فارس خشان/الإرهاب الإيراني في أوروبا: أسد الله أسدي مثالاً

44

الإرهاب الإيراني في أوروبا: أسد الله أسدي مثالاً
فارس خشان/النهار العربي/14 تشرين الأول/2020

إعادة تسليط الأضواء على ملف أسد الله أسدي، أهدرت مجهوداً إيرانياً جبّاراً، في محاولة منها لإظهار نفسها شريكة دولية في مكافحة الإرهاب، وليس الوجه الآخر له.

****
في السابع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، سوف تشهد بلجيكا حدثاً غير مسبوق، في تاريخ العلاقات الأوروبية – الإيرانية.

يتجلّى هذا الحدث الأوّل من نوعه، في محاكمة دبلوماسي إيراني بتهمة التخطيط لعملية إرهابية ومحاولة قتل عدد كبير من الأشخاص.

وقد جرى توقيف هذا الدبلوماسي، في صيف 2018 في ألمانيا، حيث لا يتمتع بأي حصانة دبلوماسية.

أسد الله أسدي، كان، عند إلقاء القبض عليه في ألمانيا، السكرتير الثالث في السفارة الإيرانية في فيينا، وتبيّن للنيابة العامة وللقضاة الذين أحالوه مع ثلاثة آخرين على المحاكمة، أنّه رئيس وحدة التجسّس الإيرانية في أوروبا.

ووُجّهت الى أسدي تهم تتمحور حول عملية إرهابية خطط لها وموّلها، بناءً لأوامر مباشرة تلقاها من إيران، لقتل أكبر عدد ممكن من المشاركين في مؤتمر نظّمته المعارضة الإيرانية في إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية، في آخر حزيران (يونيو) 2018.

وحضر هذا المؤتمر الذي انعقد، في 30 حزيران (يونيو) في بلدة “فيلبانت” حوالي خمسة وعشرين ألف شخص تتقدمهم شخصيات مقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وشخصيات فرنسية وأوروبية ودولية تعارض النظام الإيراني.

وكان مقدّراً لعصف العبوة الناسفة التي جرى إعدادها على يد محترفي المتفجرات، أن يمتد على شعاع يتعدّى عشرين متراً، وأن يصيب التفجير الناجين بهلع يؤدي الى مقتل عدد كبير منهم، لدى هروبهم العشوائي.

ونسّقت فرنسا وبلجيكا وألمانيا، في عملية مشتركة، إحباط هذه العملية الإرهابية وكشف ملابساتها، وتجميع الأدلة الخاصة بأدوار المتورطين بها.

وسلّمت برلين أسدي الى بروكسل، حيث كانت قد ضبطت العبوة الناسفة، وهي في طريقها الى فرنسا، كما سلّمت باريس الى بروكسل متهماً رابعاً، كان يزوّد أسدي بمعلومات عن مقر مؤتمر المعارضة الإيرانية.

وعادت هذ القضية الى الضوء، هذا الأسبوع، بعد نشر معلومات عن وثائق الاتهام، بالتزامن مع تسريب محضر للشرطة جرى ضمّه الى ملف القضية.

الأهم في القرار الاتهامي ما يتوافر من أدلّة تربط، مباشرة، بين مخطط “الدبلوماسي – المخابراتي”، من جهة وبين المسؤولين المباشرين عنه في طهران، من جهة أخرى.

أمّا الأبرز في محضر الشرطة البلجيكية، فكان تأكيد أسدي، في لقاء تمّ بناء على طلبه في آذار (مارس) الماضي، أنّ هناك جماعات مسلحة في العراق ولبنان واليمن وسوريا وإيران، سوف تراقب مجريات المحاكمة، وهي لن تستكين إذا جاء الحكم ضده، بل ستكون لها ردات فعل ميدانية ترتد سلباً على استقرار بلجيكا وأمنها.

وإعادة هذه القضية الى الضوء، بكل ما تحمله من معطيات ومعلومات وأدلة و”تحذيرات” من مغبة إغضاب إيران وأذرعتها الميليشاوية في الشرق الأوسط، تأتي في وقت تقف باريس وألمانيا، وهما المعنيتان مباشرة بها، ضد إعادة الولايات المتحدة الأميركية العمل بالعقوبات الأممية التي كان قد جرى رفعها بموجب الاتفاق النووي، ومن بينها إسقاط كل القيود عن الإتجار بالأسلحة التقليدية.

