المحامي نديم بستاني/حزب الله ليس مقاومة

58

حزب الله ليس مقاومة
المحامي نديم بستاني/فايسبوك/19 تشرين الثاني/2020

بحسب القانون الدولي إن ما يبرر مشروعية المقاومة العسكرية ضد الإحتلال الأجنبي هو الحق بتقرير المصير. ما يعني أنه إذا كان الشعب في وضعية تمكنه من تمثيل إرادته ضمن السلطة الدستورية للدولة تنتفي وضعية المقاومة ويتحول النزاع إلى حرب دولية بين دولتين. فإن حزب الله لا يستطيع الزعم بكونه مقاومة وهو في الوقت نفسه لديه كامل القدرة للمشاركة في العملية السياسية في لبنان وهو يتمثل في مؤسسات الدولة، ولا بل يقبض على أغلبية زمام السلطة فيها. وكما يشار أنه إذا امتدت الهدنة لأكثر من سنة يفقد الحق بالمقاومة العسكرية الكثير من مزاياه بالرغم من استمرار الإحتلال، بحيث أن انقطاع الأعمال العسكرية بين لبنان واسرائيل بعد العام 2006 وحتى الساعة بشكل راسخ ومستمر يفقد المقاومة ذرائعها.

وبحسب القانون الدولي على التنظيم ألا ينخرط بأعمال عسكرية لا يكون هدفها المباشر تحرير الأرض المحتلة من القوى الأجنبية، وألا ينخرط في القتال الداخلي. وبناء عليه يكون قتال حزب الله في اليمن وسوريا وقبلها معركة 7 أيار 2008 في بيروت أو حتى مشاركته في حرب يوغسلافيا ضرباً سافراً لصفة المقاومة.

وكما من المبادئ الهامة في القانون الدولي في تصنيف حركات المقاومة ألا تكون سياسة التنظيم التهديد بالأعمال العسكرية بشكل مسبق قبل وقوعها كي لا تكون هي العامل المؤدي إلى اندلاع الحرب أو التسبب بالإحتلال، وكما يمنع أن تكون أعماله القتالية أعمال انتقامية عن ضربات سابقة لأن ردات الفعل العسكرية ليست من التحرير بشيء، في حين أن هذه المزايا أصبحت سياسة راسخة لحزب الله على لسان أمينه العام. ومن المبادئ الجوهرية أيضاً أنه يجب على التنظيم ألا يستغل ضمانات قانون الحرب، ولا سيما يمنع عليه أخذ الدروع البشرية كاستغلال المستشفيات والمدارس وسائر المرافق المدنية بغية تأمين الحماية لجنوده وعتاده داخلها، وهذا ما يخرقه حزب الله عبر مواظبته تركيز نشاطه العسكري وسط الأحياء السكنية بالإضافة إلى تشييد مستودعاته في قلب الأماكن الآهلة والتموه فيها.

ولعل أهم القواعد هو تحريم استهداف المدنيين التابعين للطرف المعادي تحت أي ظرف كان فيمنع إطلاق القذائف والصواريخ بشكل عشوائي على المدن، ولا أخذ الرهائن أو قتل أسرى الحرب وممارسة التعذيب، ويمنع استهداف البعثات الديبلوماسية أو قوات حفظ السلام وفصل النزاع، وكما يجب على الدوام الإلتزام بسائر أحكام قانون الحرب الدولي، وهو نهج غني عن النقاش إذ أن حزب الله منذ نشأته لم يفرق يوماً بين الأهداف المدنية و العسكرية في القتال، ولم يوفر البعثات الديبلوماسية ولا قوات حفظ السلام وهذا فضلاً عن تبنيه علناً عمليات أخذ الرهائن وقتلهم. وفي الختام لا بدّ من الإشارة أنه على التنظيم العسكري الذي يتوخى الإتصاف بالمقاومة أن يلتزم بالمعاهدات والمواثيق الدولية ولا سيما تلك الموقعة عليها الدولة التي ينتمي إليها، وهنا نذكر إتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل في العام 1949.

يزعم حزب الله عن نفسه أنه حركة مقاومة وطنية ضد الإحتلال الإسرائيلي، في حين أن المعايير الإلزامية المستعرضة آنفاً لا تقوم فيه.

