كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الثانية

119

كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الثانية
23 تشرين الثاني/2020

نهض سعيد ورافق والده إلى الحقل وبدأ بقطف تلك الأوراق الخضراء التي بللها الندى فاصبحت تدبق فيعلق منها بالأيدي مادة صمغية خفيفة يصعب إزالتها الا بالماء والصابون. كانت هذه أوائل القطفات فلم يزل الدخان صغيرا ولولا أن أبو سعيد كان قد زرع باكرا هذه السنة لما كان بدأ بالقطاف. ولكنه، وبعد أن تبرّم بين الشتل تفاءل بموسم جيد إذ بدا الشتل نشيطا والأوراق كبيرة نوعا ما وقد يعطيه ذلك وزنا أكثر من المتوقع مما سيزيد في دخله إذا سارت الأمور كما يجب. ولو أنه من المتفائلين المتكلين على الله في كل شيء، إلا أنه مثل أهل القرية كان يخاف من الأحداث الجارية، فقد شلت كافة أعمال الدولة وها إن البلد قد قسم بين موال للدولة وموال للفلسطينيين فهل سيبقى هناك مجال أن تشتري “الريجي” الدخان من المزارعين وهي لم تشتر بعد موسم السنة الماضية؟ وإذا لم تتوقف الأحداث من سيشتري الموسم؟.. كانت هذه أسئلة يطرحها كل مزارع في المنطقة وخاصة في رميش حيث يقوم الدخل الأساسي على زراعة التبغ. ولكن نجيب كان يؤمن “أن لكل قضية حل وإذا كانت القضية أكبر منك فلا تشغل بالك بها لأن هناك من هو أكبر منها، مهما كبرت، والله أكبر من الجميع، فإن قمت بواجبك لا بد من أن يراك فينصفك وهو الذي لا يخفى عليه شيء”.
كان نجيب كعادته يسهب في الكلام ويحب أن يشاركه السامع بملاحظاته كي يتأكد من أنه يتابعه، وكان سعيد يعرف كيف يفرح والده بأن يعلق على خبرياته الكثيرة والتي تحمل دائما حكمة ومغزى، ولكنه في ذلك النهار لم يبدو كعادته فلم يعلق على حديث الوالد بالرغم من محاولاته الكثيرة لاشراكه ما جعل أبو سعيد يلاحظ بأن أفكار سعيد ليست معه بخاصة عندما وجد أنه قطف أوراقا لم تنضج بعد على طول تلم كامل. فأوقفه مدعيا الكفاية لهذا النهار فقد تذكر أن لديه بعض الأعمال سيحاول إنهاءها مع جان ولذا فالوالدة والصغار لن يستطيعوا شك أكثر مما قطفوا حتى الآن.
في طريق العودة، وبعد أن حمّلوا الحمار بما قطفوا وساقوه أمامهم، سار نجيب بجانب سعيد وفتح معه حديث الساعة، فهو يعلم ما يجول بخاطر ولده، وقد سمع الكثيرين من أهل البلدة وهم يلهجون بفكرة مقاومة الفلسطينيين والجيش العربي، وهو يعرف وطنية ابنه وأندفاعه، فالقضية هي بالتأكيد ما يشغل باله لذا فقد حاول أن يساهم بما يجول في خاطره وساله:
– بتعتقد إنو الفلسطينيي أو الجيش العربي بيهاجوا رميش؟
فأجاب سعيد:
– ليش لا… وليش هالسؤال؟
– سمعت انن طلبوا سلاح الأنصار وحددوا موعد أخير لتسليمه. هالحكي صحيح؟
– صحيح بس مش راح يسلمو… بعدين ليش شاغل بالك بهالموضوع؟
– أنا مش شاغل بالي، يا ابني، بس بدي انت ما تضلك شاغل بالك… ما تخاف، هاللي عايشين بتقوات الله، الله ما بيتركن… وليش إذا هني مفكرين انو راحت الدولة، صار فيهن يعملوا اللي بدن ياه؟… ما في ناس اقوى منهن، والظالم بيجيه أظلم منو… ما تخاف… أنا بقلك إذا بيسترجوا يقوموا باي عمل ضدنا، بتجيلهن إسرائيل… ليش شو الدنيا فالتي؟
