د. وليد فارس/فرنسا تواجه “الإخوان المسلمين” على أراضيها… وسع هذا المحور الإقليمي جبهاته ونقل المعركة إلى باريس

117

فرنسا تواجه “الإخوان المسلمين” على أراضيها… وسع هذا المحور الإقليمي جبهاته ونقل المعركة إلى باريس

د. وليد فارس/انديبندت عربية/28 تشرين الأول/2020

دخلت فرنسا الأسبوع الماضي حلقة صراع مع آلة الإخوان المسلمين، المدعومة من قطر والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن هذه المرة على أراضيها القومية. وتبادل الرئيس إيمانويل ماكرون ونظيره التركي العبارات القوية، بينما تكاد أساطيل بلديهما تتجابه شرق البحر المتوسط. وكانت المجابهة في صورتها الشاملة قد بدأت فوق صحاري ليبيا، عندما أرسل أردوغان جيشه ليضرب الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، المدعوم من الحكومة الفرنسية.

المحور الإخواني الإقليمي الذي يتبارز مع دول التحالف العربي، منذ بضع سنوات، يهدف أساساً إلى إضعاف وإسقاط حكومات الدول الأركان في التحالف، السعودية والإمارات ومصر. وقد فتح جبهات عديدة ضدها، لا سيما في ليبيا وسوريا واليمن، بالإضافة إلى شن الحملات الإعلامية والقانونية ضدها في أنحاء الغرب كافة.

ومع تطور الأوضاع، وسع هذا المحور جبهاته لتشمل مياه البحر المتوسط وقبرص واليونان، وأخيراً أرمينيا. فإذا بالمحور الإخواني الإقليمي، (وأنقرة هي ذراعه الأقوى)، يتحول إلى مركز إقليمي لمجابهات على محاور عدة. وقد وصل إلى صدام مباشر مع فرنسا، القوة العظمى النووية، والعضو الدائم في مجلس الأمن، والقائد الرائد في الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا منه. والسؤال هو، لماذا اشتبك المحور الإخواني مع فرنسا ورئيسها ماكرون؟ فالمواجهة مع باريس ستصد أي تصويت في مجلس الأمن، إذ إن حق النقض الذي تمتلكه بإمكانه إسقاط أي مشروع لمصلحة أنقرة، أو المحور الإخواني، إذا أرسل إلى الأمم المتحدة. ضف إلى ذلك، أنه بعد انسحاب لندن من بروكسيل، خسر اللوبي الإخواني كتلته الأساسية في بريطانيا، التي كانت الأكثر تأثيراً في الاتحاد الاوروبي، تاركة الأخير تحت تأثير فرنسي أكبر. إذاً، لماذا تشن حكومة أردوغان الإسلاموية حربها السياسية على فرنسا؟ الأسباب عديدة وهذه أهمها:

إن أكبر هدف إستراتيجي حيوي للمحور الإخواني في الشرق الأوسط، هو السيطرة على دولة نفطية، بالإضافة إلى قطر المقاطعة خليجياً، للحصول على مدخول مالي إستراتيجي يفك العزلة عن “الدولة – الأم” ويأتي بالنهر المالي لإنقاذ اقتصاد الأناضول النازف. ليبيا، المنقسمة، والمضروبة بحرب أهلية مُنهِكة، التي تسيطر الميليشيات الإخوانية على غربها هي الخزان المنقذ للمحور، إذ إن الدول النفطية في الخليج والجزائر بعيدة المنال.

ثانياً، إن موقع ليبيا يجعلها كأم المواقع الإستراتيجية، حيث إنها تضع القوات التركية في حال سيطرت على البلاد، على تماس مع كامل الحدود المصرية، مع ما يؤدي ذلك إلى اختلال الموازين. كما أن المحور وصل إلى حدود الجزائر وتونس والسودان عبر ليبيا. وكأن هكذا الانقلاب الإستراتيجي هو إعادة لإنزال ألمانيا في ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية.

إلا أن الأكثر خطورة، هو أن تصل قوات المحور إلى حدود الساحل الأفريقي الكبير ونشر التكفيريين (نَصِفهم بالجهاديين في الغرب) في كل المنطقة.