والمسألة ليست مربوطة بانسحاب الإحتلال الإسرائيلي من لبنان في العام 2000، للقول أنه بعد هذا التاريخ فقد حزب الله تصنيفه كمقاومة، فالحقيقة أن حزب الله منذ نشأته منخرط بشكل منهجي في العمليات العسكرية التي تناهض هذا التصنيف، ولا بل من شأنها أن تندرج تحت تصنيف الإرهاب وأهمها تفجير السفارة الأميركية في بيروت في نيسان 1983 وقد ذهب ضحيته 63 شخصاً بينهم 32 لبنانياً، وتفجير مقري القوات الدولية المشتركة في تشرين الأول 1983 وقد ذهب ضحيته 346 شخصاً علماً أن هذه القوات لم تكن قائمة بمهمة قتالية بل كانت في مهمة دولية إنسانية لتحقيق السلام وفصل المقاتلين ولا سيما تأمين خروج آمن للمقاتلين الفلسطينيين وحماية المدنيين في المخيمات وبالإتفاق مع الدولة اللبنانية (وهي التي درج على تسميتها بتفجير المارينز ومقر المظليين الفرنسيين دراكار)، تفجير السفارة الأميركية في عوكر في أيلول 1984 وقد ذهب ضحيته 23 شخصاً وأغلبهم كانوا من اللبنانيين الذين كانوا يتابعون معاملات تأشيراتهم، القيام بعدة عمليات خطف وقتل وتعذيب لمدنيين وديبلوماسيين وصحفيين ورجال دين مسيحيين خلال الثمانينات بحيث بلغ عدد المخطوفين 104 أشخاص قتل منهم 8 ونذكر مثلاً قتل رئيسيين للجامعة الأميركية وهما د. دافيد دودج ود. مالكوم كير، تفجيرات في عاصمة الكويت في كانون الأول 1983 التي استهدفت المنشآت النفطية وسفارتي أميركا وفرنسا و المطار ومقر سكني لعمال شركة أميركية وقد وقع ضحية هذه الهجمات 5 أشخاص، إختطاف طائرة الخطوط الجوية الكويتية في كانون الأول 1984 وكان على متنها 95 راكباً قتل منهم إثنان، محاولة اغتيال أمير الكويت عبر عملية انتحارية استهدفت موكبه في أيار 1985 قتل على أثرها ثلاثة أشخاص وقد أصيب الشيخ جابر الصباح على أثرها بجروح، خطف طائرة  TWAبعد دقائق من إقلاعها من مطار أثينا في اليونان في حزيران 1985 وكان على متنها 147 راكباً بينهم الفنان العالمي ديميس روسوس وقتل بسبب العملية شخص واحد، خطف طائرة الخطوط الجوية الكويتية في نيسان 1988 وكان على متنها 112 راكباً قتل منهم شخصان، دعم المنظمات الفلسطينية في حرب المخيمات وثم الإنخراط مباشرة في حرب إقليم التفاح والمعارك التي تلتها ضد حركة أمل ما ناهز عدد ضحاياه حوالي 2,500 شخص على مدار ثلاث سنوات من 1988 حتى 1990 وكما قام حزب الله بتصفية العديد من قادة الحركة الوطنية آخر الثمانينات نذكر منهم مهدي عامل وحسين مروة، تفجير السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين في آذار 1992 حيث وقع ضحية الإنفجار 29 شخصاً غالبيتهم من الأطفال الأرجنتينيين بعد إصابة مدرستهم القريبة بفعل التفجير، ومن ثم تفجير المركز الثقافي اليهودي في الأرجنتين في تموز 1994 حيث ذهب ضحية الإنفجار 85 شخصاً، الإشتراك في عملية تفجيرات مجمع الخبر السكني في السعودية في حزيران 1996 وقد وقع ضحيتها 19 شخصاً، إرسال عشرات المقاتلين ونذكر منهم القيادي في حزب الله “علي فياض” للمشاركة إلى جانب الميليشيات البوسنية في الحرب الأهلية في يوغسلافيا الممتدة بين عامي 1992 و1995، تفجير حافلة سياح يهود على متنها 43 راكباً في منطقة بورغاس في بلغاريا في تموز 2012 وقد توفي جراء الإعتداء 6 أشخاص، تحضير عبوات ناسفة وإنشاء مستودعات ذخيرة وتأليف شبكات أمنية في أكثر من بلد مثل تايلندا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا ومصر والكويت وقبرص وأميركا والبرازيل، تخزين مستودعات ذخائر في أماكن آهلة وقد انفجر منها مخازن أوقعت قتلى من المدنيين في مناطق الشهابية (2004) وخربة سلم (2009) وطير حرفا (2012) والنبي الشيت (2012) وعين قانا (2020)، إدانة أحد قادته ويدعي سليم عياش في المساهمة في عملية إغتيال رفيق الحريري واتهامه في أربع ملفات إغتيال وعمليات إرهابية أخرى قيد التحقيق أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، المسؤولية عن عملية 7 أيار 2008 حيث تم احتلال مدينة بيروت عسكرياً وتم شن هجمات حربية طالت المدنيين في بيروت والشويفات وسواهما وقد وقع ضحيتها 71 قتيلاً بينهم 23 مدنياً، تنظيم شبكات تهريب مخدرات وتبييض أموال دولية بحسب تقارير منظمة FATF وقد صادق البرلمان اللبناني عليها بموجب القانون 44/2015 المتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، المشاركة في الحرب السورية وفي الحرب اليمنية منذ العام 2012 وحتى الساعة وحيث تنسب مسؤوليته عن آلاف القتلى من العسكريين والمدنيين.