– ما هادا اللي خايفين منو… شو عرفنا إسرائيل بدا تكون أرحم منهن؟.. وبعدين وين بدنا نصير ما كل ما كبرت الأمور بتتعقد، ومنفوت بدوامة ما منعود نعرف نطلع منها… وشو هيني إنو نصير مربوطين بإسرائيل؟
– من هالناحية ما تخاف، اسرائيل دولة، ما فيها تتصرف متل العصابات والمليشيات. وبس يصير في دولة بلبنان تقدر تحمينا ساعتها هالدولة بتبقى تعرف كيف ترجعنا، وبتصير قضية مفاوضات بين الدول… بس هلق نقطع هالمرحلة باقل خساير ممكنة… مثل ما عم قلك، ما تشغل بالك يا ابني، الباب اللي بينفتحلك فوت منو والله بيهديك. المهم تعمل حسب ضميرك… وليش شو عرّفنا إنو اليهود ما بيكونوا أحسن من الفلسطينيي هاللي أويناهن عنا، والله بيعلم، هون برميش، وبعين إبل قديش زقينالن مي وأكل بالتمانية وأربعين، وقديش الدولة عملتلن، وبعدين، ليك، بأول فرصة قاموا علينا ومش رابحين جميلة لحدا… وهيدا متاع عين إبل بقولوا إنو ابنو، معلم المعارف، كان مع البعثيي… ولا لأ؟.. هيي لا البعث قدر يحميه، ولا فتح… وقت بتوقع الواقعة بيقتلوا عن جنب وطرف…
– ما هيدا اللي مخلي الناس خايفي تسلّم سلاحا… نحنا عنا اليوم بالبلد حوالي المية بين عسكري ودركي، والأنصار بيطلعولن حوالي الخمسين، ومنقدر نجمعلنا كمان بين المية والمية وخمسين قادرين يحملوا سلاح وقت اللزوم… بس منين السلاح؟.. لولا سلاح الأنصار وهالكام بارودة المشترينن الناس بالمصاري ما كان في شي يدافع عن البلد… ونحنا مش خايفين يهجموا هجوم كبير، لأنن متل ما قلت يمكن يخافوا من اسرائيل. بس خايفين يخلصوا هالكام رصاصة اللي مع الأنصار بأول حادثة أو اشتباك صغير… وبعدين شو؟.. منين بدنا نجيب غيرن؟..
– … روح كابني… حاج حامل هالسلم بالعرض… الله بيدبر… هوّنها بتهون، صعّبها بتصعب… والله بالعصي منردن وقت المحزوزية… شو متنا كعمي؟.. ان حطت ايدا حد اجرا البنت وامها بيطلعوا بقاتلوا…
– طول بالك، كبيي، الهيئة صرت انت البدك تحمل السلم بالعرض… لو بعدها قضية عصي شو كان صاير علينا…
في هذا الجو من الحديث كان سعيد ووالده يقتربان من منازل القرية وقد بدأت الحركة تدب فيها، فكل المزارعين نهضوا مثلهم باكرا، والبعض قد عاد إلى البيت مع حمله من الأوراق الخضراء، وحيث لم يعد القطافون بعد كانت حركة التحضير للعمل وتشهيل الأمور الأخرى جارية على قدم وساق، فلو أن الدخان يأخذ قسطا كبيرا من النهار إلا أن أمور البيت الأخرى تبقى تتطلب كثيرا من الاهتمام. وها قد بدأت حركة المارة تزداد شيئا فشيئا، فاستعمال السيارات قد خف كثيرا في هذه الأيام بسبب نقص البنزين، ومن لديه بعضه لا يفرط به خوفا من الحاجة. ولكن أين سيحتاجون البنزين إذا كانت مسافات التحرك قد تقلصت كما هي الحال، فابعد مسافة آمنة أصبحت عين إبل وهي لا تبعد أكثر من أربعة كيلومترات. ولكن أمورا معيشية أخرى كانت عادت تفرض نفسها مجددا؛ مثل قضية الخبز. فلم يعد هناك طحين بالفرن ولا وجود لهذه المادة في الأسواق. وقد حاول “جريس أبو أدمون” الأسبوع الماضي أن يحضر طحينا من بنت جبيل فكان جواب أبو محسن متعهد الطحين الذي كان يضع الكلاشينكوف أمامه:
– وين بطاقتك؟..
