شارل الياس شرتوني/مئة يوم على العملية الارهابية …. لا حل خارجا عن تعميم سياسة العقوبات وتدويل الازمة

67

مئة يوم على العملية الارهابية …. لا حل خارجا عن تعميم سياسة العقوبات وتدويل الازمة
شارل الياس شرتوني/17 تشرين الثاني/2020

مضت مئة يوم على العملية الارهابية ولم نعط حتى اليوم جوابا على ما جرى في مرفأ بيروت، ولا سألت الاوليغارشية المسيطرة وحكومتها الصورية عما جرى لسكان المناطق المتضررة، وما ادى اليه من تدمير شامل للنسيج المدني بمكوناته الانسانية والسكنية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والاستشفائية، ولم يتقدم احدهم بوقفة تضامنية معها والسبب بسيط، هؤلاء مسيحيون. بقي التضامن وقفا على الدول الغربية وبعض المبادرات العربية، والجمعيات والحراكات المدنية والشبابية على تعدديتها، والمؤسسات الكنسية، المحلية والدولية، وعلى العمل التضامني الخلاق الذي خرجته على مستوى العمل الاسعافي والاغاثة بكل اوجهها، ورفع الركام والتفتيش عن المفقودين، وخطط التأهيل المدني، واعادة اعمار المدارس والمستشفيات المدمرة…،.

من ثم استقالت احدى اسوأ الحكومات التي عرفتها البلاد، ليؤتى بسعد الحريري مكلفا باعادة تشكيل وزارة اصلاحية قوامها المحاصصة بين اطراف الاوليغارشيات، التي حكمت البلاد على مدى ثلاثين سنة واوصلت البلاد الى ما هي عليه من تفكك بنيوي، على وقع احداث دولية واقليمية تنعقد حول اشكاليات المواجهة الايرانية مع الولايات المتحدة والحيز الاستراتيجي السني المناوئ لها، وتردداتها الداخلية على مستوى سياسة العقوبات التي فرضت على بعض اطراف المعادلة الاوليغارشية.

ان تصوير خيار الحريري على انه الخيار الاصلاحي، الذي سوف يعيد جسور التواصل مع دول الغرب الديموقراطي والمؤسسات والمؤتمرات الدولية والدول المانحة، دون اي تفسير لكيفية القفز فوق سياسات السيطرة الشيعية التي تتحكم بمفاصل القرار العام، وتوضيح ملابسات الاصلاح المالي التي تفترض وضع اليد، بادئ ذي بدء، على الاموال المنهوبة واجراء اصلاحات هيكلية تطال اسس النظام الريعي الذي تديره هذه الاوليغارشيات، هو عنوان لسياسة تضليل مبرحة لا تقنع احدا. يبدو ان اعطاء الثقة للحريري فعل ايمان لا يستوجب مقدمات شرطية، فالرجل بحكم رصيده في الحكم على مدى ١٥ سنة يستأهل تأييدا غير مشروط، ولاحاجة للمراجعة. اما تعثر التأليف فيعود الى حسابات ومصالح الفاشيات الشيعية المتحركة المستهدفة من قبل الخزانة الاميركية ( حزب الله، نبيه بري )، ومصالح مواليهم في مختلف الاوساط الاوليغارشية السنية والمسيحية والدرزية ( ميشال عون، سليمان فرنجية، جبران باسيل، نجيب الميقاتي، محمد الصفدي، وليد جنبلاط، فؤاد السنيورة، رياض سلامة …)، وما تستحثه من مناورات، وتنازلات واشاحة للنظر. ان الاستمرار في هذا النوع من السياسات هو بلف لكسب الوقت، وتثبيت واقع الاستثناءات السيادية، ومتابعة سياسات الاستباحة، وترسيخ واقع السيطرة المتعددة المرتكزات. هذا العرض للوقائع يستدعي التساؤلات التالية:
ما هو سبب عودة سعد الحريري الى رئاسة الحكومة بعد انقضاء سنة على استقالته، وما هو برنامجه الفعلي، وما هي درجة التزامه بخارطة الطريق التي طرحتها المبادرة الفرنسية وقدرته على العمل بموجباتها ؟ الى اي مدى يتمتع بالاستقلالية الفعلية تجاه املاءات حزب الله واولوياته؟ ما هو البرنامج الحكومي الذي يأتي على اساسه وهل لديه من روزنامة تنفيذية ملزمة تحكم اداءه؟ اين تقع دائرة حركته وهل له من علاقة مع الحراكات المدنية؟ اما الجواب على كل هذه الاسئلة سلبي، فالرجل لا يمتلك اية خطة حكومية، ولاقدرة له على تبني أية خطة تخرج عن دائرة الوصاية الشيعية والمصالح الاوليغارشية وسياسات النفوذ الاقليمية المتضاربة، واما الجواب الآخر هو ، اما الحريري او الفراغ!!

