المخرج يوسف ي. الخوري/دولة الإسلام والهويّات اللبنانيّة… حوار بيني وبين إبني

642

دولة الإسلام والهويّات اللبنانيّة… (حوار بيني وبين إبني)..
المخرج يوسف ي. الخوري/28 تشرين الثاني/2020

كان يا ما كان:
أصل المشكلة يا وَلَدي في لبنان، أنّنا أسّسنا دولةً يعيش على مساحتها “18 الله”، على قول صديقي موريس عوّاد، ولم ننجح في بناء وطن ينتمي إليه مواطنون لبنانيون! أمّا جوهر المُشكلة فيكمن في أمرين:
1. قلق لدى المسيحيّين من تنامي عدد المسلمين.
2. رفضٌ باطني لدى المسلمين، جذوره دينيّة، لإمساك المسيحيين بمراكز حسّاسة في الدولة أعلى من مراكز المسلمين.
– “وما قيمة الميثاق الوطني في هذه الحال!؟” سألَ إبني.
برهن شريط الأحداث بعد الإستقلال، أنّ هذا الميثاق لم يُبنَ على أسس متينة. المسلمون (السنّة إجمالًا) لم يقبلوا فكرة لبنان الكبير إلّا بعدما فقدوا الأمل بإمكانيّة ضمّ مدن الساحل اللبناني والبقاع إلى سوريا، أي أنّهم استدركوا في اللحظة الأخيرة وانضمّوا إلى لبنان. هندس الأخوان كاظم وتقي الدين الصلح عمليّة ضمّ السنّة إلى لبنان بمباركة من نسيبهما رياض الصلح (رئيس حكومة الإستقلال)، وقد برّروا لأتباعِهم تحوّلَهم من معارضين لكيان لبنان الكبير إلى مؤيّدين له، بالقول: “إنّ الشعب اللبناني جزء من الأمة العربية لا يتجزّأ، إلّا أنّ للبنان خصائص مميزة تستدعي، إلى حينٍ على الأقل، إستقلاله التام”، وكان المقصود بـ “الإستقلال التام”: تخلّي المسيحيين عن إرتباطهم بفرنسا، مقابل تخلّي المسلمين عن المطالبة بالإنضمام إلى سوريا. إنّما هذان التخلّيان لم يُترجَما بشكل “تام” في الدستور اللبناني، إذ عِوضَ أن يحسم الدستور، في مقدّمته، نهائيّة الهويّة اللبنانية، صيغت المقدّمة على شكل تدبير (توافق) يساير المسلمين بالقول “إنّ لبنان ذو وجه عربي”، ويُرضي المسيحيين بالقول إنّ لبنان “يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب”! هذا في الأمور الظاهرة. أمّا الأسوأ، فيكمن في باطنها: ما كان المقصود من تعبير “إلى حين على الأقلّ”؟ ولماذا الإستقلال مؤقت (إلى حين) وليس دومًا وإلى الأبد؟!

بعد اندلاع حرب الـ 1975، كشف مدير عام دار الفتوى حسين القوّتلي (سنّي)، في حديث إلى جريدة السفير (18 أيلول 1976)، أنّ الدوافع العميقة للمسلم في لبنان هي “الإلتزام بما يفرضه الإسلام عليه ومن ضمنه قيام دولة الإسلام”. وأضاف القوّتلي أنّه “يُمكن تعليق قيام هذه الدولة في حال وجود معوِّقات”. هذا الكلام الذي خرج إلى العلن بعد ثلاث وثلاثين سنة على استقلال لبنان، يُستشّف منه أنّ القولَ بإستقلال لبنان “إلى حين على الأقلّ”، ما كان إلا نوعًا من التستّر وراء الإستقلال حتّى تحين الفرصة المناسبة للإنقضاض على لبنان الدولة وإعلانه دولة إسلامية…