وعندما سأل جريس عن أية بطاقة، كان الجواب:
– بطاقة فتح، إذا ما معك بطاقة من فتح ما الك طحين عندي…
وإذ علق أبو أدمون بسذاجة:
– شو هالأيام اللي وصلنالها؟.. صاروا ولاد البلد بدهن بطاقة من الغريب؟…
هجم عليه شاب كان يقف هناك ويحمل سلاحا فضربه وساقه إلى مكتب فتح وأوقف حتى المساء ثم أرسل إلى تبنين حيث سجنه “صخر” ثلاثة ايام، ولولا تدخل “الحج وزنة” الذي كانت تربطه به صداقة قديمة، فقد كان الحج صاحب صهريج البنزين الذي يغذي المنطقة بهذه المادة منذ سنوات عديدة، وكان أبو أدمون صاحب “بوسطة” لنقل الركاب إلى بيروت وقد كان يسافر بها كل يوم منذ أكثر من عشرين سنة وطريقه اليومي على “محطة وزنة” وعلاقته بالحج علاقة قديمة ومتواصلة. وقد كان الحج على ما يبدو له بعض المونة على “صخر” بصفته رجلا منظورا في تبنين وعنده مصلحة تمكنه من تأدية خدمات كثيرة لجماعة صخر. من هنا كان تدخل الحج بشأن ابو أدمون السبب في إخراجه من السجن بعد ثلاثة ايام.
وهكذا فلم يعد أحد يجرؤ على التوجه إلى بنت جبيل لطلب الطحين وأصبح الطحين “عملة نادرة”.
ولكن لحسن الحظ أن بعض المزارعين كانوا لا يزالون يزرعون القمح ضمن دورة زراعية معينة تهدف إلى عدم اجهاد التربة بزراعة نوع واحد دائم هو الدخان، وبما أن بعض الفلاجين كانوا لا يزالون يخبزون على “الصاج”، فان كمية بسيطة من هذا القمح كانت تلتقى في اغلب البيوت ولو لخلط الطحين الأبيض الأجنبي بالطحين البلدي كي يصبح العجين “حيالا”. ولم يكن هناك طبعا كميات كبيرة من هذا القمح لأن سعر القمح كان ضئيلا جدا بالمقارنة مع سعر الدخان لكي يعتمد كزراعة اساسية…
من جهة ثانية كانت هناك مشكلة الماء، فصحيح أن المياه الجارية التي كانت تصل القرى من مشروع الليطاني لم تكن دائمة، إلا أنها، مع مياه الأمطار والبرك وما يجمع في الآبار، كانت تقضي الحاجة. ولكن منذ أن سيطر الفلسطينيون على المنطقة توقفت مياه الليطاني وأصبح على المواطنين، بعد توقف مياه الأمطار كليا، وقد كادت تفرغ البرك بسبب استعمالها لزراعة التبغ وسقاية الماشية، أصبح على هؤلاء المواطنين أن يعتمدوا التقنين في مياه الآبار والتفتيش عن مصدر لمياه الشرب. وفي رميش لا يوجد سوى العين التي بقرب بستان “الحكيم” وعين “قطمون” وهما لا تكفيان لكل البلدة. لذلك كان “أبو فرج” أثناء محاولته احضار صهريج ماء لمنزله قد وصل في الأسبوع الماضي حتى برك رأس العين قرب صور. وكان هذا الصهريج هو نفسه الذي يستعمله ابو فرج عادة لنقل المياه من البركة إلى حقول المزارعين أثناء زراعة الدخان، وقد كان يقطره بواسطة التراكتور الذي يملكه ويستعمله لكل حاجاته الزراعية وغير الزراعية.
