فيديو مقابلة مع سجعان قزي من تلفزيون المر في ذكرى اغتيال بيار أمين الجميل والإستقلال ال 77: البطريرك الراعي خلق جواً سيادياً واستقلالياً جامعاً/أي مس بالتوازن الطائفي سوف يغير بجعرافية لبنان/مشروع حزب الله لن يمر/ نحن في لبنان منذ 1600 سنة وباقين إلى نهابة الأزمنة

72

فيديو مقابلة مع سجعان قزي من تلفزيون المر: البطريرك الراعي خلق جواً سيادياً واستقلالياً جامعاً/أي مس بالتوازن الطائفي سوف يغير بجعرافية لبنان/مشروع حزب الله لن يمر/ نحن في لبنان منذ 1600 سنة وباقين إلى نهابة الأزمنة
21 تشرين الثاني/2020

تغريدات متفرقة لسجعان قزي
*إلى بيار أمين الجميل: ما كان يجب أن ترحل. استشهدت في سبيل لبنان كبقية أفراد عائلتك ورفاقك، لكنك كنت وجهًا واعدًا وقادرًا. راهن عليك حلفاؤك مشروعَ قيادة وطنية، فاغتالوك كما اغتالوا جميع المشاريع الوطنية. أحبّك وأتذكرك

*قاومنا عسكريًّا المسَّ بالكِيانِ اللبنانيّ حين كان المعتَدون غرباءَ وأعداء. ونجحنا في جميع المواجهات. أما اليوم، فنحن أعداءُ أنفِسنا وغرباءٌ عن بعضِنا البعض. نحن شعبٌ يحتلّ دولتَه ويعتدي على نظامِه ويَقتسِمُ أرضَه ويَضرِبُ سيادتَه بنفسه، فمَن نقاوم؟ أنخوض حربًا أهلية؟

*لا حلَّ للقضيّة اللبنانيّة قبلَ حل إشكاليّة #حزب_الله. 2) لا حل لإشكاليّة حزب الله قبل التحاقِ سلاحِه بالدولة وفَصلِ ولائه الدينيّ لإيران عن ولائِه الوطني للبنان. 3) لا حل للقضيّة اللبنانيّة ولا حل لإشكاليّة حزب الله ما لم تَحدُث تحوّلات في موازين القِوى

*من يُنقِذُ لبنان؟ لبنانُ في حاجةٍ إلى مُنقِذ. ما يَجري اليومَ تحت شعارِ الإنقاذِ، يرسِّخُ مَنحى الانهيارِ خصوصًا أنَّ الـمُـولَجين به هم سببُ البَلاء. كَشَفت تجاربُ الشعوبِ والدولِ أنْ حين تَدخُل دولةٌ طورَ الانهيارِ والتفكّك، قلّما تُنقذُها برامجُ وخُطَطٌ ومؤتمراتٌ

*يظنّ البعض إنقاذَ #لبنان يَتمّ عبرَ تحالفات حزبيّة ضدّ تحالفاتٍ حزبيّة أُخرى، وعبرَ تحالفات مذهبيّة ضدّ تحالفاتٍ مذهبيّة أخرى؟ ألم نَر ماذا فعلت هذه التحالفات والاصطفافات بالبلاد؟ ليس مصيرُ لبنان مرتبطًا بمصيرِ أيِّ طرفٍ، بل مصيرُ كلِّ الأطرافِ مرتبطٌ بمصيرِ لبنان.

*يسعى أصدقاءُ لبنان إلى مساعدتِنا، فتَضعُ الدولةُ نفسَها في حَجْرٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ، وتُعاقب نفسَها قبلَ أن يُعاقبَها الآخرون. ماذا يَنتظر الحكمُ ليُعيدَ النظرَ في خِياراتِه ومواقفِه؟ وماذا يَنتظرُ المسؤولون والقوى السياسيّةُ لكي يَلتقوا حولَ مشروعٍ إنقاذيّ؟

*ظُنُّ شعوبٌ أنَّ فشلَ الدولة يُستعاض عنه بثورة تحقّقُ الإنقاذَ بمجرَّد اندلاعِها. لكنْ سَها عن البالِ أن الثورة تبقى ثورةً تدور حولَ ذاتِها في الشوارع ما لم يَبرُز من خلف غُبارِها قائدٌ يشكرُ حماستَها ويوظّفُ طاقاتِها الثوريّة في مشروعٍ إنقاذيّ ويَبني دولةً مستقرّة.

