موناليزا فريحة/أوهام روسيا المسيحيّة….ترك اتفاق وقف النار في ناغورنو كراباخ انطباعاً قوياً بأن موسكو تخلت عن الأرمن، وتركتهم يسحقون أمام باكو وأنقرة

48

أوهام روسيا المسيحيّة….ترك اتفاق وقف النار في ناغورنو كراباخ انطباعاً قوياً بأن موسكو تخلت عن الأرمن، وتركتهم يسحقون أمام باكو وأنقرة
موناليزا فريحة/النهار العربي/19 تشرين الثاني 2020

اتفاق وقف النار في كراباخ الذي رعته موسكو لا يزال ملتبساً، ونقاط عدة فيه تحتاج إلى توضيح، ليس أقلها الدور التركي في مراقبته. فمع أن البرلمان في أنقرة أقر إرسال قوات إلى أذربيجان، ليست حدود دور هذه القوات واضحة، ولم تخفِ موسكو امتعاضها من التفسير الفضفاض لأنقره لدورها فيه.
الثابت الوحيد هو أن يريفان هي الخاسر في الاتفاق بينها وبين باكو، وإن يكن ثمة من يرى أنه جنّب الأرمن مذبحة ثانية كانت حتمية.
عوامل عدة رجحت منذ البداية كفة باكو، وخصوصاً تفوقها العسكري ومد أنقره إياها بالمرتزقة والعتاد.
وفي المقابل، بدت القدرات العسكرية الأرمينية خجولة، والدعم الروسي فاتراً. ووجد الباحث الفرنسي أوليفييه روا سبباً آخر للانتكاسة التي منيت بها أرمينيا في كراباخ، تمثل في اعتقاد يريفان بخرافة روسيا المسيحية، واقتناعها، على غرار أطياف واسعة من اليمين في أوروبا خصوصاً، بأن موسكو هي الحصن الأخير للغرب بمواجهة الإسلام.
في الواقع، ترك اتفاق وقف النار في ناغورنو كراباخ انطباعاً قوياً بأن موسكو تخلت عن الأرمن، وتركتهم يسحقون أمام باكو وأنقرة. فمع أن التفوق العسكري لأذربيجان كان كافياً من الناحية التقنية لتوفير فوز لباكو في هذه المواجهة، الا أنه ليس مقنعاً سياسياً لمن اعتبر الجولة الأخيرة من النزاع مواجهة مفتوحة بين تركيا وروسيا، وتعدياً من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على ما يعتبره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الفناء الخلفي لبلاده.
ربما راهنت أرمينيا على دعم قوي من موسكو في مواجهة التهديد التركي والمسلم، لأنها صدقت بحسب روا تلك الصورة لروسيا المسيحية التي تشكل الحصن الأخير للغرب في خط الصدع الذي يفصله عن الإسلام والذي تشكل فيه أرمينيا جبهة متقدمة.
استساغت موسكو دائماً صورتها حامية للمسيحيين، واستغلتها في سوريا تحديداً، عندما بررت تدخلها هناك بالقضاء على التنظيمات التكفيرية وحماية الأقليات. وقبل وصول أولى قواتها إلى الحرب السورية في صيف 2015، باركت الكنيسة الأرثوذكسية التدريبات التي سبقت التدخل العسكري، وتمت تعبئة 17 كنيسة متنقلة و20 كاهناً، وأعطي 370 جندياً سر العماد. وفي حينه، قال الأب الروسي باسيلي باسكييه، الذي شارك في “التبريكات” إنه رأى أيقونات في قمرة قيادة مقاتلات “سوخوي”، في ما اعتبر امتداداً للتقليد الكنسي منذ زمن الكتاب المقدس، بمباركة الجنود قبل إرسالهم الى الجبهة.
لم يحمِ التدخل الروسي مسيحيي سوريا، ولم يكن هذا هدفه أصلاً. فبعد أكثر من خمس سنوات من وصول أولى القوات الروسية إلى سوريا، تخلو قرى مسيحية كثيرة من سكانها.
هدفت المهمة الروسية المستمرة في سوريا إلى حماية نظام الرئيس السوري بشار الأسد الذي كان مهدداً بالسقوط. وشكلت سوريا بالنسبة الى سيّد الكرملين فرصة إضافية لملء الفراغ المتزايد الذي كانت واشنطن بدأت تتركه في الشرق الأوسط منذ وصول الرئيس باراك أوباما الى البيت الأبيض عام 2008.
ولعل الصواريخ التي أطلقها الأسطول الروسي من بحر قزوين بعد أسبوع من بدء الضربات الجوية في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، على بعد 1500 كيلومتر من أهدافها في سوريا، كانت الرسالة الأوضح لواشنطن أن موسكو باتت نداً قوياً لها في المنطقة. وربما لم تكن محض صدفة حصول تلك الضربات يوم عيد الميلاد الثالث والستين لبوتين المولع بعرض العضلات، بمواجهة واشنطن خصوصاً. أساءت يريفان قراءة سنوات حكم بوتين الحالم باستعادة السيطرة على ما يعتبره فلكاً للنفوذ الروسي والمتحالف مع أردوغان الحامل لواء الإسلاموية. إذ مضى وقت طويل منذ لم تعد تركيا العدو التاريخي الذي كانته السلطة العثمانية لروسيا. ومع أن أردوغان يحب لعب دور الخليفة، كان على يريفان أن تتنبه إلى أن قوات روسية تحارب في خندق واحد تقريباً مع الجيش التركي على أكثر من جبهة ومن دون أي حرج.