من قال في ظل هكذا مناخات، ان الحريري سوف يأتي بديلا عن الفراغ وليس غطاء له، ومن قال ان الحكومة التي تأتي في ظل ارتهانات مسبقة سوف يسمح لها العمل، وتكتب لها فرص النجاح؟ ان اية توليفة حكومية تأتي في ظل وصاية الفاشيات الشيعية والاقفالات الاوليغارشية، لن تكون سوى تكملة للنهج الذي حكم لبنان خلال الثلاثين سنة الماضية. ان المداولات الاوليغارشية الجارية غير ملتبسة لا في حيثياتها ولا في مؤدياتها، لقد عدنا الى النقطة صفر وكأن الحراكات والثورة المدنية لم تنوجد.

لا امكانية لأية مقاربة اصلاحية خارجا عن كسر الاقفالات التي تفرضها سياسات النفوذ الشيعية والاقفالات الاوليغارشية، ودون الخوض في سبل الاصلاح السياسي البنيوي باتجاه الفدرالية والحياد، واعادة النظر بالثقافة السياسية السائدة، ومقاضاة الاوليغارشيات المسؤولة عن الجنايات المالية التي دمرت الدولة وقوضت مفهوم الخير العام. لا خروج من حلقة السيادة المحدودة والمعطلة والاستنسابية الجهنمية الا من خلال بنية وطنية ودولتية متماسكة في مفاهيمها ومؤسساتها وقدراتها العملية، ودون وضع حد لمداخلات سياسات النفوذ الاسلامية المتضاربة، والتزام مبدأ الحياد تجاه محاور النفوذ المتحركة؛ ولا اصلاح لآليات الحوكمة ما لم يستأصل العمل الحكومي والتدبيري من املاءات سياسات النفوذ، لحساب العمل المهني والجدارة والنزاهة التي يفترضها، وتعاد الصدارة لمبدأ المحاسبة الملازم لمفهوم دولة القانون. من ثم لا مجال للخوض في اي من الاعمال الاصلاحية التي ذكرنا ما لم يصار الى مقاضاة اعمال النهب، ووضع حد نهائي لدولة الريوع والحيازات التي حولت العمل العام الى الموقع الناظم للعمل المالي والاقتصادي المنحرف العامل على خطوط تقاطع سياسات النفوذ الداخلية والاقليمية، وانشطة الجريمة المنظمة والعمل الارهابي الملازم لها. ان فتح مسألة التحقيق الجنائي وتوسيع نطاقاته بحيث يشمل كل قطاعات العمل العام، ومقاضاة فاعليه على تدرج مسؤولياتهم السياسية والادارية والامنية، اساس اذا ما اردنا الخوض في مشروع الاصلاح المالي البنيوي، واعادة المصرف المركزي الى دوره الناظم في المجالات المالية، واعادة ربط العمل المصرفي بآليات العمل الاقتصادي الفعلي، وربط العمل التربوي بالعمل الاقتصادي على قاعدة الاقتصاد المعرفي على تنوع تطبيقاته.

ان الخوض المتحرر من الاملاءات التي تحكم الحياة السياسية اللبنانية يفترض تدويلا للازمة اللبنانية، اذا ما اردنا نقاشا صريحا وسياديا واصلاحيا يخرجنا من دائرة الترهيب والابتزاز والمماطلة التي تعتمدها الفاشيات الشيعية واصناؤها في الاوساط الاوليغارشية، سبيلا لسياسات انقلابية ومشاريع سيطرة تتجاوز الحدود اللبنانية باتجاه الواقع الاقليمي المتفجر وتنوع مداراته، وما سوف يستحثه من صراعات مفتوحة على مجمل النزاعات الاقليمية وتشابكاتها. ان الخوض في سياسة العقوبات المعممة وتلازمها مع تدويل الازمة ووضعها تحت التحكيم المباشر للامم المتحدة، هو المدخل الاساس لاحتواء وردع صلف الاوليغارشيات وسياسات النفوذ الناشئة عنها، واستقامة موازين القوى التي تمهد للنقاش الديموقراطي والساعي فعلا للسلم الاهلي والاصلاح. اداء الفاشيات الشيعية ومصالح النادي السياسي-المالي المغلق ليسوا بهذا الوارد، وهذا ما يجب الا ننساه.