*الديمقراطيةُ تستطيع إنقاذَ شعبٍ من أزْمةٍ عميقةٍ إذا كانت مكوّناتُ الشعبِ تَعيش في كنفِ الشرعيّة وتَحتكمُ إلى الدستور، أما في وضعِ لبنان، فالديمقراطيّةُ شَهَرت عجزَها لا في الدفاعِ عن الشعبِ، بل حتى في الدفاعِ عن نفسِها وعن الشرعيّة. فمَن يُنقذُ لبنان؟

*يُفتَرضُ أن يُطِلَّ منقِذُ لبنان من خلالِ النظامِ ومن إحدى المؤسّسات عَبرَ الآلياتِ الدستوريّةِ والأعرافِ الميثاقية. لكنْ، ما كنّا في حاجةٍ إلى مُنقذٍ لو كان النظامُ والمؤسّساتُ الشرعيّةُ والحزبيّةُ تَعمل بانتظام.

*إذا صحّت الأنباء عن توجه أميركا إلى وضع عقوبات على اللواء عباس ابراهيم، فهل بصفته مديرَ عام الأمن العام أم وزيرًا للخارجية في المُلمّات أم المفاوِض بين لبنان وسوريا أم قريبًا من الثنائي الشيعي أم عرّاب عودة النازحين؟ أميركا، أميركا تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب واحد

*اتفاق وقف إطلاق النار بين ارمينيا وأذربيجان يفتقر إلى السلام العادل، وهو لا يحل المشكلة المزمنة بين الدولتين حول إقليم ناغورنو_كاراباخ. ولا يُستبعد بالتالي أن تعود الحرب في مراحل لاحقة. كل حل مُجحِف هو مشروع حرب لاحقة ولو بعد مئة سنة.

*لعقوبات الأميركية: “تحالف الـمُعاقَبين” أكبر جبهة سياسية في لبنان. ميزته أن أبوابه لا تزال مفتوحة أمام انضمام أعضاء جدد. وخلافَ التحالفات الأخرى، تحالف الـمُعاقَبين عابر الطوائف والأعمار والطبقات الاجتماعية. ينبع من حزب الله ويصب في أميركا ويطوف في لبنان.

*مأساةُ لبنان أنَّ مفهومَ الزعامةِ محليٌّ يَنحصرُ داخلَ الطوائف، وقَلّما خَرجَ زعيمٌ يُمثّلُ الوطنَ بكلِّ مساحتِه والشعبَ بكلِّ تلاوينِه. وإنْ خَرجَ يُقتلُ كأنّما مكتوبٌ على اللبنانيّين أنْ يَظلّوا دويلات ويَحلُموا بدولة.

*المشاريعُ الإصلاحيّة موجودة في إداراتِ جميعِ الدولِ ومؤسّساتها، لاسيّما في لبنان. لكن، ما لم يَبرُزْ رجلٌ عظيم (أو امرأة عظيمة) ـــ وليس بالضرورة أن يكون زعيمًا بالولادة ويأخذ على عاتقه إنقاذ الأمّة بحزمٍ وتجرّد، تواصِلُ الدول مسارَها المنحدِر حتى السقوطِ العظيم.

*من أجل الإطاحة بالملكية، قتلت الثورة_الفرنسية (1789) نحو 200 ألف مواطن في الأشهر الثلاثة الأولى من الثورة، ثم الملك لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت. اليوم 15/11/20 بيعت سكربينة ماري أنطوانيت في مزاد علني في فرساي ب 43750 أورو. لست واثقا أنها السكربينة “الأصيلة”.

