كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السادس/الحسم والحصار/الحلقة الأولى

160

كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل السادس/الحسم والحصار/الحلقة الأولى
27 تشرين الثاني/2020

أعطى هذا التطور الذي حصل في رميش مهلة لسكان المنطقة فقد أوقف الفلسطينيون مطالبتهم وحتى زياراتهم إلى رميش، وسارت دوريات من أبناء البلدة في محيطها، وأصبحت القنابل المضيئة تنير سماءها ليليا. فقويت المعنويات ما دعا الفلسطينيين إلى أعادة الحسابات ومحاولة استرضاء عين إبل كي لا تتسع دائرة “التنسيق” كما جرى في رميش. فلم يكن هؤلاء قد حسبوا هذا الحساب، وكانوا قد اعتبروا دائما أن الحدود فاصل لن تجرؤ اسرائيل، أو تقدم، على اجتيازه. وهم منذ أن استولوا على المناطق اللبنانية لم يعودوا يحاولون إثارة أي مشكلة مع الاسرائيليين، فقد أجّلوا محاربة إسرائيل لأن “طريق القدس تمر بجونيه” ويجب الانتهاء من هذا الفصل، وهو السيطرة على لبنان، أولا ثم تعود مقولة “تحرير الأرض السليب” و”رمي اليهود بالبحر”…
لكن المسيحيين كانوا قد بدأوا هجوما من نوع آخر فقد فتحت بوابات رميش وكفركلا عيون من في العاصمة وجرى الاتصال مع الاسرائيليين عبر البحر وتم نوع من التنسيق دفع بكميات من الاسلحة قلبت الموازين وأربكت دمشق، وفتح خط إتصال بحري ولو مؤقت بين بيروت والحدود وصدرت مذكرات من قيادة الجيش بشأن التجمعات العسكرية في المنطقة “فتشرعنت” مجموعة رميش ومجموعة القليعة، ثم قدم بعض أبناء المنطقة بحرا لمساندة قراهم. فقويت معنويات المواطنين وفتحت آفاق جديدة وآمال…
كان شريف أحد العائدين إلى عين إبل بالبحر وقد كانوا أربعة بينهم قمر وابو ربيع وحبيب وكان السكان ينتظرون دفعة جديدة من المقاتلين من أبناء البلدة. فقد كان الهجوم الذي قام به “محمود” وهو أحد مسؤولي فتح في المنطقة، في قلب عين إبل، قد أدى إلى استشهاد ثلاثة من شباب البلدة وقتل فيه “محمود” ورفاقه الأربعة، ولم يجرؤ عناصر مجموعة “حانين” التي كانت تنتظر عند المحفرة على التدخل بعد مقتل المهاجمين ولا المجموعة التي كانت تنتظر عند ضهر العاصي.
كان “محمود” هذا أحد ضباط فتح المهمين وقد تابع دورات في قتال العصابات في شرق آسيا والصين الشعبية، وكان من الذين يعتمد عليهم. وقد كان والده علّم في مدرسة اليسوعيين في عين إبل في الستينات في بداية فتح القسم الثانوي الذي كان الوحيد في المنطقة يومها. وكان “ميغيل” قد ولد في المهجر وتعلم هناك ثم وبسبب موت والديه عاد إلى لبنان وسكن في صور، ولكي يتمكن من الزواج من “زينب” التي أحب انتقل إلى المذهب الشيعي. فقد كانت “زينب” من مواليد “قدس” وهي من القرى الشيعية الأربع التي دخلت ضمن حدود فلسطين وضمت إلى إسرائيل في 1948، وكان أهلها يعتبرون أنفسهم لبنانيين وقد نال أغلبهم الجنسية اللبنانية. ولكن بعد تتالي الخضات الاجتماعية