الكولونيل شربل بركات/الأستاذ بطرس نقولا بركات دياب

75

الأستاذ بطرس نقولا بركات دياب
الكولونيل شربل بركات/08 كانون الثاني/2021

عرفناه صغارا في عين إبل، معلما في المدرسة، رصينا ومتفهما في نفس الوقت. لم يكن بقساوة المعلم يوسف، ولكنه كان جديرا بالاحترام مركّزا على مهمته، ليس فقط بتعليم البرنامج الدراسي، ولكن ايضا بمتابعة الاخلاق والتصرف الحسن. وكان الاستاذ بطرس شماس الكنيسة الذي لا يفوته أي احتفال، ولو لم يكن صوته يضاهي صوت جدي بركات، الذي لم يصح لنا أن نرافقه وهو يرتل، ولا صوت الوالد الذي ورث، على ما يبدو، خدمة قداس الأحد كما الاهتمام بشؤون الناس ومتابعة مشاكلهم وتطلعاتهم يوم اضطر أن يقبل بدور المختار. ولكن الاستاذ بطرس كان يحضر جميع الاحتفالات الكنسية، ويقوم دائما بدور الشماس، ويعرف كل التراتيل نصوصا وألحانا بالعربية والسريانية، ويقرأ في اسبوع الآلام مع الكهنة على القراية وفي الجنانيز التي كانت كل صلواتها عادة بالسريانية، ربما لاضافة ذلك الشعور برهبة الموت واستمرارية الطقوس التي ترافقه منذ بدء البشرية. وكان اهتمامه والتزامه بأخوية الرجال شيء مميز لم نشعر بأهميته إلا يوم لم يعد له من الهمة على ممارسة كل هذه الطقوس، فغابت معه نشاطات أخوية الرجال وابتعد هؤلاء شيئا فشيئا عن الالتزامات الكنسية فيما عدا قداس الأحد.

بطرس ابن نقولا ابن حنا بركات من عائلة دياب في عين إبل، ووالد المونسينيور ايلي الذي رافق الرعية قرابة الخمسين سنة، هو إذا أحد الأعلام العينبلية التي عملت بكل جهد لرفع شأن البلدة بدون أن تكون تحت الأضواء. هو الأبن الذكر الثاني لنقولا بركات الذي كان ثبّت خلال حياته نظام الحماية، ولاحق قضايا الخلافات، وحافظ على هيبة البلدة وحقوقها طيلة حياته. وبطرس من الرعيل الذي ولد قبل بداية القرن العشرين بسنتين ورحل قبل نهايته بأربع سنوات، وقد عايش الأتراك والفرنسيين ولبنان الحلم، بما فيها الحربين العالميتين والاستقلال وأحداث فلسطين مع كافة مآسيها، ومن ثم ثورة 1958 وما رافقها من عهود الاستقرار والازدهار التي تلت، وأخيرا أحداث 1975 وما بعدها. وقد تابع عن قرب كل التحركات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تخللت هذه السنوات.

كان بطرس ابن 14 سنة يوم التحق بالمدرسة اليسوعية في بيروت وفي نيته أن يصبح كاهنا، ولكن في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الأولى زاد الأتراك من الطلب على التجنيد، ولم يقدر الآباء اليسوعيين على حماية تلامذتهم، ما جعله يهرب ويعود إلى عين إبل ليرافق الفرار فيها. وكان والده الذي تجاوز الخمسين من العمر يومها، وبالتالي لم يكن مطلوبا للخدمة، يرافق الفرار في كثير من الأحيان ليطمئن عن أحوالهم وحسن تصرفهم وعدم الزعر الزائد الذي يؤدي إلى فضح مواقعهم واقتيادهم بالقوة وافراغ البلدة من شبابها . وكان هؤلاء قد لجأوا إلى البراري حيث يمضون النهار بعيدا عن الأعين ويتسللون ليلا للاطمئنان على الصغار والتزود بما أمكن من طعام لتمضية نهارهم في مخابئهم في الأحراش المجاورة. ولنا من خبرية قيصر صقر وذلك الجندي التركي أفضل مثال على تصرف هؤلاء الفارين من التجنيد؛ فقد نهره الجندي التركي الذي كان وحيدا على فرسه على طريق عين الحرية ولم يلتفت قيصر الذي كان يعلّق بندقية الصيد بكتفه حتى أصبح الجندي على مسافة يستطيع فيها أن يمسكه، فاستدار فجأة وأوقعه عن فرسه واضعا بندقيته في صدره، وقال له أهرب قبل أن أرديك، ثم رمى بندقية الجندي صوب الوادي واختفى بعيدا في الأحراش. فما كان من ذلك التركي إلا الفرار بحياته خوفا وبدون أن يحاول التفتيش عن بندقيته، وهذا مثل بسيط عن تصرف هؤلاء الفارين من وجه الأتراك في تلك الفترة.

