د. منى فياض/شارل مالك وحقوق الفرد واحترام الإنسان

35

شارل مالك وحقوق الفرد واحترام الإنسان…
د. منى فياض/النهار العربي/15 تشرين الأول/2020

حقوق الإنسان ينبغي أن تكون مُصانة في أي مجتمع يحترم نفسه، فالإنسان – الفرد هو الركيزة الأساسيّة التي تقوم عليها الدولة الديموقراطية. والإنسان يولد حُرّاً، ولهذا تجب حماية حقوقه الأساسية، بما فيها حريته. لكن لبنان الذي كان من مؤسسي شرعة حقوق الإنسان، لم يعد يحترم هذه الحقوق. فما هي شرعة حقوق الإنسان وكيف أُقرت؟

نقرأ في كتاب “دور لبنان في صنع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”: لم يلق اختيار السيدة روزفلت، كرئيسة للجنة حقوق الإنسان، التأييد المطلوب من الادارة الأميركية للاهتمام بموضوع الحقوق. لكن مبادرة أكثر من 42 مؤسسة أميركية غير حكومية لتأييد ذلك الاختيار، والحماسة الفائقة التي أبداها الشعب الأميركي له، جعل الدولة الأميركية تنصاع للأمر الواقع وتبدي اهتماماً أكبر بحقوق الإنسان.

لا بد من التذكير بهذه البدايات الصعبة لمسألة حقوق الإنسان، الإشارة الى مداخلتين أجراهما شارل مالك بصددها: الأولى في 31 أيار (مايو) 1946، خلال مناقشة الجمعية العمومية لتقرير من السيدة روزفلت التي كانت ترأس في الوقت نفسه “اللجنة الثالثة” المعنية بحقوق الإنسان والتي ورد ذكرها آنفاً. ركز في تلك المداخلة على موضوع الحريات الأساسية للأفراد والجماعات، وربطها بحرية المعتقد وحرية الضمير، وقال إن تلك رسالة بلده لبنان، كما اصرّ على إبراز الاهتمام بهذه الحريات في أي شرعة لحقوق الإنسان، وإضافتها الى ميثاق الأمم المتحدة.

المداخلة الثانية حصلت في 21 حزيران (يونيو) 1946 وأبرز في تلك الجلسة دور الأمم الصغيرة في تحرير الوظائف الفكرية المشار اليها من نفوذ الأقوياء. وكان هذا التطاول الجريء من شارل مالك على “الاستابليشمنت” الدولي المنتصر على الرايخ هو الحافز الأساسي لعقد المؤتمر الأول لمنظمة الأونيسكو في لبنان 1947.

ومهما يكن من أمر، فقد تزامنت ولادة الأونيسكو مع اهتمام متزايد بحقوق الإنسان، الامر الذي دفع تلك المنظمة الى توجيه استشارة عالمية حول حقوق الإنسان شارك فيها كبار المفكرين، بينهم طه حسين…

وكان السؤال الأبرز هل من حقوق مطلقة للإنسان تتجاوز الأمكنة والأزمنة والخصائص الثقافية والعقائد الدينية والأنظمة السياسية والاجتماعية؟ وما هي في رأيهم هذه الحقوق؟ فأجمعت الأجوبة على وجود حقوق أساسية للإنسان، لكنها اختلفت على تحديد منشأ الحقوق المذكورة والعوامل التي أسهمت في ايجادها…

أقر المجلس الاقتصادي الاجتماعي روزنامة خاصة لإنجازات اللجنة على أن يتم خلال عامي 1947 و1948 لوضع شرعة حقوق الإنسان… وأصبح لبنان مرتبطاً بهذا الالتزام كلياً لأن مدة عضويته تنتهي بنهاية عام 1948. لا ريب في أن هذا الاختيار ميّز لبنان وفرض أن يكون في عداد الدول الموكل إليها تصميم الشرعة الإنسانية وصيغتها…

كتب في يومياته – لانشغالاته وسفره المتواصل: أنا مثل وطني لبنان وحيد معزول، وأنا ولبنان وسائر الدول الصغيرة نهتم بالقيم الإنسانية الأساسية وحقوق الإنسان، أما الأقوياء فلا تعني لهم هذه الأمور الكثير. إنني قلق على وضع لبنان ومستقبله، فهو لا يجد من يدعمه… فرنسا ضعيفة وبريطانيا لا تفكر إلا بمصالحها وتستغل الآخرين وروسيا فهي لا تستطيع تلبية حاجتنا الأساسية ما دامت شيوعية (ولم يتغير الأمر بعد زوال الشيوعية)، وأما أميركا، فتحيل الأمور الى الأمم المتحدة ولا تقدم أي تدبير خارج حدودها إلا في إطار المنظمة الدولية. العالم العربي ضائع ويحتاج الى دعم أكثر منا…

في الخلفيات: تحديات المستحيل
حصلت اجتماعات مكثفة للفلاسفة والمفكرين الذين استشارتهم الأونيسكو في مسألة حقوق الإنسان المشار اليها من 27 كانون الثاني (يناير) الى 10 شباط (فبراير) 1947. لجنة الصياغة: روزفلت رئيسة والصيني بنغ تشونغ تشانغ نائباً لها، وانتخب مالك مقرراً.

في الجدل والنقاش حول الحقوق وُجد رأيان:
– الصيني (والاتحاد السوفياتي واليوغوسلافي) ينادي بأن رفع مستوى الإنسان يتم بتحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، وأن حقوقه تنبع من المطالبة بتأمين الحياة الفاضلة في دولة مثالية. وكان يذهب الى الدفاع عن الدولة العادلة وان طغيان الانظمة السياسية في حقب التاريخ هو الذي أينع فكرة حقوق الإنسان.