والسياسية بخاصة في المخيمات الفلسطينية، أصبح ولاء هؤلاء أكثر لتلك الثورة المتولدة التي سيطرت فيما بعد. وبالرغم أن “ميغيل” و”زينب” لم يسكنا المخيمات أبدا، الا أن “محمود”، الذي نشأ شيعيا وتأثر بمحيط يتكلم عن الظلم الذي تعرض له الفلسطينيين، والتراث الشيعي فيه جزء مهم من الشعور مع المظلومين، فطقوس العاشوراء التي تقام في كل سنة هي بشكل أو بآخر شعور بالظلم الذي لحق بأبناء الامام علي وحث على مساندة المظلومين، وقد تضامن “محمود” دائما مع هؤلاء الفلسطينيين “المظلومين”، في المدرسة والشارع والبيت حيث كان يلقى تشجيع والدته وعدم معارضة الوالد الذي كان ميالا لليسار، فقد كان هو نفسه يتتبع باعتزاز أخبار الثورة الكوبية، حيث ولد، وانجازاتها، وفي بداية السبعينات، ومع تعاظم “العمل المسلح”، انضم محمود إلى صفوف فتح وتدرب في “عين الحلوة” أولا ثم تابع دورة خاصة في سورية حيث ظهرت براعته وقدراته، فأرسل إلى الصين الشعبية مدة سنة كاملة تابع خلالها عدة دورات في فنون حرب العصابات وأعمال التخريب وزرع العبوات والمهمات الخاصة. لذلك كان قد أرسل مع ثلاثة آخرين من العناصر المدربة جيدا والقادرة على القيام بمهمة دقيقة كهذه، تقضي باحتلال المدرسة في عين إبل، حيث كان شباب البلدة يتدربون على الدفاع عنها، والقضاء على من فيها ومن ثم بعد إعطائه الاشارة تتدخل المجموعتان من الجنوب والشمال وتفرض السيطرة على البلدة بكاملها. وقد تلخصت الخطة بأن يجتاز محمود ورفاقه أولا البلدة لدرس الوضع على الأرض، ثم يعودون لمهاجمة الحارس الوحيد هناك، فالوقت ظهرا والجميع في منازلهم لتناول طعام الغذاء، ولم تكن البلدة في حالة حرب مفتوحة بعد، ولو أن رميش كانت قد وضعت الحواجز، إلا أن عين إبل كانت لا تزال تسمح بمرور كل سكان المنطقة فيها دون اعتراض خاصة أثناء النهار. وهكذا فقد مر محمود وجماعته، بالفعل بسلاحهم وبسيارتهم دون أن يتعرضهم أحد. ولكن عند عودتهم وإطلاقهم النار على “عيد” الذي كان يحرس مدخل المدرسة، رد “عيد” النار بالمثل قبل ان يفارق الحياة فاصاب أحدهم ما اضطرهم للاحتماء، فوصل “حيدر” لمساعدة رفيقه وحاصرهم أولا، ولكن حماسه دفعه إلى محاولة الالتفاف عليهم فقتل أحدهم ولكنه أصيب ايضا برصاصة أودت بحياته، في هذه الأثناء كان الشباب قد بدأوا يتوافدون فحاول “بطرس الأخ” التقدم فأردي برصاصة في راسه وقتل المسلح الثالث.. وكان محمود، الذي انطلق باتجاه المدخل الرئيسي للمدرسة، يحاول الدخول إلا أنه فوجيء بوجود عناصر مسلحة كانت سبقته وتمركزت هناك فهرب ولكنه قتل على بعد خمسين مترا من المكان…
هذا الهجوم فتح الحرب الفعلية وأدى إلى وقف كل أنواع التفاوض أو الاتصال بالفلسطينيين، فقد فهم أنهم يضمرون الشر وينوون السيطرة التامة بالقوة على البلدة… منذ ذلك اليوم تحولت عين إبل إلى ثكنة عسكرية وأصبح كل مواطن فيها مقاتلا.