بعد نهاية الحرب أنشأ بطرس مدرسة داخلية على غرار المدرسة التي تعلم فيها، وقد استأجر بيت بطرس فاعور حيث كان التلامذة يمضون كامل النهار ويتناولون وقعتي الفطور والغداء وحتى العصرونية وفي المساء كان بعضهم يعود مع أهاليه إلى البيت للنوم بينما يبقى القليلين الذين ينامون في المدرسة. وكان هدفه من تلك المدرسة أن يعلّم النشئ، ليس فقط القراءة والكتابة والحساب، بل اللغة الأجنبية ليمارسوها كلاما بين بعضهم خلال النهار، كما أراد أن يعلمهم التهذيب وكيفية التصرف بشكل لائق ومحترم. وقد كان سبقه إلى فتح المدرسة ابن عمه بركات وحنا صقر، اللذان كانا فتحا مدرسة قبل الحرب تعلم فيها الكثيرين من أبناء البلدة، ولكن مع تغيّر الأحوال أثناء الحرب اضطرا إلى اغلاقها. وبعد ذلك تسلّم بركات مهام المخترة ولم يعد بقادر أن يستمر بهذه المهمة، من هنا أراد بطرس أن يكمل ما بدأه بركات وحنا ولكن بطريقة أكثر تطورا. ولكن أحداث 1920 وتهجير البلدة ألغت المشروع، فقد فقدت عين إبل في هذه الكارثة الكثير من مقومات الحياة فيها، إضافة إلى الشهداء الذين سقطوا، وكل آمال الماضي وتطلعات الأجيال. من هنا صمم بطرس أن يدخل إلى معترك الحياة من الباب الآخر وهو بناء العائلة. فتزوج من ابنة عمه وردة سنة 1923 ورزق أول ولد، الفونس سنة 1924.

في بداية الثلاثينات، تسلّم مع ابن عمه جريس بركات المدعو قيصر الأشراف على تنفيذ أعمال بناء المسبح العسكري ما يسمى Bain Militaire على الروشة في بيروت، وكانت مهمته وقيصر هي “فورمان” على الشغيلة حيث يشرفان على التنفيذ الصحيح لتفاصيل الخرائط وتعليمات المهندسين. وفي تلك الفترة حاول المتعهد أن يقنعه بشراء قطعة أرض ملاصقة للمسبح فلم يقبل ورد قائلا: “شو بدها تنفعني كلها رمل وصخور بحقها بشتري أرض بعين إبل فيها زيتون وعنب”.

وكان بطرس في اثناء عمله ببناء المسبح العسكري يسكن وابن عمه قيصر في محلة التباريس ويستعملون الطنبور للوصول إلى عملهم والعودة صباحا ومساءً. في تلك الفترة شاهد بطرس هبوط أول لطائرة ركاب في لبنان وقد هبطت في محلة الكرنتينا – الدورة. وبعد أن أنهى عمله في بناء المسبح وقبل أن ينتقل إلى ورشة أخرى فتح اليسوعيون مدرسة في عين إبل وطلبوا منه أن يعلّم عندهم، فعاد إلى البلدة وإلى مجال التعليم. ولكن خلافا حصل بين والده والأب اليسوعيPellissier أدى إلى تركه التدريس مع اليسوعيين في عين إبل فذهب يعلم في جزين في سنوات 1935 – 1936 حيث اصطحب معه ولده الفونس ليتعلم في المدرسة التي يعلم فيها.