لن نُسلِّمَ لبنان
سجعان قزي/افتتاحيةُ جريدة النهار/الخميس 19 تشرين الثاني 2020
إن حَتميةَّ التاريخِ تَضَعُ لبنان أمامَ خِياراتِ إنقاذٍ ثلاثة:
1) إنقاذٌ من خلالِ حوارٍ سياسيٍّ يَحسِمُ نهائيًّا موضوعَ وِحدةِ لبنان المركزيّة، وهذا مدارُ تَـمّنٍّ.
2) إنقاذٌ من خلال الجيشِ اللبنانيّ يَحسِمُ وِحدةَ السلاح، وهذا مدارُ نقاش.
3) إنقاذٌ من خلالِ الشعبِ الذي قد يحوِّلُ الثورةَ مقاومة، وهذا مدارُ بَحث. حينئذ، يحلو الحديثُ عن… شعبٍ وجيشٍ ومقاومة.
*****
كان المجتمعُ الدولي (العربي ضِمنًا) يَعتبر أنظمةَ المِنطقةِ تؤدّي وظيفةً، ولبنانَ يؤدّي دورًا. الوظيفةُ عَقدُ مَهمّةٍ محدودٌ في الزمانِ والمكان. الدورُ رسالةٌ متجددّةٌ في خِدمةِ الحضارةِ والسلامِ والإنسانيّة. كلّما كان نظامٌ عربيٌّ يُنهي مَهمّتَه الوظيفيّةَ كان يَسقُطُ كالعصفورِ ولَو النِسرُ شِعارُه. وكلّما كان لبنانُ يقومُ بدورٍ كان وجودُه يَتعزّز. الخَشيةُ اليومَ أن يَتنازلَ لبنانُ عن “الدورِ” ويختارَ “الوظيفة”، فيَسقُط.
الصراعُ الحقيقيُّ في البلادِ يَدور بين جماعةٍ لبنانيّةٍ مُتعدِّدةِ الطوائفِ تَحرِصُ على لبنان الدور، وجماعةٍ لبنانيّةٍ أخرى، مُتعدّدةِ الطوائفِ أيضًا، تَخلعُ على لبنانَ وظيفةً على مستوى مشروعِها لأنّها لم تَستطِع أنْ تَسموَ إلى مستوى دورِ لبنانَ التاريخيّ.
تَسعى هذه الجماعةُ إلى تحويلِ الدولةِ نظامًا وتوظيفِه أجيرًا لدى أنظمةِ المِنطقةِ وثوراتِها وصراعاتِها ومشاريعِها التوسعيّة. هذا التحوُّلُ، عدا أنه يُقسِّمُ الشعبَ والبلد، يُفقِدُ لبنانَ مُبرِّرَ وجودِه الوِحدويِّ المميَّز. ومتى فَقدَت دولةٌ مُبرِّرَ وجودِها لا يعودُ أصدقاؤها يدافعون عن بقائِها، ويُستَغنى عنها في أوّلِ مناسبة. والخَشيةُ الأخرى ألا يَنتهيَ هذا الصراعُ سياسيًّا لأن جميعَ المساعي السياسيّةِ، منذ التسعينات الماضيةِ، باءت بالفشلِ ودَفعت لبنانَ نحو الانهيار.
لبنانُ تجاوزَ جميعَ حروبِه وأزماتِه السابقةِ لأنَّ العالمَ اعتبرَ دورَه الحضاريَّ حاجةً في مِنطقةِ الشرقِ الأوسطِ لعدّة أسبابٍ أبرزُها:
1) تأمينُ ملاذٍ وطنيٍّ آمِنٍ وحرٍّ للمسيحيّين اللبنانيّين ليظلّوا رعاةَ الوجودِ المسيحيِّ الباقي في الشرقِ وباعِثي معنويّاته، وهذا هو معنى مارونيّةُ رئيسِ الجُمهوريّة.
2) اختبارُ تجربةِ التعايشِ بين الإسلامِ والمسيحيّةِ على أرضِ الواقع في إطارِ دولةٍ واحدةٍ ومجتمعٍ واحِد.
3) الارتكازُ على نظامِه الديمقراطيِّ لتعميمِ الديمقراطيّةِ على دولِ الشرقِ الأوسط.