وصل شريف ورفاقه إلى رميش ليلا وكان مارون أحد الأنصار ينتظرهم، وفي الطريق قال لهم إن الأهالي كانوا يتوقعون عددا أكبر ولكنه يعتبرهم الأربعة أهم من مئة مقاتل. وعندما وصلوا إلى المدخل الجنوبي حيث مفرق دبل، كانت تقف هناك آلية كتب عليها “مجموعة الشهيد بطرس الأخ”. وعلى بوابة “المركز” كانت تقف إحدى الفتيات وقد حملت سلاحا ظهر بأنه أثقل من أن تتحمله، بينما وقفت رفيقتها خلف أكياس الرمل حيث يربض رشاش متوسط. وعندما ترجلوا هناك قبل الدخول كانت تلك البسمة البريئة لمن لم تتجاوز الخمسة عشر ربيعا أجمل ترحيب بهم. فقد تجندت البلدة كلها بشيبها وشبابها وحمل الأطفال السلاح ووقفت الفتيات حراسا وساعدت النسوة في تحضير عدد القتال وطعام المقاتلين الذين انتشروا على المداخل والسطوح يمنعون “النسمة الغريبة” من المرور. وأصبحت تلك البلدة والتي فتحت، كلبنان، أبوابها لكل ضيف لتكون واحة رحبة في تلك المنطقة النائية والجافة بمناخها وطبيعتها وعادات سكانها، أصبحت تلك القرية عرين أسد يهاب الكل أن ينظر إلى جوارها. وقد قال فيها شاعرها مفاخرا…
إيه عين إبل كم دهتك خطوب واستفاضت في ذكرك الأنباء
أنت للعين بهجة وجمال أنت للقلب نضرة ورواء
أنت في الصبح نغمة وحداء انت في الليل نجمة زهراء
انت في السلم جنة ونعيم انت في الحرب جمرة حراء
إن غفوتي غفا الدجى والليالي أو صحوتي صحى الضحى والبهاء
كان شريف يوم دخل المدرسة الحربية يحلم بالدفاع عن وطنه وخاصة عن منطقته وقريته، فهنا ولد وترعرع، وهنا لعب وكبر. وفي كل زاوية من زواياها له ذكرى وصورة للقاء أو مغامرة أو موقف. وفي كل شارع ينبت له حلم طفولة أو لعبة مراهقة أو مشروع شباب. كان يرى الدنيا تتلخص بقريته وقد فاخر بها وأعتز أينما ذهب. وكان يشعر، كأغلب أبنائها، أنه على حق بذلك فقليلة هي القرى التي يسود الوئام بنيها ويتعلق بها شبابها، وقد نعموا بالجو الهاديء والأراضي الواسعة التي تشكل تلالها وأوديتها مناظر جميلة وأماكن للمرح والمغامرة وغدوات الشباب، أما ينابيعها الشحيحة المتعددة والموزعة على كل الجهات فتؤلف مع الأشجار والصخور والمنبسطات مادة تنوع كانت تغني عن الحاجة إلى الذهاب بعيدا سعيا وراء التغيير، فالتنوع يزيد المجالات إثارة. وقد كان شريف، الذي أنهى دراسته الثانوية في قلب لبنان بعيدا عن القرية، عرف الوطن كله وسار في دروبه وتنقل في أوديته وجباله من الجنوب إلى الشوف فالجبل والبقاع والشمال، وقد تتبع مسالك الجبال سيرا، وتسلق الصخور، وتسابق على المنحدرات الثلجية، واستحم في مياه الأنهار الباردة، وتمرغ في رمال الشواطيء الملتهبة، وتصاحب مع رفاق من كل المناطق وكافة المذاهب. وقد كان لهم من درج “السارولا” في الحمرا “بيت” طالما التقوا فيه، ومن شوارع الأشرفية وساحاتها وملاعب “ستاد دوشيلا” أو دور السينما ومطاعم “البلد” أماكن تجمّع ولهو ومرح، ولطالما قضى أوقاتا حلوة وليالي مع “كوكو” و”بيبو” و”جورج” وغيرهم برفقة موسيقى “البوب” التي كانت تغزو أمريكا والعالم ويصل تأثيرها إليهم، ولطالما أمضوا السهرات على صوت “جيمي هندركس” أو “بوب ديلن” أو “جون لينون” أو فرقة “الكريدنس كلير ووتر ريفايفل”. وقد رافقوا أحداث “وودستوك” وعاشوا تلك “اللحظات العالمية”…
ولكنه لم يفضّل اي شيء على جلسة في ضوء القمر عند “إم النور” أو لعبة ربيعية على تلة “المحفرة” أو مسيرة كشفية إلى الصالحاني. ولم يطرب لنغم أكثر من تساعية الميلاد أو اسبوع الآلام في كنيسة السيدة في البلدة. وكان مثل الكثيرين من الرفاق يعود عند كل فرصة تزيد عن اليومين إلى قريته ليداعب ترابها فيشعر بالارتياح والانتماء يغزيانه عنفوانا واندفاعا.
