د. منى فياض/هل هي أزمة نظام أم أزمة إدارة النّظام في لبنان؟

20

هل هي أزمة نظام أم أزمة إدارة النّظام في لبنان؟
د. منى فياض/النهار العربي/19 تشرين الثاني/2020

هل سبق أن حصل في أي بلد أو أي رقعة في العالم، أن اهتمت بأمر شعب ما بلدان غريبة (فرنسا، أميركا..) أكثر من مسؤولي البلد أنفسهم؟
نعم، يحصل في لبنان. يشعر الشعب الفرنسي ورئيسه، البلد الذي كان لبنان تحت انتدابه، بمسؤولية تجاه الخطر الداهم على البلد الذي أحبّوه وارتبطوا به تاريخياً أكثر من رئيسه وحكومته ونوابه.

تُعرض المساعدات، من فرنسا وخلفها أوروبا ومن الولايات المتحدة ومن صندوق النقد ومن البنك الدولي ومن بعض الدول العربية، شرط القيام بالإصلاحات المطلوبة لحفظ البلد من الزوال. لكن عبثاً، لا الموفدون ولا الرسائل ولا التقارير الدولية التي تصنّف لبنان في وضع الخطر الشديد، يلقون آذاناً صاغية.

ينزل الناس الى الشوارع، يملأونها والساحات؛ تتكدّس أفواج العاطلين من العمل وينتظر المزيد منهم؛ يُهدم جزء كبير من بيروت على رأس سكانه، ويُشرّد مئات الألوف منهم ويُقتل أكثر من 200 ضحية، وحتى اللحظة لا نتائج للتحقيق. ولا شيء من كل ذلك يهزّ السلطة القائمة.
فهل هذا أمر طبيعي يمكن أن يحدث في بلد طبيعي في ظروف طبيعية؟ بالطبع لا.
ما السرّ إذاً؟ هل هي طبقة سياسية مقدسة أو منزلة من السماء لا تُمس ولا تقهر؟ بالطبع لا.
ما الذي يمكن أن يسمح بكل ذلك؟ أليست قوة أكبر من الدولة وأركانها؟ ومن هي هذه القوة في لبنان؟
أليس السر يكمن في أن لبنان بلد محتل؟ وأن هناك من يحمي من هم في السلطة ويمنعهم من تقديم التنازلات المطلوبة؟ وهذا لمصلحتهم الشخصية الأنانية على كل حال، لأنهم ينفّذون ما يُطلب منهم.

نقل عن سياسي عريق أنه فكّر، بعد 3 أيام من اندلاع ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) بالرحيل مع عائلته عن لبنان خوفاً من الثورة. لا شك بأن معظم أركان الطبقة السياسية فكّروا حينها بذلك. لكن ما الذي أبقاهم عنوة عن الشعب فيما كانت العادة أن تستقيل الحكومات في لبنان، وحتى الرؤساء، لاعتراضات شعبية أقل ممّا حصل بكثير؟

هذا ما على كل لبناني الإجابة عنه قبل الاستطراد في تحليل السلطة والنظام القائم الذي يحمّله البعض كل ما يحصل من تجاوزات تفوق الوصف. في البداية، أعيد تكرار أن النظام في لبنان ليس “نظاماً توافقياً”، إنه نظام كوتا نتيجته توافقية بحسب صاحب نظرية التوافقية. وهذا ليس تفصيلاً. فلقد أوجد لبنان المجتمع التعددي ترتيباً انتخابياً بين طوائفه التي يبلغ عددها الثماني عشرة، يمكن أن يوسم بأنه نظام تمثيلي نسبي مسبق الضبط على أساس طائفي أو ديني ومناطقي. لا تنتمي الوسائل المعتمدة في انتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان الى أنظمة التمثيل النسبي المألوفة، غير أنها كانت نسبية من حيث المفعول. وكثيراً ما امتدح هذا النظام النسبي (باستخدام الكوتا) لكونه ينتج التسويات والانسجام، لأن المرشح يحتاج فيه الى أصوات الناخبين من طائفته ومن الطوائف الأخرى. فالدستور ينصّ على أن عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء، ولا يجوز أن تُربط وكالته بقيد أو شرط من ناخبيه. وهنا مكمن اعتدال الممثلين الشرعيين.