رأت فرنسا أن المحور الإخواني الإقليمي بات قريباً من اجتياح مجالها الحيوي القاري، ما يشكل أخطاراً إستراتيجية كبيرة ليس على مصالحها المتوسطية فحسب، بل الأفريقية أيضاً. واعتبر الفرنسيون أن المحور بات على وشك قطع طريقها إلى أفريقيا والسيطرة على حاجاتها وحاجات أوروبا من النفط والغاز. وخشيت باريس، عن حق، من أن تسلم حكومة الرئيس أردوغان مناطق واسعة من ليبيا والساحل للميليشيات الإخوانية والمجموعات التكفيرية المقاتلة.

لذا ردت فرنسا إستراتيجياً، فدعمت الجيش الوطني الليبي والبرلمان. وتواصلت مع التحالف العربي عبر السعودية والإمارات ومصر، وشُكلت كتلة عربية – فرنسية مضادة للمحور الإخواني. فردت أنقرة بتسليح طرابلس، وإنزال قواتها في الغرب والهجوم على الجيش الليبي، والتوسع في البحر المتوسط باتجاه اليونان و قبرص. هنا أيضاً وجد الرئيس أردوغان فرنسا أمامه على كل المحاور، في ليبيا، وعلى البحار، وفي المحافل الدولية.

وأدى تصاعد الدور الفرنسي إلى إعادة تموضع الدور الأميركي، الذي انتقل من داعم لتركيا إلى محايد، إلى منحسر حتى انتهاء الانتخابات. فرنسا باتت كجدار أمام المحور الإخواني، لا بد من زعزعته. وهذا لم يعد ممكناً إلا بتفجير أزمة داخلية في فرنسا تطيح بماكرون وتشل فرنسا.

فجأة بدأت الحوادث الأمنية في مدن فرنسية، ترافقها تعبئة إعلامية ضد باريس وماكرون، أطلقتها أصوات إخوانية، وصلت إلى حد إطلاق تصريحات وخطب هجائية لاذعة من أردوغان شخصياً. والمعروف أن الشبكات التكفيرية العنيفة كانت دائماً في حالة حرب ضد الدولة الفرنسية، وتستهدف الشرطة منذ سنوات. كذلك، امتدت الشبكات الإخوانية إلى الضواحي وواجهت المعتدلين في الجاليات المسلمة.

فجأة، جاءت حادثة قتل المدرس الفرنسي بقطع الرأس على يد متطرف، بعدما عرض صوراً كاريكاتيرية يعتبرها المسلمون مسيئة للنبي محمد، ومثيرة للمشاعر الدينية للمؤمنين، لتنفجر في وجه ماكرون واضعة إياه أمام حدين. الأول هو انفجار للمشاعر الدينية في الجالية ضد الرسوم، وصدور تهديدات أكبر يقال إن الشبكات الإسلاموية القريبة من الإخوان تنفخ فيها وتكبرها. في المقابل، هناك ردات فعل غاضبة لدى اليمين الفرنسي والقوى الشعبوية، التي طالبت بضرب المتشددين. ضف إلى ذلك، انتقاد اليسار الفرنسي لماكرون بسبب “سياسته الخارجية”. وهنا انقضت الحلقات القريبة من الإخوان لتحمله مسؤولية العنف، معللة بأن “سياسته الخارجية في ليبيا وأفريقيا والمتوسط”، هي المسؤولة عن العنف في البلاد، كأنه بات محاصراً في باريس نفسها، ما يمنعه عن مواجهة المحور في الخارج.

إلا أن التحالف العربي بقيادة السعودية وبمساندة إماراتية ومصرية، سرعان ما تدخل، مندداً بالرسوم المسيئة من ناحية، ورافضاً الردود العنيفة من المتطرفين ومعلناً تصديه للإرهاب. ما عنى رفضاً عربياً وإسلامياً للرد التكفيري ومنعاً لأردوغان من استعمال إخوان فرنسا لإسقاط ماكرون وفرنسا في الفوضى. موقف الرياض الإستراتيجي قد يجهض تحركات أنقرة في التشجيع على إشعال فتنة في فرنسا بين المسلمين والدولة.

إلا أن المحور الإخواني، يبدو كأنه نقل المعركة إلى أرض فرنسا القومية، لإسقاط دورها العربي والشرق أوسطي. ولن يُسقط هكذا إستراتيجية، إلا إستراتيجية مضادة تجمع التحالف العربي بالاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسية لمواجهة التطرف في كل القارات.