ثم تعيّن في ادارة البريد في بيروت ومن ثم نقل بحسب طلبه إلى صيدا، وبعدها اصبح مدير البريد في صور، ما سهّل عليه الوصول إلى عين إبل في نهاية الأسبوع ليجتمع مع العائلة. ولكن المفتش في دائرة البريد لم يقبل بوصوله متأخرا في إحدى المرات، يوم الأثنين، فأنّبه على ذلك. وعندما شرح له بطرس الوضع، كان جواب هذا المسؤول: “لا تذهب إلى عين إبل إذا كنت ستتأخر”، ما لم يرضاه بطرس واعتبره تشاوفا وغطرسة وعدم تفهم في غير محله. فقدّم استقالته وعاد إلى البلدة حيث عمل وأخوته في مجال صناعة السجائر. وقد كانوا يزرعون الدخان ويبيعونه إلى تجار يأخذونه إلى الشام وبيروت. ولكن كانت لبطرس فكرة رائدة وهي أن يصنع في عين إبل مع اخوته سجائر يلفونها بشكل دقيق ويوضبونها في علب وتباع كعلب سكائر محلية، مثل تلك العلب الفرنسية التي كان رآها في بيروت. وقد نجحت الفكرة وعملوا بها لعدة سنوات وكان سوقهم الأساسي فلسطين، وخاصة حيفا حيث كان للعينبليين عدة محلات يباع فيها تقريبا كل شيء. وكان بطرس يهتم بمراسلة أماكن في فرنسا يتعلم منها ويشتري أحيانا بشكل مباشر وتنقل له البضائع بواسطة البريد. ومن هذه البضائع، اسلحة الصيد من سانت اتيان، وشتول زراعية، خاصة العنب على أنواعه، فقد كان اباه نصب كرما في ضهر العاصي عُرف بالكرم الفرنسي لأن بطرس استقدم النصوب من مونبولييه في فرنسا. وكان يشتري أحيانا الأدوية وأدوات الخياطة وحتى التفصيل للقمصان والجاكيتات والفساتين، والتي كان يطلبها مباشرة من ليون ومرسيليا وغيرها. ثم عمل مع المهندس الذي كلف بشق طريق الناقورة – بنت جبيل، وكان له الأثر الكبير بتوجيه أبناء البلدة واقناع المهندس ورؤسائه لتمر الطريق بين بنت جبيل ورميش في عين إبل، ولو اضطر الأهالي لفتحها على نفقتهم، لأنها ستضع البلدة على الطريق الرئيسي، ما يسهم في تقدمها. ومن ثم، وعندما انشئت الريجي كإدارة لحصر التبغ والتنباك، عمل فيها كمراسل وكان يخدم منطقة تبنين وحاريص، وفي تنقلاته اليومية كان يستعمل الحمار أو الحصان وأحيانا السير على الأقدام ليصل إلى عمله من عين إبل، وقد عمل لمدة أربع سنوات تقريبا. في تلك المدة كان الأب Pellissier قد رحل عن عين إبل وجاء بادري جديد طلب إليه أن يعلم في المدرسة فقبل وعاد إلى التعليم.