أنا شخصيًّا كلبناني وطني ماروني، لا ولن أصدّق أنّ هامات وطنيّة سنّية أمثال رياض الصلح، وعبدالله اليافي، ولاحقًا عبدو عويدات (نائب الشوف)، وعبدالحميد الأحدب (الوطني الجريء)، هي من النوع الذي يتحيّن الفرص أو يتستّر على نيّته إقامة دولة إسلامية! لكن في مقابل هذه الهامات الوطنيّة الجبارة، هناك شخصيّات سنّية تُغلِّب شرعَ الإسلام على دستور الدولة، وهي ترفض واقعَ أنّ مسيحيين هم أولياء في بلد يعيش فيه مُسلمون، وذلك بحسب الآية 51 من سورة المائدة: “يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء…”. أَوَلَم يوطّد هؤلاء الأواخر العلاقةَ مع السلاح الفلسطيني، ورفعوا في بداية حرب الـ 75 شعار “فدائي = مخلّص”، في إشارة إلى أنّ العناية الإلهيّة أرست الفدائيين الفلسطينيين في لبنان لرفع الظلم اللاحق بالمسلمين جرّاء مشاركة المسيحيين الواسعة في الحكم على حساب المؤمنين الحقيقيين؟

– يقاطعني إبني ويستوضح: “ماذا عن إتّفاق الطائف، ألم يضع حدًّا لهذه التعصّبات الدينيّة؟”
عِوَض أن يكحّلها أعماها! وعِوض أن يحسم نهائيّة الهويّة اللبنانية، أخذنا خطوة إضافية نحو أسلَمَتها. أسقط الطائف من مقدّمة الدستور ما كان تطمينًا للمسيحيين في الميثاق الوطني، وذلك باستبدال عبارة “لبنان ذو وجه عربي” بعبارة “لبنان هو عربي الهوية والإنتماء”. هذه وحدها كافيّة لكسر وجدان فئة كبيرة من اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، ممّن لا يرون أنّ هويّتهم عربية. وهذه أيضًا تكفّلت بإنهاء الـ “إلى حين على الأقل” ببعثرة “إستقلال لبنان التام” على مرأى من عشرات النواب المسيحيين في مدينة الطائف، وبقبول من البطريرك الماروني أو ربّما على غفلة من غبطته!

المعركة في زمن الإستقلال كانت بين “أكثريّة مسيحية تُريد لبنان وطنًا نهائيًّا، وأكثريّة مسلمة لا تُريده وطنًا نهائيًّا” (كمال الحاج – فلسفة الميثاق الوطني)، فجاء الميثاق الوطني كعهد يوفّق بين النظرتين إلى لبنان.

في نهايات حرب الـ 1975، إزداد المسلمون المقرّون بنهائيّة لبنان، وهو أمر يُستفاد منه لإبراز أوجه الحضارة اللبنانية الواحدة، وتعزيز المواطنة اللبنانيّة بعد خمسة عشر عامًا من الحروب الداخلية، لكنّ اتّفاق الطائف، الذي أنهى الحروب، لم يُركّز إلّا على كيفيّة إدارة شؤون طوائف متعدّدة وبثقافات متنوّعة تعيش في بقعة جغرافية إسمها لبنان.

– إبني: “ورفيق الحريري الأسطورة، ومسيرة بناء لبنان الجديد؟!!”
بصمات الحريري ومشروعه الإداري، لا الحضاري، متجليّة تمامًا في اتفاق الطائف كما في أفعاله بعد الطائف. يقول الفيلسوف كمال الحاج “إنّ شعبًا ما يصير دولة حين يحوز على سيادته في داخل بلاده، وعلى استقلاله في خارجها”. هل نحن اليوم دولة بعد اتّفاق الطائف وبعد عصر الحريري؟ يكفي لمعرفة الجواب أن نرى ماذا بقي لنا من السيادة والإستقلال.

