د. ليد فارس /انديبندت عربية: من المستفيد في الشرق الأوسط من الانقسام الداخلي الأميركي؟

76

من المستفيد في الشرق الأوسط من الانقسام الداخلي الأميركي؟
د. ليد فارس /انديبندت عربية/17 تشرين الثاني/2020

“يسود اعتقاد لدى بعض القوى بإمكانية تكريس الأمر الواقع في الفترة الانتقالية بين ترمب وبايدن”

“الاستراتيجية الإخوانية” نسخة طبق الأصل عن “بنت عمها” الإيرانية في الوقت الضائع خلال الصراع السياسي بين ترمب وبايدن. ويسود اعتقاد أن بين ترمب الذاهب وبايدن الذي لم يأتِ بعد، هنالك ثغرة قد تمكّن إيران والإخوان من تعزيز الأمر الواقع، ليتم التفاوض حوله في بداية العام المقبل.

قد بات واضحاً أن الأزمة السياسية القانونية المنبثقة من رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بنتائج الانتخابات التي أعطت الرئيس المنتخب المفترض جو بايدن أكثر من 270 صوتاً في المجمع الانتخابي، ستطول لأسابيع، بل ربما لأشهر، وحتى يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2021. وبغض النظر عن كيفية انتهاء هذه الأزمة التاريخية، يُطرح سؤال كبير في ذهن صانعي القرار والرأي العام في الشرق الأوسط الكبير، هو التالي: مَن هي الدول والقوى التي ستستفيد من حال الانقسام في أميركا لتسجل نقاطاً لاجنداتها قبل نهاية يناير المقبل، أو ربما لبضعة أشهر إضافية إلى حين عودة الاستقرار السياسي إلى واشنطن؟

من الواضح أن قوتين رئيستين في المنطقة، تبدوان مسرورتين بالوضع القائم، وهما النظام الإيراني ومحوره، ومحور “الإخوان” الإقليمي مع دوله ومنظوماته. وأسباب ذلك غير صعبة على الفهم، فطهران والعواصم الداعمة لـ “الاسلامويين” تعتبر أن أفضل حال يسمح لها بالمناورة الواسعة وتسجيل بعض النقاط على طريق تحقيق المشروع البعيد، هو وجود حال انقسام وشلل وفوضى في عاصمة القرار الدولي. وبقدر ما يطول هذا الزمن، بقدر ما تتمكن هذه القوى الإقليمية من التحرك وتثبيت مواقعها الجيوسياسية.

هذا واضح. أما بدرجة ثانية فهذه المحاور تعتبر أن إدارة يقودها جو بايدن ستكون أفضل بالنسبة لها من ترمب، لسبب واحد، وهو أن فريق بايدن هو تقريباً نفسه فريق الرئيس السابق باراك أوباما وبالتالي يمكن التناغم معه كما حصل ما بين عامَي 2009 و2016، أو على الأقل، هكذا يظنون.

الاستفادة الإيرانية
وتستفيد إيران من الأزمة الدستورية في الولايات المتحدة لأن هذه الأخيرة، بحسب تقديرها، تأتي بمنفعتين، الأولى، هي انحسار الضغط الاستراتيجي لـ “الضغوطات القصوى” التي يقودها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على المديَين المتوسط والبعيد. إذ تعتقد طهران أن العقوبات وإن تصاعدت في الأسابيع المقبلة، فهي مرشحة للانحسار بعد تسلم بايدن للسلطة التنفيذية في نهاية يناير 2021، أو على الأقل تبدأ التفاوض مع إدارته للعودة إلى الاتفاق النووي وبالتالي إلى “حتمية” تراجع العقوبات تدريجاً. وبالتالي، فإن النظام الايراني يعتمد سياسة العض على الجرح حتى تنتهي “مرحلة ترمب” في واشنطن، وتأتي مرحلة جديدة من سياسة أوباما-بايدن.

