المحامي عبد الحميد الأحدب/من ماكرون الذي حمل المحبّة الى لبنان، الى الشيشاني الذي ذبح الأستاذ الجامعي!…أليس المسلمون الحقيقيون هم الذين يجب ان يؤكدوا ان ذبح استاذ التاريخ ليس إسلاماً؟

63

من ماكرون الذي حمل المحبّة الى لبنان، الى الشيشاني الذي ذبح الأستاذ الجامعي!…أليس المسلمون الحقيقيون هم الذين يجب ان يؤكدوا ان ذبح استاذ التاريخ ليس إسلاماً؟
المحامي عبد الحميد الأحدب/27 تشرين الأول/2020

المشاهد الخرافية التي تراها الدنيا الآن لم تهبط من السماء فجأة. وإنما تحدث هذه التحولات بقوانين التطور ذاتها: تغييرات كمية تتراكم بعضها مع بعض ويُحدث تراكمها تفاعلات تؤدي في لحظة من اللحظات الى تغير نوعي يبدو فورياً وليس هو كذلك في الحقيقة! كمثل الحياة في جنين الأم، كمثل البذرة في باطن الأرض، في البداية تكون ساكنة كالجماد، ثم تطرأ تغييرات تتراكم مع بعضها كمّاً. وعند لحظة معينة من التراكم تدبّ الحياة ويحدث التحول الكيفي، ثم يختلف ما “جدّ” تماماً من طبيعة ما “كان” وهكذا.

كان الرئيس الفرنسي ماكرون يجمع ما يسمى خطأ “زعماء لبنان” في قصر الصنوبر ثم يجول في المرفأ ويمد يد العون والمحبة الى اللبنانيين الذين وضعهم سياسيو عهده الحاكم في حصار مع الدنيا وجعل الدول لا تتطلع الى لبنان وهو في هذه المحنة بعد أن كان لبنان جوهرة الشرق، وعاصمة وجوهرة الثقافة الشرقية والغربية ممتزجَين.

في هذا الوقت كان استاذ التاريخ في فرنسا، الدولة العلمانية المدنية، يُدرِّس الإسلام وشاء ان يعرض صورة كاريكاتورية للرسول محمد (ص) في ثقافته العلمية المدنية.

واعتبر شيشاني داعشي ما عرضه الأستاذ الجامعي تعرضاً للإسلام ونبيَّه فَكَمَنَ لأستاذ التاريخ وذبحه وهو خارج على باب المدرسة! فهذه الثقافة الداعشية ما زالت تفهم الدين على طريقتها وببربريتها وبثقافتها الأمية!
فأستاذ التاريخ الفرنسي شرح ايضاً ان القرآن الكريم يقول: “لِتَجِدَنّ أقرب الناس للذين آمنوا الذين قالوا انهم نصارى ذلك ان بينهم قسيسين…”. وفي القرآن سورة مريم، وشرح استاذ التاريخ معنى احتواء القرآن على سورة مريم “التي لم يمسّها بشر”. وتطور الأمر في فرنسا الى غضب عاصف مخيف، لأن الفرنسيين حريصون على نظامهم العلماني الذي ليس للدولة فيه دين والدولة على الحياد بين الأديان!

والفرنسيون لهم ثقافتهم ومفاهيمهم وهم ليسوا مستعدين للتخلي عنها، فلا هم يفرضون على الآخرين من ابناء الديانات الأخرى نظامهم العلماني المدني ويرفضون ان تُفْرَض ثقافات الأديان الأخرى عليهم! حتى ولو كانت الأديان الأخرى لها اديان في دين كل واحد منها، دين سموح ودين متوحش، ولكن الذي كان يهمّ الفرنسيين هو الحرية وحقهم في حرية الرأي وان كانت هذه الحرية لا تعجب الأديان المتفرّعة من الأديان الأخرى!