إن ما يحكم مقاتلة حزب الله لإسرائيل أو مهادنتها وكما سائر أعماله العسكرية هي عقيدته الإسلامية المتشددة التي لا يهمها فعلاً وجود أراض محتلة أو تعد على السيادة الوطنية أو صون حرية الشعب ومصالحه بقدر ما تكون الأولوية هي إنجاح الثورة الإسلامية في العالم. هذه العقيدة خاضعة لأمر الولي الفقيه الذي وحده له السلطان في الإجتهاد بصددها وتكييفها على الأوضاع الزمنية وأهمها إعلان الجهاد وقيادته في العالم أي مسك قرار الحرب والسلم بحسب ما هو وارد في كتاب نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم “حزب الله، المنهج…التجربة…المستقبل”. والأدهى أن حزب الله يعّرف علناً عن نفسه بكونه مقاومة إسلامية في لبنان أي أن قتاله محكوم بالدفاع عن الإسلام (بحسب عقيدته) وليس دفاعاً عن لبنان. وحتى إن علمه هو مقتبس بتطابق شبه تام من علم الحرس الثوري الإيراني مما ينفي إرادة هكذا تنظيم تحقيق المصلحة اللبنانية.

إن حزب الله لا يخفي ارتباطه العضوي والعقائدي بالجمهورية الإسلامية في إيران، والمسألة ليست مجرد مسألة حريات دينية وتبعية لمرجعية روحية كما هو وضع الكاثوليك مع الفاتيكان وذلك كون الأحوال الشخصية يتوقف مفعولها عند الأمور الثقافية وأحوال العائلة ولا تعطي الحق بتأليف الجيوش وإخضاعها لسلطة غير دستورية. وأمين عام حزب الله الشيخ حسن نصرالله قد اعترف علناً عبر الإعلام حيث قال حرفياً: “أنا أفتخر أن أكون جندياً في حزب ولاية الفقيه، وولاية الفقيه أن نأتي ونقول قيادتنا وإرادتنا وولاية أمرنا وقرار حربنا وقرار سلمنا هو بيد الولي الفقيه”.

وبناء عليه يضحى من اللازم التوقف بشكل جذري عن إطلاق صفة المقاومة الوطنية على حزب الله، دون منح تنظيمه العسكري الخارج عن أحكام القانون اللبناني أية تبريرات لا قبل ولا بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، كون حزب الله في كل تاريخه لم تتوافر فيه أية صفة من صفات المقاومة المشروعة لا بل إن الأصح إدراج أعماله تحت خانة الإرهاب.