لذلك فالاستراتيجية الإيرانية ما بين الانتخابات الأميركية وبدء عمل الإدارة العتيدة في 2021، أياً كانت نتيجة الأزمة الانتخابية، تعتمد على التصلّب في المواقع وتمييع المواقف. وتعمل طهران على الأرض على عدم التراجع في كل الجبهات أمام ضغوط إدارة ترمب والتحالف العربي المشترك. نرى ذلك في اليمن، حيث تستمر إيران في تسليح الحوثيين من دون هوادة، من أجل منع تقدم الحكومة الشرعية والتحالف العربي، بهدف تثبيت مواقعهم إلى حين تولّي إدارة جديدة المسؤولية في واشنطن والبدء بالضغط “لوقف كل العمليات في اليمن”. وبالتالي ترسم خطوط تماس تحمي الحوثيين. وبرأي طهران فإن الأشهر الثلاثة الآتية مع ما يتخللها من انقسام في أميركا، تُعتبَر مرحلة مهمة “للصمود” قبل الانفراج.

فبنظرها من المستحيل أن تقوم إدارة ترمب بأي حملة كبرى في المنطقة ضدها في مرحلة تسليم السلطة إلى فريق بايدن. وتعتقد إيران أيضاً أن فريق بايدن لن يقوم بأي عمل “يهدد” العودة إلى الاتفاق النووي، وبالتالي تُعدّ المرحلة الانتقالية بمثابة جسر بين شلل ترمب وعدم قدرة بايدن، حتى على المفاوضة.

وتعتمد طهران على التقييم ذاته في تحركها معتمدةً استراتيجية التصلّب على الأرض، في العراق وسوريا ولبنان، عبر كل ميليشياتها النشطة في تلك البلدان. وتتكل أيضاً على كون إسرائيل غير قادرة على توقيفها من دون الشريك الأميركي المنهمك بالأزمة الانتقالية في واشنطن. لذلك، يعزز “الحرس الثوري” الإيراني مواقعه في العراق، وتمدده في جنوب سوريا، وتوغله في السلطة في دمشق، “مستفيداً” من الوقت الضائع في واشنطن. كما تتّبع السياسة الإيرانية تكتيك “تمييع” المواقف، حيث تطلق إشارات إلى استعدادها لمحاورة بايدن “بعد تسلمه” السلطة، وبالتالي تعزيز فكرة عودة إيران إلى “الاعتدال” بعد عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي.

محور الإخوان
على المقلب الآخر من القوى “الممانعة” في المنطقة، يتبع “المحور الإخواني” الاستراتيجية ذاتها، فنرى حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحكم سيطرتها في ليبيا عبر عقد اتفاقات اضافية مع السلطات الحاكمة في طرابلس، وتعزيز الوضع العسكري في غرب البلاد، وتوسيع الخط العسكري البحري بين الأناضول والمرافئ الليبية. كما تحاول أنقرة حسم الصراع في إقليم ناغورنو قرة باغ ضد الأرمن، وتعزيز القدرات في شمال قبرص، وإقامة توازن بحري مع اليونان وفرنسا في البحر المتوسط، والبدء في توسع اضافي باتجاه قطر واليمن والصومال. أضف إلى ذلك تحركات “الإخوان” في شمال لبنان وتونس.

“الاستراتيجية الإخوانية” نسخة طبق الأصل عن “بنت عمها” الإيرانية في الوقت الضائع خلال الصراع السياسي بين ترمب وبايدن. ويسود اعتقاد أن بين ترمب الذاهب وبايدن الذي لم يأتِ بعد، هنالك ثغرة قد تمكّن إيران والإخوان من تعزيز الأمر الواقع، ليتم التفاوض حوله في بداية العام المقبل.

السؤال الآن هو، كيف ستتحرك قوى الاعتدال بمواجهة استراتيجية “المحورين” خلال فترة الانقسام الأميركي؟ الجواب في المقال المقبل.