– كان مالك يقول في المقابل إن ذلك الطغيان التاريخي أساء الى أفراد او جماعات محدودة، اما اليوم، فإن الطغيان الجديد مختلف تماماً لأنه طغيان الجماهير المسيرة والأنظمة التوتاليتارية والعقائد المنحرفة، وكلها يعمل على تذويب الفرد في الجماعة، بل إنه طغيان طبقة على طبقات، وطغيان الدولة بكل ما تملك من قوة وسطان.

مداخلة مالك:
إن ادعاءات المجموعات اليوم، بخاصة السياسية منها، أن الامة تتجسد في مؤسسة تسمى الدولة، تطغى في شكل متزايد. وهي تميل الى أن تفرض على الشخص ما يجب أن يفكر، ما يجب أن يعمل وحتى ما يجب أن يعتقد ويطمح اليه، وبما يتعلق به شخصياً وبطبيعة الأشياء. إن الدولة ككيان سياسي باتت تسيطر أكثر على مصير الإنسان كإنسان من طريق القوانين، والضغط النفسي والاقتصادي، وأيضاً من طريق الدعاية والضغط الاجتماعي. يكمن هنا أقوى مخاطر العصر، وهو بالتحديد القضاء على الإنسان وفرادته وحصانته، وبالتالي تلاشي حرية الاختيار. وما لم ترفض لائحتنا للحقوق هذا الخطر او تتضمن تصحيحاً له، أخشى انها لن تقوم بأكثر من التعبير عن قوى هذا العصر الضاغطة من دون التأمل ملياً بها.

لهذا قدم 4 اقتراحات:
1- إن شخص الإنسان من أصله يتقدم على أي مجموعة ينتمي اليها، سواء أكانت طبقة أم العرق أم الوطن أم الأمة. إنه، كشخص إنساني، متقدم بجوهره على هذه المجموعات…

2- لذلك فإن عقله وضميره هما أكثر ما في الإنسان قداسة وحصانة وليس انتماؤه الى هذه الطبقة او تلك الأمة أو هذا الدين أو ذاك…

3- إن أي ضغط اجتماعي، بصرف النظر عن مصدره، والذي يقرر بصورة أوتوماتيكية ما يقرره الشخص، هو خطأ…

4- إن أي مجموعة ينتمي اليها، مهما كانت، دولة أو أمة او أي شيء آخر، معرّضة للخطأ شأنها شأن الفرد الشخص. ففي كلتا الحالتين، الفرد – الشخص فقط بواسطة عقله وضميره، هو الحكم الصالح على صحة الأمور وبطلانها…

ختم مالك بالقول: الفرد هو أساس كل مجتمع، وقد سبق وجرّده وجود الدولة التي وجدت أصلاً لخدمته ولم يوجد لخدمتها.

وكان مالك يركز على مبادئ عامة: على عدم بقاء الإعلان العالمي لحقوق الانسان مجرد حبر على ورق في وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة، بل أن يُدرج في القوانين الدستورية للدول فيكتسب صفة الشرعية القانونية.

– التسليم المطلق بأن سلطة الدولة مستمدة من “إرادة” الشعب لا من “موافقة” الشعب كما كان يقترح الروس والبريطانيون.

– حرية العقل والضمير في اختيار الفرد لموقفه من توجهات الجماعة المسيسة.

– تعزيز الثقافة والتراث الكلاسيكي للشعوب وتبادل آلائهما بينهما، واحترام حرية التغيير وحرمة العائلة والاعتراف بحق اللجوء وحق تقرير المصير.

– إيلاء الدول الصغيرة ما تستحقه من اهتمام وتزويدها بالمفاعلات القانونية الدولية لتمكينها من فرض آرائها البعيدة من المصالح الامبريالية على الدول العظمى الطامعة بمزيد من السيطرة والاستعلاء.

– عدم استثناء أي دولة أو شعب على الإطلاق من امتيازات حقوق الإنسان بسبب العرق أو اللون أو الدين، واعتبار جميع الأمم متساوية في الحقوق الإنسانية، مجتمعات وأفراداً.

واستمر الصراع بين انصار مالك وانصار النظرة المادية الماركسية التي تعتبر الحقوق نسبية خاضعة لمصلحة المجتمع… لكن عمل المندوب الفرنسي كإنسان بكل براعة واعتمد في بناء الوثيقة الجديدة شرعة “حقوق الإنسان والمواطن”، الصادرة عن الثورة الفرنسية في عام 1789، وشرعة الماغنا كارتا، الصادرة عن نبلاء بريطانيا العظمى عام 1215، وعمل بكل ما أوتي من براعة وتقنية حقوقية على اختصار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ثلاثين مادة، مستعيناً بمالك من أجل اللغة… فطبعت بأفكار مالك.

من أهم النقاط التي أصرّ مالك على إدراجها في الوثيقة، إضافة الى البنود المدرجة أعلاه، ما نصت عليه المادة 81 من حرية التفكير والضمير والدين، والمادة 20 من حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية وعدم إكراه أي إنسان في الانضمام الى جمعية ما، والمادة 26 من حق الإنسان في التعليم وكون هدف التربية هو إنماء شخصية الفرد إنماءً كاملاً وتعزيز احترام الإنسان وحرياته الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح بين الشعوب.