ظل هذا النظام يعمل بشكل معقول حتى عام 1975 حين انفجرت الحرب الأهلية جراء اختلال التوازن بين الطوائف بتداخل العوامل الخارجية.
تم التوصل في أواخر عام 1989 الى اتفاق الطائف. حلّت وثيقة الطائف الإشكالية التي شكلت جوهر الميثاقية: لا شرق ولا غرب، بمعنى ابتعاد المسلمين عن المطالبة بالوحدة العربية وامتناع المسيحيين عن فكرة الانتداب. الأمر الذي جعل جورج نقاش يقول:
negations ne font pas une nation2. جاءت وثيقة الطائف لتُحِلّ المشكلة وتجعلهما إيجابيتين: فتؤكد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وأنه ذو انتماء عربي.

لكن الوصاية السورية التي وُضعت فوق لبنان، بتواطؤ دولي وعربي، حالت دون تنفيذ ما اتُّفق عليه وعطّلت تطبيقه إلا بتدخل منها.
من هنا يصبح من المنطقي التساؤل: هل المشكلة التي نعاني منها هي أزمة نظام أم دولة مصادرة تمّ تعطيل آليات نظامها ودستورها وقوانينها؟
ما نعاني منه الآن أزمة حكم عميقة يتم من خلالها تعطيل آليات السلطة التقليدية عبر تعطيل الدستور وضرب الميثاق، الذي أخرج عن سياقه وتم إدخاله في تعيين أصغر موظف في الدولة؛ فصار الفهم والتطبيق المغلوطان للميثاق فوق القوانين، لتصبح هذه الأخيرة استنسابية وخاضعة للتأويلات المتناقضة. ومن المعروف عادة أن النموذج الديموقراطي التقليدي يمنح القدرة على التفريق بين الحكومة والنظام، أما في النظام التوافقي، وخصوصاً كما هو ممارس في لبنان، فسرعان ما ينقلب السخط على أداء الحكومة الى سخط على النظام لأنهما يتطابقان.

وهذا ما أوصلتنا اليه ممارسات النخبة الحاكمة التي تستبيح القوانين والأعراف في سبيل التوافق على الحصص، والعمل على تأبيد نفسها في السلطة على حساب الوطن والمواطن والسيادة، ما يهدّد بالقضاء على التجربة الديموقراطية من جذورها. ذلك ما يجعل البعض يظن أن الأزمة أزمة نظام ويطالب بتغييره.

من التّوافقية الى الاستبداد والفساد المعلن المعمّم
صار من المتعارف عليه أن المشكلة تكمن في عدم احترام القوانين والدستور، والاختلاف على فهمه وتطبيقه بما يتلاءم مع مصلحة كل طرف، وخصوصاً مع وجود طرف مسلح يستقوي على الآخرين فيفرض الحلول التي يريد!! ويأخذ من الديموقراطية التوافقية أقصى احتمالات مساوئها. وهكذا، وبعدما كان باستطاعة الحكم ومؤسساته التوصل الى التفاهمات ضمن آليات الأكثرية والأقلية، التي لم تكن ذات طابع طائفي أو مذهبي صاف، صار يتم اللجوء الى استخدام الفيتو، وهو إحدى آليات الديموقراطية التوافقية وليس من آليات النظام اللبناني الأكثري، حيناً باسم الثلث الضامن أو المعطل، أو بتعطيل القوانين كعرقلة انتخاب رئيس جمهورية وعرقلة الانتخابات النيابية ومنعها مرات عدة، أو بتعطيل عمل البرلمان وتأخير تشكيل الحكومات الخ… في المقابل، تستغل الطبقة السياسية هذه الأوضاع لتزداد غنى عبر مساحة الفساد والمحاصصة التي أمعنت في تحويل الديموقراطية مهزلة.

