله جريس في خراج عين إبل. وهذا العبد الذي بقي يرافق ذاكرة القرية حتى أيامنا ويسمى “عبد الطيري” كان من سلالة آل سودون المصرية، كما يبدو، أو ممن تبقى من رجالهم. وسودون هو الوحيد من المماليك الجراكسة الذي استبقاه السلطان سليم العثماني حيا بعد احتلاله مصر، بحسب الرواية التي نقلها محمد جابر آل صفا في كتابه تاريخ جبل عامل، وقد تحكمت ذريته بهذه المنطقة إلى أن أنهى سيطرتهم الشيخ حسين الصغيري الذي عاصر الأمير فخر الدين الثاني المعني، كما يذكر الكاتب، وهي المرحلة التي نتكلم عنها. وكان جريس الطويل هرب خوفا من الانتقام والتجأ إلى عرب الشعب المعروفين بالخريسات. وبعد الصلحة، التي تم خلالها دفع الفدية وشارك هؤلاء فيها بمبلغ من المال اعتبر جريس احدهم فصار يحق له أن ” يأكل بالدم ويدفع بالدم “.

جريس خريش هذا خلف ثلاثة أولاد هم عبدالله وحنا ويوسف. أما عبدالله فقد خلف أيوب ويوسف وحنا وأيوب هو جد فرع بيت ايوب وبيت حنا الياس. أما حنا فهو جد فرع بيت الحاج يعني مسعود الحاج وأولاده. وأما يوسف فقد رزق بخمسة أولاد ذكور وهم جريس وابراهيم وخليل وجبران وعبدالله. وجريس هو الذي تصل شجرة أحفاده إلى شربل الذي كان والده قد هاجر إلى الولايات المتحدة ثم عاد واستقر في دكار – السنغال وأولاد عمه موجودين في الأرجنتين، أما ابراهيم فقد خلف يعقوب الذي توفي بدون عقب، والأبن الثالث خليل هو موضوع بحثنا، بينما الرابع هو جبران الذي كان يعتبر من القبضايات، وقد ذكر المرحوم جدي بركات في سجله عن تاريخ العائلات العينبلية بأنه قتل ثلاثة رجال حاولوا الاعتداء عليه، وهذه الحادثة يذكرها صديقنا يوسف توفيق خريش (الشماس)، حيث يقول بأن عبدالله ابن بولس ابن جبران هذا، أخبره قبل وفاته في الأرجنتين، بأن جده جبران كان التجأ لشقيقه الآغا في صور بعد الحادثة خوفا من العقاب، وبأن خليل تمكن من تبرأته في المحكمة. أما الأخ الأصغر عبدالله فهو جد بيت بطرس حنا عبدالله.

خليل خريش الذي حمل لقب آغا في العصر العثماني ولد في أواخر الربع الأول من القرن التاسع عشر وهو يتحدر من عائلة خريش التي سبقه منها في عين إبل أربعة جدود على الأقل وقد تابع تعليمه بمدرسة الفرنسيسكان في القدس وهذه نقطة مهمة للبحث كونه في الفترة التي سبقتها كان ابناء عين إبل يرسلون أولادهم للتعلم خارج البلدة في مدارس لبنان وخاصة في مدرسة عين ورقة التي أصبحت “مدرسة عامة للطائفة المارونية” في عام 1789 وحلت محل “المدرسة المارونية في روما” وأغلب خريجيها ارتسموا كهنة. وقد تعلم فيها من ابناء عين إبل منذ بداية تأسيسها، أولاد الخوري يوسف دياب أي الخوري ابراهيم والخوري بطرس وخليل الذي رسم على اسم ابيه الخوري يوسف وأيضا الخوري موسى صادر، وهؤلاء تخرجوا قبل تاريخ مولد خليل خريش المذكور. وقد انفرد خليل بالتوجه جنوبا إلى القدس لينال قسطه من التعليم على يد رهبان الفرنسيسكان، وهي ميزة في ذلك العصر أعطته شيئا من الانفتاح بدون شك على المحيط خارج لبنان. وقد يكون ذلك سببا آخر ساهم في اعطائه هذا الدور في الادارة العثمانية خاصة بعد قيام المتصرفية في جبل لبنان. فقد كان لبنان شهد تطورات كبيرة في النصف الأول للقرن التاسع عشر مع الهجوم المصري الذي سانده الأمير بشير الشهابي حاكم جبل لبنان والذي أدى إلى احتلال الجيش المصري لكامل سوريا وكيليكية وتوقفه عند جبال طوروس. ومن ثم وبعد انسحابه حصلت أحداث 1840 الدموية في جبل لبنان والتي قد تكون سبب عدم توجه خليل إلى مدارس لبنان لمتابعة تعليمه (الوضع الأمني؟)، ما اضطره إلى التوجه جنوبا إلى القدس ومتابعة تحصيله العلمي عند رهبان الفرنسيسكان.