4) الاستعانةُ بطاقاتِه ومؤسّساتِه الفكريّةِ والتعليميّةِ لتكوينِ نُخبِ العالم العربيّ.
5) الاعتمادُ على نِظامِه الاقتصاديِّ النيو ـــ ليبراليِّ ومؤسّساتِه المصرفيّةِ في مواجهةِ الأنظمةِ الاشتراكيّةِ والعقائدِ الشموليّةِ التي سَبقَ أنْ سادت غالبيّةَ دولِ العالمِ العربيّ.
الأسبابُ الخمسةُ ـــ أي مُبرراتُ الوجود ـــ يتهاوى واحدُها تلوَ الآخر مع إقدامِ أخصامِ “لبنانَ الدور” على ضربِها بشكلٍ منهجيٍّ، وسْطَ انهزاميّةِ المؤتَمنين على لبنان أكانوا في الشرعيّةِ أو في الشارع.
أُنشِئَ لبنانُ للتعايشِ، فأين التعايشُ؟ أُنشِئَ للديمقراطيّةِ، فأين الديمقراطيّة؟ أُنشِئَ لريادةِ المسيحيّين، فأين رِيادةُ المسيحيين؟ أُنشِئَ للحيادِ، فأين الحياد؟ أُنشِئَ للبحبوحةِ، فأين البحبوحة؟ أُنشِئَ للرُقيِّ والثقافةِ والحضارة، فأيْـنَنا منها؟
تكاثرت الأحداثُ السيّئةُ، وهي من علاماتِ الزمان، تدعونا إلى اليَقَظةِ والاستنفارِ وتغييرِ الأَداء. تجاهَلْنا جميعَ المؤشّرات: لَـم نَسمع صفّاراتِ الإنذار. لم نُشاهد الغيومَ تَتلبّد. لم نَشُمّ رائحةَ البارود. لم نَذُق الخبزَ اليابس. لم نَتذكّر مآتمَ الشهداء. لم نَرَ البَدْرَ يُمسي هلالًا ولا الشمسَ تَتقمّصُ سيفًا حارقًا. صَخْبُ الحياةِ السياسيّة والاجتماعيّةِ حَجَبَ الرؤية.
ما إنْ تَهاوَت أدوارُ لبنان، حتى راحت الدولُ الأجنبيّةُ تتعامل مع اللبنانيّين بمنأى عن الدولة: المساعداتُ تأتي إلى الجمعيّات مباشَرةً. لَقاحُ الكورونا إلى الجامعاتِ والجيش. الاستثماراتُ ـــ إنْ أتَت ـــ تُراقبُها الدولُ المانحةُ. الموفَدون يُفاوضون ممثّلي الأحزابِ والطوائف والمجتمع المدني. والسفراء خَفّفوا زياراتِهم الرسميّين. حين تَرفُض دولٌ أجنبيّةٌ التعاملَ مع الدولةِ اللبنانيّة، يَعني أنَّ الدولةَ فَقدَت صِدقيّتَها رغمَ شرعيّتِها، ويَعني تاليًّا أنَّ شرعيّةَ الدولةِ غيرُ كافيةٍ لبقاءِ أركانِ الطبقةِ السياسيّةِ في قيادةِ الدولة. ويعني استطرادًا أنَّ تغييرَ هؤلاء يُغْني عن تغييرِ الدولة. واللبنانيّون أَصلًا أمامَ خِيارِ تغييرِ بُنيةِ الحُكّام أو بُنيةِ الدولة.