كان شريف تأثر في بداية السبعينات بالموجة الأميركية التي نتجت عن حرب الفيتنام والتي نادت بال”لا عنف” ولم تكن تلك الفكرة بعيدة عن الفكر المسيحي الذي تربى عليه وقد غزاه الكهنة، وخاصة كاهن الرعية بحديثه عن المحبة المسيحية محبة الانسان أينما وجد والسعي إلى خيره والعمل لكي يكون هذا العالم مجتمعا متناسقا ينعم بالسلام الذي بشر به السيد المسيح ويرفض الحروب والعنف بكل أشكاله.
وقد كان شريف يتمنى مثل كل شاب في مرحلة المراهقة أن يساهم في عمل كبير بحجم الانسانية، كالذهاب مع المرسلين أو مع المنظمات الانسانية للمساعدة في تخفيف مصائب الناس. وبالفعل قدر له أن يشارك مع “كاريتاس” في الذهاب إلى الأردن في صيف 1971 حيث عمل مع طاقم من الشباب المتبرع في مخيمات للأطفال في عمان. وقد كان الجيش الأردني طرد في الصيف الذي سبق كل المنظمات الفلسطينية من عمان وما حولها ولم يبق إلا بعض الجيوب في منطقة “جرش” حيث تكثر الغابات. وكان هذا الجيش في ذلك الصيف يحاول الانتهاء من الوجود الفلسطيني المسلح حتى في تلك المنطقة.
وقد شعر شريف ورفاقه في الفترة التي قضوها في عمان لأول مرة بصعوبة الحرب الأهلية، ففي كل شارع كانت تقف حواجز للجيش وكان كل البدو يحملون المسدسات وكان، كيفما ذهب، يتعرض للسؤال. ولكن الجنود الأردنيين كانوا يرحبون بهم عندما يعرفون بأنهم لبنانيون وكان بعضهم يشير إلى لبنان و”شمعون” باعتزاز وتقدير. وكان منع التجول قائما ليلا، وقد شعر شريف ورفاقه بالفراغ الذي يعنيه خوف المواطنين من الخروج إلى الشوارع. وكانت العاصمة في ذلك الصيف تبدو فارغة قبل حلول الظلام ولم يكن أحد يجرؤ على التجول في شوارعها.
وكانت بعض العائلات اهتمت بهم ودعتهم إلى زيارتها وأحيانا تناول العشاء في منازلها، ولاحظ شريف في تلك الزيارات مستوى العائلات الأردنية وضيافتها وقرب عاداتها من عادات قريته. ولكن أهم من تعرف بهم في تلك الرحلة كان مستشار “الأمير محمد” الذي كان صديق “الأخ معماري” مسؤول “كاريتاس” في الأردن، ومطران الروم الكاثوليك الذي استضافهم في المطرانية. وقد كان الأخير عارفا بالفلك يقضي أغلب سهراته على سطح المطرانية في جبل عمان حيث، وكالراعي الذي يحب قطيعه، يرافق النجوم بتحركاتها ويسميها باسمائها ويعرف أمكنتها ومساراتها. وكان بمجرد أن ينظر إلى السماء يستطيع أن يميز النجوم الثابتة من الأقمار الأصطناعية التي كان يعرف ايضا مساراتها وسرعة دورانها. وقد أرشد شريف إلى كيفية الاهتداء إلى الأبراج وأوقات وأمكنة تواجدها في السماء…
وكان الأول يأتي لزيارة الأخ معماري في المقر حيث كانوا ينزلون وقد حدثهم، وكان رجلا محببا في طلته وطريقة حديثه، عن ايامه وهو الذي بدأ حياته العسكرية مع “غلوب باشا” ثم انتقل إلى انكلترا وعمل في وزارة الخارجية البريطانية مستشارا لشؤون الشرق الأوسط قبل أن يعود إلى الأردن، وقد أخبرهم عن حرب الثمانية وأربعين حيث خدم مساعدا لقائد الجيش الثاني في جيش النقاذ الذي كان يرابط في جنوب لبنان، وكيف كانت تجري تلك الحرب بدون مستوى، وقد عرف عين إبل في تلك الفترة وتكلم عن “القاوقجي” قائد الكتيبة التي كانت ترابط في منطقة بنت جبيل والذي كان نشر رجاله على خط مستقيم مغطيا جبهة طويلة بدون عمق وبذلك أضاع جنوده وفرق قوتهم وكان هذا مثالا عن مستوى القتال في جيش الأنقاذ الذي كان يحاول العرب بواسطته “إسترجاع” فلسطين.