وتتعارض هذه القضية كليّاً مع توجه فرنسا وألمانيا الذي تعتبره واشنطن دعماً لطهران، لأنّ معطياتها لا تعيد الى الأذهان الحدث الأساس، وهو تفجير مقر مؤتمر المعارضة الإيرانية فحسب، بل تكشف الوسائل الإيرانية التي تعتمدها تهديداً للاستقرار الأوروبي، أيضاً.

وإذا كانت حكومات بروكسل وباريس وألمانيا لم تتفاعل مع ما جرى نشره، إلّا أنّ ذلك حرّك قوى الضغط المعادية لإيران، من أجل أن يعيد الاتحاد الأوروبي النظر في علاقاته مع طهران، ويتصرّف معها على أساس أنّها تمارس ضمن دوله “إرهاب الدولة”.

وتلقى قوى الضغط، في منحاها هذا، دعماً كبيراً من الإدارة الأميركية التي تريد أن ينضم الاتحاد الأوروبي إليها في استراتيجية “الضغط الأقصى” الهادفة الى دفع إيران الى تغيير سلوكياتها “الإرهابية”، في العالم عموماً وفي الشرق الأوسط خصوصاً.

ومن شأن الكشف عن التهديدات الإيرانية لأوروبا من مغبة الحكم على أحد دبلوماسييها باعتباره صلة وصل إرهابية بين الخلايا التنفيذية التي يشكلها في أوروبا وبين الحكم الإيراني، أن يعوّض عن “النقص المعنوي” لواشنطن، في هذه المرحلة، بسبب دخولها في المرحلة النهائية لإجراء الانتخابات الرئاسية.

في ظاهر الحال، إنّ ما نشرته الصحافة من وثائق ومعلومات عن ملف أسد الله أسدي، أضرّ معنوياً بالاتحاد الأوروبي عموماً، وبألمانيا وفرنسا خصوصاً، ولكن، في واقع الحال، فإنّ إعادة هذا الملف الى الضوء يُمكن أن يرتد إيجاباً على هذه الدول، لأنّها تعطيها ورقة إضافية لتواجه بها إيران، إن شاءت أن تستمر في تفاعلها الإيجابي معها.

إنّ فرنسا، في هذا السياق، قد تلمّست، على الرغم من وقوفها في وجه خطة الولايات المتحدة الأميركية، أنّ إيران تلعب أدواراً سلبية ضد مساعيها، في أكثر من منطقة، ولا سيّما في لبنان.

كما أنّ فرنسا التي تحول دون إدراج “حزب الله”، بجناحيه السياسي والعسكري، على لائحة الإرهاب الأوروبية، وجّهت اتهاماً رسمياً، وبلغة حادة، إلى هذا الحزب، بنسف مبادرتها الإنقاذية في لبنان.

ومن شأن تظهير الدور الإيراني في عملية إرهابية كانت تستهدف فرنسا، كما توسّل طهران لـ”حزب الله”، في تهديد دولة أوروبية، من أجل التأثير على عمل القضاء فيها، أن يرتدا إيجاباً على باريس، لأنّهما يعيدان خلط الأوراق لمصلحتها.

ولا يُعتقد أنّ هذا الملف سوف يرتد سلباً على الحكومات الأوروبية المعنية به، لأنّ كل دولة قامت بواجباتها، حياله، سواء في توفير الظروف لمحاكمة أسدي ومجموعته، كما في مطاردة الخلايا والمجموعات والجمعيات التي يمكن أن تكون لها علاقة بإيران.

وإذا كانت فرنسا قد فرضت عقوبات، في ضوء هذا الملف، على مسؤولين إيرانيين وحظرت جمعيات لها علاقة بإيران وصادرت ممتلكاتها، فإن ألمانيا أدرجت “حزب الله” بجناحيه العسكري والسياسي، بعد وضوح معطيات هذا الملف، على لائحة الإرهاب، كما شنّت حملة على جمعيات وجماعات على تواصل معه ومع إيران.

على أي حال، ومهما كانت عليه التطورات المقبلة، فإنّ إعادة تسليط الأضواء على ملف أسد الله أسدي، أهدرت مجهوداً إيرانياً جبّاراً، في محاولة منها لإظهار نفسها شريكة دولية في مكافحة الإرهاب، وليس الوجه الآخر له.