لبنان، الدولةُ الصغيرةُ، يَحتوي في بنيتِه مكوناتِ إمبراطوريّةٍ كبرى، ويُشبِه تحديدًا النمسا بين 1870 و 1914: إمبراطوريّةٌ متراميةُ الأطرافِ ضَمّت مَجموعاتٍ عِرقيّةً ودينيّةً وحضاريّةً مختلِفةً (الجرمانيّة، الـمَجريّة، الصربيّة، الكرواتيّة، السلوفاكيّة، الروثنيّة، البولونيّة، الإيطاليّة، إلخ…)، وضَبطَتْها عصورًا في إطارِ نظامٍ قويٍّ. لكن ما إن ضَعُفَ الحكمُ المركزيُّ في فيينّا منتصفَ القرنِ التاسعِ عشَر، حتّى بدأت كلُّ مجموعةٍ تطالبُ بالاعترافِ بخصوصيّتِها الذاتيّةِ في إطارِ الإمبراطوريّة. تَجاوب الإمبراطورُ فرنسوا-جوزيف مع غالبيّةِ المطالِب علّه يُنقِذُ وِحدةَ البلاد، فطَمَعت المكوّناتُ في تنازلاتِ الإمبراطور وصارت تطالبُ بالانفصالِ عن الإمبراطورية. ظَلَّ الصراعُ الكيانيُّ قائمًا إلى أن سَقطت الإمبراطوريّةُ النمساويّةُ في الحربِ العالميّةِ الأولى؛ فتَوزّعَت القوميّاتُ في كياناتٍ صغيرةٍ، واكتفَت النمسا بدولةٍ حياديّةٍ صغيرةٍ يَحُدُّها بيتهوڤن شمالًا، وموزار جنوبًا، وهايْدِن شرقًا، وشْتراوش غربًا.
إذا كان لبنانُ أصغرَ من أنْ يُقسَّمَ، ونحن ضِدَّ تقسيمِه كبيرًا كان أو صغيرًا، فهو أيضًا أصغرُ من أنْ يَتحمّلَ صراعاتِ المِنطقةِ والعالم. والطريفُ أنَّ من يُجاهدون اليومَ لتقسيمِه وهو موحَّدٌ، يَتّهمون بالتقسيمِ من وحّدوه حين كانَ مقسَّمًا.
إنَّ الجماعةَ اللبنانيّةَ الحضاريّةَ، وإن كانت ترفضُ العيشَ في ظلِ واقعِ لبنان الحالي المتخلِّف، الـمُنحَطِّ، الـمُحتَجِبِ، الـمُعَسكَرِ، الـمُتسَوِّلِ، الـمُعاقَبِ، المعزولِ، الـمُشوَّه، والفاقدِ الدور، فهي لن تُسلِّمَ لبنانَ 1920 إلى طالبي صَلْبِه. هذه الجماعةُ، المتعدِّدةُ الطوائف، ستسترجِعُ لبنان وتزيلُ آثارَ التشويهِ عن جَبهتِه وهُوّيتِه وتُسفِرُ عن وجهِه.
في مثلِ الحالةِ اللبنانيّةِ، حريٌّ بنا أنْ نَستنهضَ روحَ الأمّةِ وعزّةَ الوطنِ وعَصبَ الصمود، وأن نُوقفَ نهجَ التنازلِ اللامتناهي منذ الثمانيناتِ إلى اليوم.
حريٌّ بنا أن نستعيدَ زمنَ المقاومةِ ونَنفضَ الغُبارَ عن القضيّةِ اللبنانيّةِ التي بَذلَ أطرافٌ جُهدًا لحَجبِها وأرْشَفتِها.
حريٌّ بنا أن ندفعَ لبنانَ إلى الاستقالةِ من “الوظيفة” فيَتربّعَ على عرشِ “الدور”.
نناشدُ مَن بَعدُ في الدولةِ يَذكُرون زمنَ المجد، أن يَنتفضوا على سَجّانيهم ويُنقذوا لبنانَ من خلالِ مؤسّساتِ الشرعيّة، وفي طليعتِها الجيشُ اللبناني.
إن حَتميةَّ التاريخِ تَضَعُ لبنان أمامَ خِياراتِ إنقاذٍ ثلاثة:
1) إنقاذٌ من خلالِ حوارٍ سياسيٍّ يَحسِمُ نهائيًّا موضوعَ وِحدةِ لبنان المركزيّة، وهذا مدارُ تَـمّنٍّ.
2) إنقاذٌ من خلال الجيشِ اللبنانيّ يَحسِمُ وِحدةَ السلاح، وهذا مدارُ نقاش.
3) إنقاذٌ من خلالِ الشعبِ الذي قد يحوِّلُ الثورةَ مقاومة، وهذا مدارُ بَحث. حينئذ، يحلو الحديثُ عن… شعبٍ وجيشٍ ومقاومة.
*****