كان “اللواء جميعان” مستشارا لشؤون القبائل وكان هذا المنصب بالذات له أهميته في تلك الفترة حيث كان الملك يستند بشكل اساسي في حربه ضد الفلسطينيين على ولاء القبائل البدوية واندفاع شبابها لحماية الأردن وتخليصه من تلك “الثورة” التي كادت أن تقضي على الاستقرار فيه وتجعل منه ساحة لصراعاتها ومركزا ل”دولتها” لو استمرت. ولكن الضربة التي وجهها اليهم قضت على ذلك الحلم، وإنما بنقس الوقت حولتهم إلى لبنان، وكانت بشكل أو بآخر سببا في الأحداث التي تتالت عليه فيما بعد. فقد توجه الناجون من المعارك، وهم بأغلبهم مقاتلين، إلى سوريا التي حولتهم بدورها إلى لبنان فاكتظت بهم المخيمات. ثم لحقت بهم عائلاتهم فزادت المشكلة بزيادة العدد وبوجود الأسلحة. وقد كانت النقمة التي حملوها معهم ضد “الأنظمة” والتصميم على القتال وقودا أساسيا لتلك الثورة التي بدأت تتفاقم وتتراكم حتى الانفجار الكبير في 1975.
في تلك الفترة كان شريف يحاول أن يُبقي شيئا من التوازن بين، الشعور الانساني المتعالي والعام الذي ينطلق من مبادئه المسيحية الشاملة لكل البشر على السواء في تلك المخيمات التي خدم فيها أطفال الفلسطينيين في جبل الأشرفية في عمان، وبين وطنيته المتجذرة والتي غزتها مواقف قريته وصراعها ونضالها، وتاريخ جماعته الذي قام على التعلق بذلك الجبل موئلا لشرزمة من الابطال الذين تحدوا المستحيل واستمروا بالرغم من كل شيء حتى أصبح جبلهم ملجأ المضطهدين ومشعل الحرية الدائم الذي أنار ذلك الشرق. وقد كان من بين هؤلاء الأطفال الذين اعتنى بهم إبنة شقيقة “جورج حبش” أحد أشرس القادة الفلسطينيين وهو قائد تنظيم “الجبهة الشعبية” الذي قام بأكثر العمليات الارهابية عنفا. وقد كانت تلك الفتاة التي لم تتجاوز العشر سنوات ممتلئة حقدا، ليس على الأردن فقط، إنما على العالم باسره، ولكنها كانت تحمل في داخلها براءة الأطفال وذكاء يلفت النظر. وقد حاول شريف أن يخفف من ذلك الشعور العدواني المسيطر، بالمحبة المسيحية. وكان عليه، وهو الذي لم يحب تلك الثورة من الأساس، أن يتعامل مع أطفال تربوا على حبها ثم عانوا من حرب حقيقية بسببها منذ سنة بالضبط…
كان هؤلاء الأطفال يذكرون مواقع وأحداث حصلت ويخبرونه أحيانا بما كانوا رأوا منها. وكانت الحيطان والشوارع لا تزال تحمل آثارا لتلك المعارك التي لم يتصور شريف حينها أنه ورفاقه سوف يعيشون معارك أقسى منها ومواقف أكثر تأثيرا في السنين القادمة. فهو كان يتعامل مع مشاعر الصغار بروح المحبة التي ترمي إلى تخليصهم من ذكريات الماضي تلك وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية.