وكانت ثورتهم الغاضبة العاصفة ان تفرض الأديان المتفرعة من الأديان الأخرى مفاهيمها البربرية عليهم في عقر دارهم وبالخنجر والسلاح.
والتاريخ كله سقطات مثل هذه! المسيحيون انقسموا وتقاتلوا وخرج من الدين الكاثوليكي اديان ومذاهب كالأورثودوكسية والبروتستانتية… والمسلمون تقاتلوا وخرج من الإسلام السني اديان ومذاهب كالسنية والشيعية والعلوية والدرزية…!

ولكن المشهد الذي شهده لبنان بنوع خاص كان مروّعاً، ولم تُقَصِّر بعض البلاد العربية عن الإنضمام الى الأديان المتفرعة من الدين الإسلامي كالأردن، انقضت على فرنسا تُقاطع بضائعها وتُحرق اعلامها.

ولبنان كان بين رئيس فرنسا الذي كسر الحصار الذي أوجده عهد السياسيين الحاكم وهو كله من بقايا الحرب الأهلية، كسر هذا الحصار بكثير من الشهامة والشرف وحبّ لبنان وجاء يمد يد العون ويقدم المساعدة لإنقاذ لبنان الذي صار في قعر الإنهيار!

المشهد في آخر الأسبوع الماضي كان غريباً: من جهة الدعم والعمل والمساعدة للبنان الجريح من جهة والشيشاني الداعشي يذبح استاذ التاريخ على باب المدرسة لأنه علق صورة الرسول محمد (ص) وناقش في الإسلام! اي ان الحرية والثقافة والتسامح اصطدمت بالبربرية التي انتفضت بإسم المقدسات!

وانضمت بلدان عربية وفي طليعتها الأردن، انضمت الى “الشيشاني” واخذت تدعو لمقاطعة المنتجات الفرنسية وتحرق الأعلام الفرنسية!
الى اين؟

العرب يطبّعون مع اسرائيل ويتجهون الى تحالف مع اسرائيل يسمح المسلمون للداعشية ان يذبح استاذ التاريخ على باب المدرسة في باريس لأنه رفع صورة كاريكاتورية للرسول محمد (ص).

رَفْع صورة كاريكاتورية للرسول غير مقبول في الإسلام ولا لدى المسلمين ولكن بإمكان المثقفين المسلمين الفرنسيين او الذين يريدون العيش في فرنسا، ان يدخلوا في حوار ثقافي مع الفرنسيين، ومن خلال الحوار تتضح للجانبين حقائق كثيرة! ويذوب جليد الكره والحقد والجهل ليحل محله الإسلام الحقيقي الذي يقوم على التسامح والحوار.

ان الفكر في البلاد العربية لم يخرج، لقد أُرْغِم على السكون في بعض لحظات تاريخنا ولكنه لم يهاجر. لقد عرف تاريخنا القريب نماذج عديدة من “المفكر” الذي استطاع تمييز مسؤوليته الاجتماعية والانسانية والدينية وحمل اعباءها: رفاعة رافع الطهطاوي، الشيخان العظيمان: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في حمل لواء التنوير والتحرير. بل الى سنوات قليلة كان بيننا طه حسين بصيحته العظيمة بأن المدرسة حق لكل الناس مثل الماء والهواء.

لكن انكساراً ما في خط التقدم حدث في ظروف الحرب العالمية الثانية، فقد انفتحت كل الأبواب في العالم العربي على مصاريعها لتيارات وقوى عالمية اقتحمت الأبواب والنوافذ اكتسحت في طريقها ركائز ورواسي كثيرة حتى بعض التضاريس والمعالم الطبيعية في عوالم الفكر والثقافة.
في هذه اللحظات التي يذبح فيها الشيشاني استاذ التاريخ في باريس لأنه رفع صورة كاريكاتورية للرسول محمد (ص) تجعلنا نفكر بالعودة الى التاريخ.