مَن يُنقِذُ لبنان؟
سجعان قزي/افتتاحيّةُ جريدةِ النهار/12 تشرين الثاني 2020
من يُنقِذُ لبنان؟ لبنانُ في حاجةٍ إلى مُنقِذ. ما يَجري اليومَ تحت شعارِ الإنقاذِ، يرسِّخُ مَنحى الانهيارِ خصوصًا أنَّ الـمُـولَجين به هم سببُ البَلاء. كَشَفت تجاربُ الشعوبِ والدولِ أنْ حين تَدخُل دولةٌ أو مملكةٌ أو إمبراطوريّةٌ طورَ الانهيارِ والتفكّك، قلّما تُنقذُها برامجُ وخُطَطٌ ومساعداتٌ ومؤتمراتٌ ومبادرات. المشاريعُ الإصلاحيّةُ موجودةٌ أصلًا في إداراتِ جميعِ الدولِ ودساتيرِها ومؤسّساتها، لاسيّما في لبنان. لكنْ، ما لم يَبرُزْ رجلٌ عظيمٌ (أو امرأةٌ عظيمةٌ) ـــ وليس بالضرورةِ أن يكونَ زعيمًا بالولادةِ وبالسيرةِ الذاتيّةِ وبالقوّةِ التمثيليّة ـــ ويأخذْ على عاتقِه إنقاذَ الأمّةِ بحزمٍ وتجرّدٍ وبُعدِ رؤية، تواصِلُ الدولُ مسارَها المنحَدِرَ حتى السقوطِ العظيم. يكاد يكون هذا الاستنتاجُ قاعدةً عَبرَ التاريخِ القديمِ والحديث.
وتَظُنُّ شعوبٌ أنَّ فشلَ الدولةِ يُستعاضُ عنه بثورةٍ تحقّقُ الإنقاذَ بمجرَّدِ اندلاعِها. لكنْ سَها عن البالِ أن الثورةَ تبقى ثورةً تَدورُ حولَ ذاتِها في الشوارع ما لم يَبرُز من خَلفِ غُبارِها قائدٌ يَشكرُ حماستَها ويُوظّفُ طاقاتِها الثوريّةَ في مشروعٍ إنقاذيٍّ ويَبني دولةً مستقرّة. لكانت الثورةُ الفرنسيّةُ سنةَ 1789 استمرّت عقودًا لو لم يأتِ نابوليون بونابرت ويقومُ بالتغييرِ ويَسُنُّ التشريعاتِ ويُجري الإصلاحاتِ ويؤسِّسُ الدولةَ الجديدة. ولكانت الجُمهوريّةُ الفرنسيّةُ بعدَ التحرير (1945) لا تزال مُضطَربةً سياسيًّا حتّى اليوم لو لم تُسَلِّم مقاليدَ الحُكمِ إلى الجنرال شارل ديغول، فأرسى دستورَ الجُمهوريّةِ الخامسةِ الذي ثَبّتَ استقرارَ فرنسا واستقلالَها.
لا يعتقدنَّ القارئُ أنّي أنتظرُ نابوليون وديغول. العقلُ زينةُ الكتّاب مبدئيًّا. ومع ذلك، لا يوجدُ حاليًّا مؤشِّرٌ إلى بروزِ شخصيّةٍ لبنانيّةٍ واعِدة. المواسمُ كسادٌ والمجتمعُ بَوارٌ والنَسْلُ آسِن. ومَن وضَعَتهم مواقِعُهم ومناصبُهم في عينِ الزعامةِ المنقِذَةِ أضاعوا، بغالِبيّتِهم، قَدرَهم ودورَهم في العبثِ واللهوِ والانتقامِ والتردّدِ والأنانيّةِ، في الحساباتِ الخاطئةِ والتحالفاتِ الباطلةِ، وفي الطموحاتِ الصغيرة والأحلامِ الخياليّة. مأساةُ لبنان أنَّ مفهومَ الزعامةِ محليٌّ يَنحصرُ داخلَ الطوائف، وقَلّما خَرجَ زعيمٌ يُمثّلُ الوطنَ بكلِّ مساحتِه والشعبَ بكلِّ تلاوينِه. وإنْ خَرجَ يُقتلُ كأنّما مكتوبٌ على اللبنانيّين أنْ يَظلّوا دويلات ويَحلُموا بدولة.