في نهاية المخيم تجلت في ذهن شريف فكرة أن يقدم سنة من حياته في سبيل الآخرين وقد تحدث بها مع “الأخ معماري” الذي عرض عليه العودة إلى الأردن في الخريف القادم والاشراف على بناء مستشفى في منطقة “الكرامة” في الأغوار حيث كانت جرت قبل سنين معركة بين الأردنيين والاسرائيليين. وكانت “كاريتاس” تنوي إقامة هذا المشروع هناك ويحتاج الأخ معماري إلى من يساعده بالتواجد في المشروع خاصة إذا كان متطوعا. وكانت الفكرة تروق لشريف من حيث المبدأ. ولكنه في طريق العودة، وبعد أن دخلوا لبنان من جهة “المصنع”، تساءل إذا لم يكن بلده أحق بمساعدته من بلد آخر. وفكر بأن قرى في مناطق نائية من “الهرمل” مثلا قد تكون بحاجة إلى متطوعين مثله أكثر من “الكرامة”. ولما لا؟… ولكنه عندما دخل إلى عين إبل تجدد عنده التساؤل، لماذا ننظر دائما إلى البعيد ولا يمكننا أن نرى حاجة من حولنا؟.. وفكر ماذا يمكنه، مثلا، أن يفعل من أجل قريته وبنفس الروحية الانسانية المترفعة، وتساءل عن حاجتها للمتطوعين. فقد كان “هنري” و”برنار” “ميشال” و”جيل” وغيرهم من الفرنسيين الذين ساهموا بكثير من النشاطات حتى أنه وغيره تأثروا بشخصيتهم وعطائهم وقد تكون فكرته عن التطوع ناتجة بشكل أو بآخر عن مثل هؤلاء…
في الأشهر التي تلت كان شريف قد بدأ بالتفكير بحاجات قريته وصار همه أن يراها تتقدم، لذلك راح يفتش عن نقاط الضعف أو الخلل فيها فإذا بها كثيرة. وإذا به يكتشف أن قريته تنزف بصمت وتخسر بنيها الواحد تلو الآخر، فحاجة التعلم والتخصص تجعل الشباب يرحلون صوب المدينة أو إلى الخارج، وأغلب الاختصاصات تجعلهم يرتبطون بهذه المدينة أو بهذا الخارج ولا يعودون. فهذا المجتمع إذا لن يستمر وسوف لن يكون هناك تجدد فيه. فكل الذين تزوجوا في تلك السنة كانوا إما من المهاجرين إلى الدول العربية وإما من الشباب الذين يسكنون في بيروت. لذلك لفت نظره أنه كان في أساس تربيتهم نوع من الخلل، فقد كانوا يستهزؤون بالفلاح ويتعبرون شغلته هي شغلة من ليس له شغلة أخرى أو من ليس عنده طموحا أو من لا يملك مقدرة وذكاء كافيين لمتابعة تحصيله العلمي و”التقدم” باتجاه “الأعمال الأسهل”، وإذا به يكتشف أن هذا الفلاح هو العنصر الوحيد القادر على البقاء في القرية، ولو أنه كان هناك تجدد في الفلاحين لكان يمكن للطبيب والمهندس والتاجر والبناء والحرفي وغيرهم السكن في القرية والاستمرار بخدمة هؤلاء الفلاحين، فلا يمكن لسكان هذه القرى الاعتماد على التجارة أو السياحة وهم في آخر البلد محشورين بالحدود المغلقة من جهة وبالترتيبات العسكرية التي تفرضها حالة الحرب مع إسرائيل من جهة أخرى، ولا مجال للصناعة هنا أن تزدهر كون الأماكن الأقرب إلى المدن الكبرى تحظى بالتسهيلات المطلوبة أكثر بكثير من المناطق النائية، ولا توجد مناطق صناعية في المدن القريبة لكي يتمكن من يسكن في البلدة من الذهاب للعمل في هذه المصانع والعودة إلى القرية. إذن فالفلاح هو الحل الطبيعي والبديهي وقد استمر الجدود لأنهم كانوا بأكثريتهم من الفلاحين.