كان أبو فرج في البداية يحاول النزول إلى الناقورة لملء صهريجه من هناك فقد حفر بعض أصحاب البساتين آبارا ارتوازية في بساتينهم لسقاية الليمون والموز وغيرها من أشجار البساتين الساحلية، ولكنه فوجيء بأن الآبار لا تعمل وقيل له بأن مضخات البعض قد سرقت في تلك الفوضى ولم يعد أحد يجرؤ في الوقت الحاضر على تشغيل مضخته خوفا من أن تسرق، وقد حذره أحد أبناء علما الشعب من التوجه إلى حامول لأن الفلسطينيين لهم قاعدة هناك ولم ينصحه بتجربة نبع اسكندرون كونه بقرب معتصم البياضة حيث يتمركز الجيش العربي وقد يتعرض للأسئلة في حال التوقف. لكن أحد أبناء الناقورة اشار عليه بالتوجه إلى برك راس العين…
وصل أبو فرج، الذي كان غدا باكرا ليعود بغنيمته من المياه، إلى الخط الساحلي، وبعد الناقورة لم يعد أحد يسأله إلى اين يذهب فالحواجز هناك كانت تعتقده من المزارعين العاملين في البساتين. ولذا فقد استطاع بكل سهولة أن يصل إلى رأس العين ويملأ صهريجه ويعود دون حاجة للكلام مع أحد وقد فكر أنه سوف يستطيع أن يعمل منها شغلة، “بيع الماء” في هذا الظرف فكل الناس بحاجة للماء.
إعتقد ابو فرج بأن الحظ يضحك له هذه المرة وأن الموضوع سهل للغاية، ولكنه ما أن وصل إلى مفرق الرشيدية حتى أوقفه الحاجز هناك وسأله إلى اين ياخذ الماء. فاجاب ابو فرج بكل صراحة:
– لرميش…
فسأله المسلح:
– وانت من فين؟…
فأجاب:
– أنا… كمان من رميش…
– من فين جايب المي؟…
– من هون من راس العين.
– معك تصريح؟…
– تصريح؟… لشو؟…
– لشو؟… انزل تفرجيك لشو…
لم يعلم ابو فرج كيف نزل ولا ماذا جرى ولا أين أخذ ولم يذكر، بعد أن افاق في تلك الغرفة النتنة بقرب البحر حيث روائح العفن والأوساخ تختلط مع روائح السمك والبحر، إلا أنه أنزل بعد هذه المحادثة بالقوة وغاب عن الوعي بين كثرة الأيدي وأعقاب البنادق.
كان مخيم الرشيدية مقر أكثر المنظمات الفلسطينية تطرفا وهي الجبهة الشعبية وكان بقي يومين دون أن يطل عليه أحد أو يحضر له شيئا يأكله أو يشربه. ولكن في اليوم الثالث فتح الباب ودخل من ناداه باسمه فنهض ابو فرج وتبعه وإذا به يقوده إلى مكتب أحد المسؤولين هناك حيث قدم له بعض الطعام والماء ثم جاء أحدهم وقال له:
– انت بو فرج؟…
فأجاب:
– نعم
– بعدك تذكر فهد؟
فتذكر ابو فرج فهد الحمدوني الذي كانت تربطه به صداقة منذ ما قبل 1948 وقد شاهد في وجه هذا المسلح ملامح قريبة منه. فقال بصوت فيه شيء من الحماس:
– فهد الحمدوني؟.. كيف لكن… هيدا من أعز الأصحاب… شو بتكون لو؟…
– أنا ابن أخوه…
وهكذا فقد ساهمت صداقة فهد بالافراج عن ابو فرج ولكن من دون تراكتوره ولا صهريجه ولكنه لم ينس ذلك اليوم الذي كاد فيه صهريج ماء أن يودي بحياته… ومنذ تلك الحادثة لم يعد أحد يجرؤ على محاولة التفكير بإيجاد حل لأي مشكلة خارج الاطار الجماعي…
بعدما ارتاح سعيد من مشوار القطاف وتناول فطوره مع صغيريه وزوجته توجه إلى بيت ابو فادي فإذا بسيارة فرنيس هناك. وعندما دخل كان أبو فادي مجتمعا بالفعل مع فرنيس ومازن وبطرس الضباط الثلاثة الذين بقوا في المنطقة وكان كل منهم من بلدة فبطرس كان من دبل بينما كان مازن من عين إبل وكان أبو فادي يستعرض معهم أفكارا حول مستقبل هذه الضيع الثلاث في ظل الوضع الراهن.