من هنا، لا أدري إذا كان سببَ انهيارِ لبنان الطبقةُ السياسيّةُ فقط أم انهيارُ تجربةِ الدولةِ ـــ الأمّةِ التي تَسقُط تدريجًا في العالمِ في أحضانِ كِياناتٍ أضيقَ (الاتحادُ السوفياتيّ والبَلقان والشرقُ الأوسط) أو اتّحاداتٍ أوسعَ (أوروبا، آلينا وبريكست)؟ الشعوبُ الواثقةُ من نفسِها واستقلالِـها انفتَحت كِياناتُها على اتّحاداتٍ إقليميّة، والشعوبُ الخائفةُ
على خصوصيّاتِها فَضّلَت تقريرَ مصيرِها في كياناتٍ جديدةٍ تَضمَنُ استقلالَها الذاتيَّ وحضارتَها ونمطَ حياتِها. إذا كان واقعُ الشرقِ الأوسطِ الـمُتَفتّتُ لا يَسمَحُ للبنانَ حاليًّا الانخراطَ باتّحاداتٍ إقليميةٍ، رهانُنا ألّا نَسمَحَ لواقعِ لبنانَ الـمُتَفتّتِ بالقضاءِ على الوِحدةِ الكيانيّة. لذلك لا بُدَّ من مُنقذٍ يُوقِف اندفاعَ اللبنانيّين نحو الخِياراتِ الصعبة.
دَعُونا من تحوّلاتِ الشرقِ الأوسط. إنَّ الأداءَ السياسيَّ في لبنان، بحدِّ ذاتِه، يؤدّي إلى كلِّ شيءٍ إلا إلى وِحدةِ لبنان. إلى ما يؤدّي تعطيلُ الاستحقاقاتِ الدستوريّةِ وتنحيةُ الدولةِ ومنعُ تأليفِ الحكومات؟ إلى ما يؤدّي وجودُ جيشِ حزبِ الله وزعزعةُ دورِ المؤسّسات العسكرية والأمنية وانتهاكُ الحدودِ الدولية؟ إلى ما يؤدّي تَطوّرُ المجتمعِ السُنّي وتبدّلُ البيئةِ الشيعيّةِ وهِجرةُ المسيحيّين؟ إلى ما يؤدّي ضربُ مقوِّماتِ الاقتصادِ الوطنّيِ والنقدِ اللبنانيّ ونظامِ المصارف؟ إلى ما يؤدّي عَطْبُ مؤسّساتِ الإشعاعِ اللبنانيِّ كالمدارسِ والجامعاتِ والـمُستشفياتِ والإعلام؟ إلى ما يؤدّي بروزُ ثقافاتٍ وأنماطِ حياةٍ، بل مجتمعاتٍ مُكتمِلةِ البُنى التحتيّة، غريبةٍ عن تراثِ اللبنانيّين مسيحيّين ومسلمين ودروزًا؟ إلى ما يؤدّي تفجيرُ المرفأ وهدمُ بيروت وإعاقةُ انطلاقِ وسَطِها وإفقارُ الناسِ وتجويعُها؟ إلى ما يؤدّي توطينُ اللاجئين الفِلسطينيّين وبقاءُ النازحين السوريّين ومراسيمُ التجنيس؟ إلى ما يؤدّي مُخطَّطُ دفعِ اللبنانيّين إلى القرفِ واليأس وقد أصبحا حالةً “وطنيّة” لا نفسانيّةً فقط؟ وأخيرًا، لا آخِرًا، إلى ما يؤدّي إجهاضُ جميعِ برامجِ الإصلاحِ والإنقاذِ اللبنانيّة والدوليّة؟
مجموعُ هذه الأداءات يَهدِفُ إلى أنْ يَكفُرَ الشعبُ بلبنانَ الكبير، وأنْ يُسلِّمَ بمنطقِ عبثيّةِ العيشِ المشتَركِ في دولةٍ واحدةٍ مركزيّةٍ، وأنْ يَستَسْهِلَ الخِياراتِ الأخرى المخالِفةَ الخِيارَ الوطنيَّ الأصيل، وهو خِيارنُا الأساسيّ منذ عهدِ الخِلافةِ والإمارةِ فالجُمهورية. ولْيكن واضحًا أنَّ الوقوعَ في تجربةِ الخِياراتِ البديلةِ هو مسؤوليّةُ الـمُسَبِّبِ بها، لا مسؤوليّةُ من يَتقبَّلها من منطقِ “لا حولَ ولا قوّة”.