– إبني: “أين الطائفة الشيعيّة من كلّ ما تقوله يا أبي؟”
للطائفة الشيعية هامات نخبويّة في المواطنة والعلم، لكن هي أيضًا يُقابلها تيار شيعي يُعلي الشرع على المواطنة والدستور. في كتابه “العلمانيّة” (صفحة 88)، يؤكّد الشيخ محمد مهدي شمس الدين (عالم شيعي ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى) “إنّ الشريعة الإسلاميّة هي النظام الصالح لإقامة مجتمع طاهر يوفّر للإنسان فرص النمو المتكامل”ّ! والشيخ شمس الدين يُعدّ معتدلًا، فكيف بالإسلامي الراديكالي نعيم قاسم (شيعي، نائب أمين عام حزب الله) الذي عبّر في كتابه “حزب الله” (في الصفحتين 40 و41)، بنفس طريقة حسين القوّتلي (أعلاه)، عن حلم كلّ مسلم بإقامة دولة الإسلام. ونعيم قاسم يجتهد لطمأنة المسيحيين، بشيء من الإستخفاف بالعقول، بادّعائه أنّ دولة الإسلام “لا تتحقّق إلّا برضى كلّ الأطراف”، وكأنّه لا يعلم بأنّ ممارسة التقيّة لم تعد تمرّ، وبأنّ المسيحيين لن يُزعنوا لدولة لبنانية إسلامية إلّا وهم مهزومون و”حزب الله هم الغالبون” كما في الآية 56 من سورة المائدة.

– إبني: يعني خلاصة القول البلد مقسّم!!؟
– أنا: الناس مقسّمون، البلد لم يُقسّم بعد.
– لكنّه غير موحّد.
– عندك وجهة نظر.
– كيف ترى الحلّ؟
– تُريده حلًّا فاضلًا يوتوبيًّا أم حلًّا واقعيًّا؟
– لا بأس بالأوّل.
– هو يُترجَم بتطبيق القرارات الدوليّة، لاسيّما تلك المتعلّقة بحصر السلاح بيد السلطة الشرعيّة، وبتوحيد قوانين الأحوال الشخصيّة في قانون مدني واحد، وبتعزيز الهويّة اللبنانيّة الجامعة. لكن كيف تُقنع أصحاب المغالاة بالدين بالتخلّي عن هاجس الحكم بحسب الشرائع الإلهية؟
– كما يقبلون في دول الغرب يقبلون هنا.
– لكن على ما بدأ يظهر، هم قابلون بالنمط الغربي فقط “إلى حين”…
– إذًا ليس هناك حلّ يوتوبيّ… ماذا عن الحلّ الآخر؟
– هو يقوم على مقاربة واقعيّة لتجربة تعايش اللبنانيين، على أن يُستنبط منها حلًّا لمخاوف المسيحيين من تفوّق اعداد المسلمين، وحلًّا يُريح المُسلمين من عبء توليتهم المسيحيين منذ عهد الإستقلال. هذه الخطوة سهلة الإحقاق، فهي لا تتطلّب أكثر من إبقاء كل شيء على حاله وفي مكانه، وتَرْك كلّ مكوّن يحكم نفسه بنفسه ضمن نظام اتّحادي يُبقي على وحدة الأرض اللبنانيّة.

– وماذا في هذه الحال عن القوميّة اللبنانيّة؟
– أضعناها في المائة عام الأخيرة في محاولاتنا البائسة للبحث عنها ضمن الوحدة، عسانا نجدها ضمن الإتّحاد.

– أرى أنّنا سنُصبح هويّات لبنانية متعدّدة…

– وهل نحن غير ذلك؟ لكن علينا الإجتهاد لكي نُصبح هويّات مُختلفة في قوميّة واحدة.

– ولماذا مكوّن كحزب الله، بيده السلاح والقوة، سيسمح بقيام هكذا إتّحاد “وهم الغالبون”؟!

– لأن التاريخ يُفيدنا بأنّه في كل مرّة يتغيّر النظام في لبنان، يكون القرار من الخارج. هكذا كان يوم قام نظام القائمقاميتين، ويوم قام نظام المتصرّفية، ويوم أُعلن من بعدهما لبنان الكبير، وأخيرًا إتّفاق الطائف.

– والتاريخ يُفيد أيضًا بأنّ تغيير النظام في لبنان يأتي دائمًا بعد حرب.

– وهل عرف لبنان في تاريخه حربًا أشدّ وأقبح من الحرب التي نعيشها اليوم؟!! كل ما علينا فعله الآن هو الصمود في وجه غزوة الدولة الدينيّة، و”نخلي النار والعا تَ تضل تخض مضاجع الحكّام الفاسدين”!