كان الثلاثة ضباطا جدد ولم تكن لهم الخبرة الكافية لا لاتخاذ القرارات ولا لتقدير الأمور بحجمها الفعلي. فمن جهة هم موظفون وتقع عليهم مسؤوليات في اي قرارات تتخذ وقد تؤثر على مستقبلهم الوظيفي الذي لم يعودوا يعرفون عنه الكثير، ومن جهة ثانية كانت هناك ضرورة ملحة لأخذ قرار ما كي لا يتدهور الوضع وتهجر القرى وتصبح حياة المواطنين والعسكريين في خطر وعندها ايضا سيطالبون من موقع مسؤوليتهم كونهم الضباط الوحيدين المتواجدين على الأرض وعليهم واجب أتخاذ القرار الصائب لحماية الأهالي والعسكريين… وعندما دخل سعيد تنفسوا الصعداء، فصحيح أنه أدنى منهم رتبة إلا أنه قد مر بتجارب يعرفونها جميعا وهو ليس من رتباء الصف بل من أوائل المتخرجين من مدرسة الرتباء التي كان يتباهى بها الجيش، وقد أثبت قدرته في القتال وشارك في معارك حقيقية بالقرب من ضباط مشهود لهم بالقدرة وبالوطنية والاندفاع. وقد كان وأحد رفاقه من الرتباء تابع منذ عام تقريبا دورة كومندوس متقدمة في فرنسا زادته ثقة بالنفس. لذلك فقد كان الضباط الثلاثة يرون به خير معين لاتخاذ القرار الملائم في الوضع الراهن.
دار الحديث ساعة كاملة وأعيدت فيه كل الطروحات واستعرضت كافة الامكانيات، من التملق لجماعة الجيش العربي ومحاولة كسب الوقت إلى امكانية الاتصال بالقيادة بواسطة أحد الضباط أو العناصر المسلمين، وقد كان جواب “أحمد” في هذا الصدد أنه ليس بالامكان التجرؤ على ذلك في الوقت الراهن، وأن معلوماته أن الجماعة ينوون بالفعل الانتهاء من موضوع الأسلحة في رميش ليضمنوا سيطرتهم التامة، وحسب رايه، وهذا ما كان نقله بطرس عن لسانه، بأن الأوامر من الفلسطينيين بانهاء وضع رميش بأسرع وقت قد تلقاها مسؤول الجيش العربي في صور وطلب منه تسليم هذه الأسلحة ولو أدى الأمر إلى استعمال القوة.
– إذن لم يبقَ امامنا إلا الخيار الصعب، قال أبو فادي… وهو أن تجمعوا عساكركم وتتأهبوا للدفاع عن المنطقة…
فأجاب فرنيس:
– الحكي هين، يا بو فادي… منين السلاح؟… والذخيرة؟… وبعدين… إذا انجرح عسكري معك وين بتعالجو؟ حبة “اسبيرين” ما في عنا… شو القصة بهورة؟…
– بعدين يا بو فادي، أردف مازن مؤيدا زميله، اذا انفتحت المعركة، يعني معركة بكل شي… يعني مدنية وعسكرية… يعني… شو عندك تموين؟… أكل لها الناس… هلق بدون معركة، وبعدنا منسترجي نطلع عا بنت جبيل، وبعد في مين نحكي معو، ولا قادرين نجيب كيس طحين ولا نقطة بنزين ولا شربة مي… شو بصير لكن إذا فتحنا معركة؟… انت مفكر الفلسطينيي واللي وراهن قننوا الطحين والبنزين والأكل والمي هيك بلا سبب؟… عم يفرجونا إنو حياتنا تحت رحمتهن… بإيدن منعيش أو منموت… القصة مش بس قصة سلاح…
– أي والله، أجاب ابو فادي، إذا كانت هيك القضية… عليي وعلى أعدائي يارب… أنا الليلة رايح على الحدود أطلب من الاسرائيليي يجوا يحمونا من آلة هالمكلبة هيدي اللي بدا تذلنا…
– وليش شو هني الاسرائيليي بأمرك، أشار بطرس، وبس ناطرين اشارة منك؟… لو بدن يتدخلوا مش طالبين راينا، كانوا من وقت اللي شافو الجيش العربي طالع نازل، هون وبمرجعيون، كانوا ضربوه… أنا شايف هني عاجبن هيك ومش فارقة معن ان رحنا والا بقينا… شو رايك يا سعيد”…
والتفت الجميع صوب سعيد الذي لم يكن قد علق بعد على الموضوع فقال:
– شو بعرفني؟.. الوضع مش هين… ولازم يندرس منيح… أكيد عمليا الموضوع الرئيسي بيتعلق بالذخيرة والسلاح، بس كل الاشيا بترتبط ببعضها وما فينا نفصل حياة المواطنين عن امنهن… ما بدنا نكون طلعنا من تحت الدلفة لتحت المزراب… يعني نروح نفتح معركة مع الفلسطينيي والجيش العربي وتاني يوم ما نعود نلاقي شي للأكل أو للشرب… ما بقدر أعطي راي هلق عن موضوع إسرائيل لأنو مش شايفين خيرها من شرها ولا عارفين إذا فينا نقول في شي بيخدم مصلحتها بصمودنا وهيدا سبب حتى تساعدنا، بس ما بعرف إذا الضباط بوافقوني الراي حول مدى التمادي بالعلاقة مع الاسرائيليي… هل الأمور رح تبقى هيك؟… هل راح يرجع يصير في دولة؟… شو راح يكون موقفها مننا؟… ما في حدا قادر منا يوصل على بيروت ويسأل؟… ما بعرف… بس… من جهة تاني، أنا بلاقي في شوية حق مع ابو فادي… يعني… إذا ما فتحنا باب على اسرائيل ما إلنا غير نوطي راسنا وننذل لصخر ولبلال ولغيرهن.
– فإذن شو رايك يا سعيد تروح أنت مع ابو فادي من قبلنا على الحدود وتشوف شو السيرة؟… أشار فرنيس.
– وليش أنا، أجاب سعيد، ما انتو، ما شا الله تلاتة، وضباط، وبتعرفوا أكيد أكتر مني…
– ما هوي الموضوع لأنو نحنا ضباط، أجاب فرنيس… إذا بدك اعتبر الموضوع أمر وروح شوف شو في، يعني مهمة استطلاع… وكون أكيد ما حدا بيعرف عن الموضوع إلا الأشخاص الموجودين هون…
– لا… إذا كان موضوع أمر، قال سعيد، بدي أمر خطي… وإذا ما فيكن… بتحلفوا على الانجيل كلكن إنو منتحمل المسؤولية سوى…
وهكذا كان فقد أقسم الجميع في ذلك المساء على ألا يخبر أحد بما يجري وعلى تحمّل مسؤولية القرار، وتبرع سعيد بالمقابل بمرافقة أبو فادي إلى الحدود. وهكذا فقد اصبح لدى سعيد رغبة أقوى وثقة أكبر لمواجهة الاسرائيليين لأنه لم يعد وحيدا بل اصبح يمثل المجموعة العسكرية بكاملها نوعا ما…
بعد ايام بدأت الأمور تتغير فقد نصبت خيمة على الحدود في وادي كفربرعم أخذ يداوم فيها طبيب من الجيش الاسرائيلي وأخبر الأهالي بأنه يمكن مساعدتهم من الناحية الطبية في هذه الخيمة. ثم مد قسطل ماء إلى داخل الأرض اللبنانية ودعي المواطنون أيضا إلى املاء صهاريجهم بدون مقابل… وهكذا بدأت سياسة “الجدار الطيب” في منطقة رميش ودخل هذا المصطلح قاموس الحرب اللبنانية ومعه أحداث وتطورات لم يكن يحلم بها أبناء هذه المنطقة التي لم تذكر في كتب الجغرافيا ولا في خرائطها، وسوف تصبح محورا أساسيا في التحولات في السنين العشر القادمة…

******************
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة التمهيد والحلقة الأولى (طريق البحر) من كتاب الكولونيل شربل بركات “المداميك”
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثانية

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الأول…الحلقة الخامسة

*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/ الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثانية
* ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثاني…الوصول إلى عين إبل/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الأولى
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثانية
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الثالثة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الرابعة
*ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الثالث/الحلقة الخامسة
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الرابع/الحلقة الأولى/سيطرة المنظمات
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الرابع/الحلقة الثانية
ملاحظة/اضغط هنا لقراءة كتاب الكولونيل شربل بركات “مداميك”/الفصل الخامس/الحلقة الأولى/الجدار الطيب