قاومنا عسكريًّا المسَّ بالكِيانِ اللبنانيِّ والدولةِ والنظام حين كان المعتَدون غرباءَ وأعداء. واجَهنا احتلالَ المنظّماتِ العسكريّةِ الفِلسطينيّةِ والجيشِ السوريِّ والقوّاتِ الإسرائيليّة. نجحنا جميعًا في جميع المواجهات ـــ ولو عَبر مقاومتين مُختلفتَين ـــ أما اليوم، فنحن أعداءُ أنفِسنا وغرباءٌ عن بعضِنا البعض. نحن شعبٌ يحتلُّ دولتَه ويَعتدي على نظامِه ويَقتسِمُ أرضَه ويَضرِبُ سيادتَه بنفسه، فمَن يقاوم مَن؟ أيَتقاتلُ المقاومون السابقون فنُمسي في حربٍ أهليّةٍ يسعى إليها الأعداءُ الجددُ والقدامى؟ مواجهةُ اللبنانيِّ الآخَرِ ليست مقاومةً، بل حربٌ أهليّةٌ يتحاشى الجميعُ اندلاعَها رغمَ أن البعضَ يَدفع باتّجاهِها.
من يُنقِذُ لبنان؟ لبنانُ في حاجةٍ إلى مُنقِذ. في ظلِّ الصيغةِ اللبنانية، يُفتَرضُ أن يُطِلَّ المنقِذُ من خلالِ النظامِ ومن إحدى المؤسّسات عَبرَ الآلياتِ الدستوريّةِ والأعرافِ الميثاقية. لكنْ، ما كنّا في حاجةٍ إلى مُنقذٍ لو كان النظامُ والمؤسّساتُ الشرعيّةُ والحزبيّةُ تَعمل بانتظام.
كَشف التاريخُ الحديث، أنَّ الديمقراطيّةَ ليست حلًّا دائمًا لكلِّ الحالاتِ والمجتمعاتِ والدول. وإذا كانت الديمقراطيّةُ أفضلَ نظامٍ دُستوريٍّ لتمثيلِ الشعبِ وتوفيرِ الحرّيات، فليست كذلك لضمانِ الوِحدةِ والأمنِ وانتظامِ عملِ المؤسّساتِ وإنقاذِ الشعوبِ رغمًا عنها، وهذه حالُ لبنان. الديمقراطيةُ تستطيع إنقاذَ شعبٍ من أزْمةٍ عميقةٍ إذا كانت
مكوّناتُ الشعبِ تَعيش في كنفِ الشرعيّة وتَحتكمُ إلى الدستور، أما في وضعِ لبنان، فالديمقراطيّةُ شَهَرت عجزَها لا في الدفاعِ عن الشعبِ، بل حتى في الدفاعِ عن نفسِها وعن الشرعيّة. فمَن يُنقذُ لبنان
طرحتُ السؤالَ ولا جوابَ لديَّ عنه. لكنْ لا مَفرَّ من طرحِه لأنَّ لا خلاصَ من دونه. حتميّةُ السؤال يَفرِضُها دُنوُّ سقوطِ الدولةِ المركزيّة، وفِقدانُ الجواب ناتجٌ عن غيابِ الاسمِ وجَهْلِ المؤسّسةِ التي يَخرج منها الـمُنقذُ. هل يَخرَجُ من المجلسِ النيابيّ؟ من الأحزابِ؟ من الثُكْنات؟ من النقابات؟ من المجتمعِ المتَمدِّن؟ من مرجِعيّةٍ دينيّةٍ؟ من بلادِ الانتشار؟ من القضاء؟ من الشارع؟ هل يكون المنقذُ فردًا أم مجموعة؟ فلْيخْرج من أيِّ مكان، الـمُهمُّ أن نُنقذَ لبنان.