عين خليل بعد تخرجه، على ما يبدو، كعضو في المحكمة البدائية والمحكمة التجارية في صور، واللتين كان يتراسهما النائب عبد الملك أفندي ، كونه من المتعلمين القلائل خارج رجال الدين في تلك الفترة. وقد كان العثمانيون يريدون اعطاء دور للمسيحيين خارج جبل لبنان لاسترضاء الأوروبيين والظهور بمظهر الدولة الحديثة التي لا تمييز بين مواطنيها، خاصة بعد ضغط هؤلاء على ابراهيم باشا لسحب جيوشه والعودة إلى مصر. وفي حين كانت “الدولة العلية” قد سعت جاهدة لاظهار جبل لبنان كمركز للصراعات الطائفية. وقد يكون لدور العينبليين بالتجارة بين حوران وصور علاقة أيضا بهذا التعيين. فقد كانت قوافل الجمال المنطلقة في تلك الفترة وما قبلها بين حوران وصفد وعكا وصور تعتبر عين إبل قاعدتها، ما جعل ابناء البلدة يملكون قافلة من مئة جمل معدة للنقل بين هذه المدن خلال القرن التاسع عشر. وقد استمرت هذه الحركة حتى مطلع القرن العشرين وبداية الحرب العالمية الأولى التي أدت إلى توقف كل شيء. وكان خليل يسكن في صور ويعود إلى عين إبل في نهاية الأسبوع. وقد بنى بيته فيها سنة 1879 وكانت له علاقات صداقة بسبب وظيفته واقامته في صور بكل العائلات المنظورة في المدينة والتي شهدت في الفترة التي نتكلم عنها حركة تجارية ناشطة، خاصة ما بعد وفاة الجزار، من خلال السفن الأوروبية التي كانت تزور الميناء فتبيع بعض المنتجات الأوروبية وتشتري الحبوب وفي طليعتها القمح قبل أن يدخل البخار إلى السفن التجارية العابرة للمحيط وتصبح المنتجات الأميركية من هذه المادة هي ما يغزو أسواق أوروبا. وكان دور عين إبل في هذه المرحلة قد برز مجددا، كما قلنا، كقاعدة مهمة للانتاج والنقل من حوران إلى مدن الساحل وبالاتجاه المعاكس عدى عن منتجات البلدة الزراعية ومحيطها، خاصة من الحبوب، والتي تزيد عن حاجة السوق المحلي.

كانت لخليل علاقة خاصة بالمطران عبدالله البستاني مطران صيدا كونه أحد ابناء الطائفة المنظورين في المنطقة. وقد استمرت فيما بعد مع ابنه يوسف، الذي ورث لقب الشماس من والده، خاصة بعد انشاء مطرانية صور والأراضي المقدسة وتعيين المطران شكرالله الخوري عليها، حيث ساهمت عين إبل، كما العديد من موارنة المنطقة، بتغزية واردات وقف هذه المطرانية الناشئة، ومنهم بشكل خاص الميثورين من عائلة الخوري من بكاسين، من أقارب المطران الجديد، والذين ساهموا بوقفيات كبيرة من الأراضي في المنطقة أو مناطق أخرى من الأبرشية الجديدة، خاصة في حيفا ويافا. وكانت الحصة التي ساهمت بها عين إبل كوقفية لمساندة مصاريف المطرانية كناية عن كرم زيتون من أرض البلدة، وهي المعروفة بالجودة المميزة لزيتها، لا يزال يعرف “بزيتون المطران”. وقد تابع يوسف ابن خليل آغا المعروف بالشماس، على ما يبدو، علاقاته بالمطرانية وتسلّم الاشراف على أمور هذه الوقفية، حتى أنه بنى معصرة للزيتون فيما بعد قرب بيته في البلدة كانت تقوم بشكل اساسي بالعمل بانتاج هذا الكرم ومن ثم كان للمطرانية حصة الربع من اجرة العصر التي تتم للزبائن.

وكان الآغا خليل أضاف إلى بيته غرفة خاصة اعتبرها مضافة كان يستعملها أحيانا المطران البستاني ومن خلفه كونها مستقلة عن البيت وبعيدة عن ساحة القرية.