ان العودة الى التاريخ كالحفر في طبقات الأرض، دائماً متعبة واحياناً مملة، فهي تبدو متصلة بالماضي اكثر من اتصالها بالمستقبل. واعتقادي ان النظر الى الوراء والنظر الى الأمام كلاهما ضروري للتقدم بمثل ما يفعل سائق السيارة: ينظر الى المرآة المعلّقة امامه فوق عجلة القيادة لكي يرى ما وراءه، ثم يعيد تركيز بصره على طريقه المفتوح الى الأمام.
ما الذي تفعله المسيحية الأرثودوكسية في روسيا؟ والمسيحية الكاثوليكية في اوروبا واميركا؟ وما الذي يفعله الإسلام في الجمهوريات الجنوبية للإتحاد السوفياتي؟ وما الذي يفعله الإسلام والمسلمون في البلاد العربية؟ وما الذي يفعله المسلمون في اوروبا؟

ان الشوارع الآن وليس القصور هي التي تقرر المصائر في عصر جديد. ان هناك لحظات في التاريخ تصبح فيها الميادين المفتوحة اقوى من القلاع المحصنة، وتصبح فيها المظاهرات السلمية سلاحاً أفعل من عتاد الجيوش، وتصبح فيها الفكرة أعلى دوياً من القنابل حتى ولو كانت ذرية. إنّ سقوط خطوط التقسيم سوف يؤدي الى بعثرة في الصفوف، قد تختلف معها المواقع وتختلف التوجهات دون ضابط إيقاع، وهو دور كانت واشنطن تقوم به غرباً وموسكو تقوم به شرقاً، الآن صارت الدنيا على وشك ان تسمع انغاماً متعارضة ومتقاطعة لأنه لم تعد هناك حرب باردة ولا عملاقان، صار هناك الإسلام والمسيحية.

ذلك يذكّر بما قاله غورباتشوف في مذكراته إذ قال في قاعة البرلمان حين تحدث قائلاً: “عندما جئت الى السلطة وجدت الإناء السوفياتي على النار يغلي، وتصورت ان المطلوب هو رفع الغطاء عن الإناء لتنفيس البخار. ولكن ما رأيته داخل الإناء كان أصعب مما تصورت. ولم يكن في مقدوري ان اعيد الغطاء والتظاهر بأنني لا اسمع ولا أرى شيئاً، وإنما وجدت ان واجبي يحتم عليّ ان اصارح الشعب السوفياتي بالحقائق، وأن ادعوه –وهو وحده القادر- الى المشاركة في مواجهة الخطر”.

عندما وصل غورباتشوف الى القمة في الكرملين في مارس 1985 ثم اضطر اضطراراً الى طرح سياسة البيروسترويكا (إعادة البناء) والجلاسنوست (الحديث بصوت عالٍ) كانت المفاجأة الكبرى. فقد ظهر أن الخلل الاقتصادي والإجتماعي في التجربة السوفياتية لا يقل خطراً عن التجاوزات الإنسانية والحقوقية (دستوراً وقانوناً)، في هذه التجربة التي استطاعت – وهذه ظاهرة تدعو الى إطالة التفكير والتأمل حقبا طويلة ان تثير وتلهم كتلاً عظيمة من البشر وتشد خيالهم. والأمر نفسه حاصل في البلاد العربية والإسلامية التي بدلاً من ان تذهب الى طه حسين هي ذاهبة الى الداعشية بعيون مغمضة. والعالم العربي بحاجة الى ثورة فكرية تعيده الى فكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وطه حسين وعبد القادر الحسيني.

كان المرض في الماضي هو الذي يسبب العدوى وحده. والآن فإن الصحة لأول مرة في التاريخ قد تكون معدية. هذا العالم لم يعد يعرف حدوداً. وقد نستطيع التحوط ضد انتقال الأمراض- مثل الكورونا مثلاً- ولكن البشرية لم تعرف ولن تعود تعرف تحوطاً ضد الأفكار.

في مرحلة سابقة كانت الشعارات قادرة وحدها على ان تكون سياسات، (امبراطورية الشر- الإحتكارات الإمبريالية)، الآن تحتاح السياسة الى لغة جديدة في الخطاب والى ثورة فكرية تثبت الإنسان في العقل وتركز الفضيلة في هذا العقل.