كان بطرس قد اعتُمد ككاتب للبلدية منذ أن كُلف المختار بركات بمهام البلدية سنة 1939 اضافة إلى المخترة، وقبل أن يحق لعين إبل رسميا ببلدية. وكانت كل الخدمات البلدية أعطيت للمختار بمساعدة أعضاء المخترة. وكانت غرفة البلدية في بيت الحوراني تحت بيت سعيد بشارة عتمه. وبما أن بطرس كان يعرف كل أمور المراسلات القانونية، تسلّم أمانة السر أو ما كان يعرف بكاتب البلدية، ولكنه لم يكن فقط يهتم بأمور البلدية بل ايضا بكل معاملات الناس، فكان بمثابة كاتب عدل يصوغ كافة الاتفاقات والتواكيل أو البيع والشراء وما إلى هنالك. وكان كل من له اي قضية يذهب للمختار فإذا كانت تتطلب نص قانوني كان يرسله إلى الاستاذ بطرس ليكتب له الحجة القانونية، ثم يأخذها للمختار الذي يوافق عليها ويوقعها. وبقي يمارس هذه المهمة بعدما اصبحت البلدية مستقلة عن المخترة ولها أعضاء ورئيس منتخبون ومقر رسمي آخر، أي بعد 1952 وحتى استقال بسبب العمر خلال سنوات الحرب.

بقي بطرس يعلم في المدرسة منذ أن عينه ذلك البادري معلم فيها. وعندما تسلّم ادارة المدرسة الأب يوسف فرح كان بطرس أحد أركانها واساتذتها. ولما توفي الخوري يوسف ولم يكن الخوري مارون صادر قد قدم بعد إلى عين إبل، تسلّم بطرس ادارة المدرسة وأكمل سيرها حتى جاء الخوري مارون وبدأ يمارس أعمال الادارة فيها، ولم يترك التعليم إلا بعد أن أصبح فوق الخامسة والستين وبعد عدة بسنوات كان فيها تحت ادارة ابنه الخوري إيلي، الذي كان ارسله إلى غزير حيث تعلم وأكمل حلم ابيه بأن يصبح كاهنا بعد انهاء دراسته في الجامعة اليسوعية. وقد أصبح هو مدير المدرسة في عين إبل وانتقل الخوري مارون صادر ليتسلم مهام نائب المطران في صور. وقد كان للخوري إيلي مشاريع لتطوير المدرسة باضافة قسم ثانوي، وقد ساعده اليسوعيون على انضمام عدد من المعلمين من خارج عين إبل إلى المدرسة كان منهم الأب ابراهيم جلوان والأب غوش والأب خليل النداف ومعلمين آخرين من صور وغيرها. فنظّم المدرسة بطريقة عصرية، وكان لا بد له من الاستغناء عن خدمات الاستاذ بطرس كونه قد تجاوز سن التقاعد. وقد بقي الاستاذ بطرس يمارس مهمة كاتب البلدية والمسؤول عن ميزانيتها وقطع الحساب وكافة المراسلات مع الوزارات المختصة وأمور الجباية ومعاشات الموظفين فيها إلى ما هنالك حتى سنين الحرب حيث توقفت أعمالها القانونية فاختار أن يفسح المجال لغيره.

كان الاستاذ بطرس محبوبا لدفء لسانه واحترامه الكل، وكان بعد التقاعد يمارس رياضة المشي يوميا وهو من الدقيقين بمواعيدهم، فمثلا كان موعد الغداء في البيت الساعة الواحدة ولا يمكن أن يتغيير مهما جري وكان موعد قيامه بالسير والمسافة المقطوعة يوميا مقدسة، وكان يوم فتح مطعم وكازينو حيرام مع شقيقه يوسف تسلم مهمة المحاسبة ولذا فقد كان يمشي مساء كل يوم نحو ضهر العاصي ليقوم بادخال حسابات المطعم من المصاريف والمداخيل واستخلاص حصص الشركاء والضامن الذي يديره قبل أن يعود إلى البيت. وفيما خلى ذلك وأثناء النهار كانت المسبحة رفيقته والجلسة على الفيرندة ومواكبة المارة الذين يحييونه واستقبال بعض المحبين هي تسليته الأساسية خلال النهار. وقد أجريت معه مقابلة بالفيديو سنة 1985 لمدة ثلاث ساعات متواصلة قص علي فيها الجانب الاقتصادي من حياة عين إبل خلال التاريخ، خاصة المرحلة التي عاشها وكانت هذه من المقابلات القيمة التي ساهمت بزيادة اهتمامي في التاريخ المتعلق بعين إبل وجوارها.