أدى استخدام الفيتو الى تجميد القرارات والى الركود وتعطيل النظام. الفيتو لم يكن معروفاً في لبنان؛ كما أنه لا يتم اللجوء اليه عادة في الحكومات التوافقية، لأن مجرد وجوده يعدّ ضمانة، ولأنه يمكن أن يستعمله الخصم في الظروف المعاكسة. لكن “حزب الله” استخدمه بمفرده الى حده الأقصى، اعتماداً على هيمنته بقوة سلاحه الإيراني، معطلاً كل القرارات التي لا تناسبه. ما عطّل آليات الحكم إلا في حال الخضوع التام لما يريد.

والتوافقية تستلزم “سيادة النخبة المنظّمة” للقيام بالتسويات السياسية مع بقية الزعماء وتقديم التنازلات لهم؛ غير أن هذا جعلها تتحول في لبنان ديكتاتوريات مصغرة تجتمع في نوع من مجلس عشائر أو لويا جرغا الطوائف، فارضة في المقابل دوراً امتثالياً وخاضعاً للمجموعات من غير النخبة، التي تعني في لبنان ما صار يُعرف بالمجتمع المدني. هذا التوافق لائتلاف نخب الطوائف وتواطئها، يؤدي الى التباطؤ في اتخاذ القرارات وتعطيل المؤسسات، ما يضعف الدولة ومؤسساتها. إنها لعبة ذات شرطين مضمرين: الشرط الأول المحاصصة العلنية وتقاسم مقدرات البلد الاقتصادية من جانب جميع أركان السلطة، مقابل التواطؤ وقبول الشرط الثاني، أي السكوت عن إمساك “حزب الله” بمقدرات لبنان ومصيره.

نتج من كل ذلك الدفع بمعادلة حقوق الجماعات والأقليات الى أقصاها: تحولت الطائفة التي ينتمي اليها الفرد سداً بينه كمواطن وبين الدولة والمجتمع الوطني. وفُرض عليه التجانس مع بيئته بصورة قهرية. تتصرف الأقلية (من منطلق أن لبنان مجموعة أقليات مجتمعة في دولة) وكأنها دولة قائمة بذاتها تهتم حصرياً بأمور أتباعها، وتحقّق الخطر، فأصبحت كل منها: طائفة – أمة لها سلطة على أتباعها من المهد الى اللحد، تهيمن هيمنةً ديكتاتورية على من معها بحجة حمايتهم وحقوقهم من الجماعات الأخرى، وتكاد تمتلك مجموعة كاملة من المؤسسات الاجتماعية والتربوية والإعلامية… وحتى العسكرية، في حالة “حزب الله” القصوى.

وبعدما فشلت محاولة الطرف المسيحي في التماهي مع ممارسات الثنائية الشيعية السياسية في فرض “وحدته” عبر تحالف الثنائي المسيحي (قوات وتيار وطني)؛ نلاحظ أخيراً حصول استنفار في الشارع المسيحي للانفصال عبر ما يسمى “لامركزية موسعة” أو “فيدرالية غير دستورية” لوهم التخلص من هيمنة “حزب الله” عن طريق الانفصال المالي والإداري عن دولته الفاشلة. أي اللجوء الى ذمية مقنعة: “نعيش في مناطقنا ونحافظ على نموّها وازدهارها بعيداً عن دولة السلاح الأبدي”.
كل ذلك دليل على الخوف واستبدال المواجهة السلمية التي لا بد منها لتحرير الدولة واستعادة السيادة.

على أمل أن يستوعب المواطن اللبناني، الى أي طائفة انتمى، أن استعادة دولته السائبة فقط ما يمكن أن ينقذه ويحميه كمواطن له حقوق متساوية مع سائر المواطنين.