بدأ شريف بتسويق فكرته وهي تقضي بالعودة إلى الأرض أولا وحثها على العطاء، ثم بالتخصص فيها وبما يدور حولها وعندها يمكن الاستفادة من العلم وخبرات الآخرين، وبعد هذه المرحلة يتم الانتقال إلى تصنيع إنتاجها أو تعليبه، وفي النهاية يبدأ السعي إلى تسويق هذا الانتاج وذلك بالذهاب إلى داخل البلاد والتفتيش عن أسواق وعقد إتفاقيات تؤمن التصريف، وهنا أيضا تبرز الحاجة إلى المتعلمين والمتخصصين. بهذا الشكل المبسط والمتدرج رأى شريف النواة الأساسية لمجتمع ريفي يمكن أن يتطور ويكبر فتزيد فيه إمكانيات العمل التي تؤدي إلى زيادة الاستقرار. وهنا، تكبر المدرسة والدكان، والمطعم، والسوق، والعيادة، ما إلى هنالك… ثم تنشأ الصناعات الصغيرة لتكفي حاجة هؤلاء، وشيئا فشيئا تتطور البلدة إلى مركز جذب للمشاريع، وليس مركز لتوليد وتصدير الطاقات البشرية لا يتجدد…
ولكن مشروع شريف قوبل بالاستهتار ورفض كليا، من الأهل أولا، وثم من الأصدقاء. ولم يؤمن أحد بأن الفلاح قد يكون له قيمة غير تلك الصورة الرومنطقية التي نحب أن نرسمها له في كتب الأدب “لنبكي فقط على أطلال الماضي” ونتحسر على “أيام زمان”.
في السنوات التي تلت جرب شريف المدرسة الرسمية ثم الجامعة اللبنانية فشعر بالجو الذي كان سائدا، فقد تغلغل اليسار بشكل قوي في كل الأوساط ووصل تدخل الفلسطينيين إلى المدارس والجامعات وقامت المظاهرات الطلابية التي كانت تبدأ بشعارات ومطالب ثم تستغل لزعزعة الأمن والاستقرار في البلد.
بعد حوادث 1973 شعر شريف بأن الوطن بحاجة للتضحية وأن أياما صعبة بانتظاره، وتصور أن من واجبه الدفاع عن هذا الوطن؛ “فقد عشنا جزءً من لبنان العز وعلينا أن ندافع عنه لنورث أبناءنا وطنا حرا قادرا على الاستمرار”.
وهكذا عاد شريف فدخل المدرسة الحربية وكل همه أن يساهم في الدفاع عن الوطن فلا يقهر أو يزول وتذهب معه بزرة الحرية التي ترك الجدود في سبيلها السهول الخصبة ورغد العيش وتمسكوا معها بالصخور الصلبة والقناعة حتى الزهد. ولم يغب عن باله قط أن أساس الاستمرار في بناء الوطن هو بناء القرى البعيدة بواسطة الفلاحين النشيطين المتكلين على سواعدهم وإيمانهم وجهدهم وليس على الكسل والتبعية وهبات المتمولين في الداخل والخارج…
عندما تدافعت الأحداث لتقسم البلد والجيش وتنشر الرعب والموت في كل المناطق، شارك شريف مثل الكثيرين في الدفاع عن الوطن؛ من بسابا وكفرشيما إلى الزعرور والمونتي فردي فالبترون وشكا وأخيرا في الأسواق حيث عمل مع فريق من الرفاق على وقف التدهور برسم خطوط اللاتراجع ودعم جبهة دفاعية متكاملة صمدت في وجه الهجمة البربرية وأصبحت فيما بعد حدود المنطقة الشرقية هناك.
في هذه المرحلة عمل شريف مع بشير مباشرة وعرفه عن قرب أكثر، ولكنه تعرّف ايضا على الطفيليات التي تنمو عادة في افياء العظماء فتخرب الصورة المثلى التي يسعى هؤلاء لرسمها، ف”الكبار” يحلمون بالعظمة وعلى هذا تبنى تصرفاتهم، بينما لا يملك “الصغار” مقدرة الحلم لذا فهم يقزّمون كل شيء ويلطخون الأعمال الكبيرة ويفسدون في النهاية صور الأبطال…

**********************
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة التمهيد والحلقة الأولى (طريق البحر) من كتاب الكولونيل شربل بركات “المداميك”
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثانية

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الخامسة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثانية
* ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثانية
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الخامسة
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الرابع/الحلقة الأولى/سيطرة المنظمات
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الرابع/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الأولى/الجدار الطيب
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الثانية