مقالات أربعة تحكي عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة..الرجل فاشل وكسول ولا يلتزم لا بوعد ولا بعهد.. كان ولا يزال غطاءً للإحتلال الإيراني فيما تحيط به مجموعة من أعتى الفاسدين والمفدسين

274

مقالات أربعة تحكي عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة..الرجل فاشل وكسول ولا يلتزم لا بوعد ولا بعهد كان ولا يزال غطاءً للإحتلال الإيراني فيما تحيط به مجموعة من أعتى الفاسدين والمفدسين

*عون “يمشي بسعد”… والثنائي الشيعي ينتظر “ليونة” أكبر
ملاك عقيل/أساس ميدياالسبت 10 تشرين الأول 2020

*الحريري كرئيس للحكومة: تواطؤ حزب الله والمجتمع الدولي؟
منير الربيع/المدن/10 تشرين الأول/2020

*خصوم الحريري و”أعدقاؤه”.. قوّته
نذير رضا/المدن/10 تشرين الأول/2020

*الحريري الذي اعتاد أن يُقبَّل لا أن يقبِّل
نادر فوز/المدن/10 تشرين الأول/2020

******
عون “يمشي بسعد”… والثنائي الشيعي ينتظر “ليونة” أكبر
ملاك عقيل/أساس ميدياالسبت 10 تشرين الأول 2020
ساعات قليلة فَصَلت بين تسليط قناة “المنار” الضوء على “آداب” التكليف والتشكيل التي كشف عنها نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم كمدخل لحكومة تراعي “الأطر الدستورية”، وبين مسعى “الفرصة الأخيرة” الذي طرحه الرئيس سعد الحريري، معلناً أنّه “المرشّح الطبيعي لرئاسة الحكومة” وأنّه قادر على قيادة مشروع الإنقاذ عبر المبادرة الفرنسية ومساعدات مؤتمر “سيدر”.
هما خطّان مستقيمان لا يلتقيان إلا عند “مشكل كبير” يؤدّي إلى سقوط المبادرة الفرنسية في حال لم تؤدّ الاتصالات التي أعلن الحريري أنه سيقوم بها مع كافة الأفرقاء السياسييين الى إحداث خرقٍ في جدار تصلّب الطرف الشيعي خصوصاً حيال “الشروط” المرافِقة للقبول بأي مرشّح لرئاسة الحكومة.
وعلى الرغم من أنّ الخطوة غير المتوقّعة من جانب رئيس تيار المستقبل بفتح أبواب بيت الوسط لمفاوضات تقود إلى رئاسته حكومة بالسقف نفسه لحكومة مصطفى أديب، مع “تفصيل” قبول ترؤسه شخصياً للحكومة، فإنّ المستجدّ في قاموس الحريري إشارته للمرّة الأولى منذ دخوله المعترك الحكومي عام 2005، إلى احتمال مغادرته حلبة السياسة قائلاً: “هناك انهيار، ويجب أن نخرج منه. لدينا مبادرة فرنسية. إذا تركنا هذه المبادرة تفشل، فإنّها ستكون جريمة. فإما أن نسير بها أو أنا أقول صراحة أنا سعد الحريري لماذا سأعمل في السياسة؟ أنا حينها أفضّل أن أترك السياسة، وأجلس في بيتي… إذا كان القرار أن نصل إلى مكان ما، يكون كلّ واحد حاملاً سلاحاً، حينها أترك”، رافضاً اتهامه بـ”الانبطاحية والاستسلام لأنّني أقوم بأمور للخروج من الأزمة”.
ثمّة من يربط بين مسعى الحريري وبين خطوة ميشال عون التي سبقته بدعوته إلى الاستشارات، ملمّحين إلى أنه في الوقت الذي لم يسجّل أيّ تواصل سياسي بين الأفرقاء بعد اعتذار أديب، كانت قد وصلت مؤشرات إلى بعبدا بحلحلة ومسعى سيقترحه الحريري
وعليه، فإنّ المهلة الفاصلة عن الاستشارات يوم الخميس المقبل، والمرجّحة للتأجيل في حال استدعت الاتصالات مزيداً من الوقت، ستشكّل امتحاناً أمام الحريري نفسه، في مواجهة عقبتين أساسيتين:
– الأولى: هي تراجع ثنائي حركة أمل حزب الله عن مطلب تسمية وزرائهم، وتوضيح موقفهم مع رئيس الجمهورية من بعض بنود المبادرة الإصلاحية المتفق عليها في اجتماع قصر الصنوبر.
– الثانية: هي إعادة جنبلاط – جعجع – باسيل النظر في موقفهم من إعادة تكليف الحريري بعد رفض هذا الثلاثي اسم الحريري مرّتين، الأولى بعد تقديم استقالة حكومته في 29 تشرين الأول من العام 2009 ، والثانية قبل تكليف السفير مصطفى أديب. وقد جاء الردّ القواتي أمس باتهامه الحريري بتقديم تنازلات، ونسف جوهر الحكومة، ليعكس فيتو معراب الصريح على تكليفه مجدّداً.
في المقابل، يبدي رئيس الجمهورية ميشال عون، وفق المعلومات، ليونة أكبر حيال إعادة تكليف الحريري، فيما يجزم القريبون منه بأنّه “سيمشي بسعد” انطلاقاً من اعتبار أنّ عون نفسه، صاحب التوقيع الالزامي على مراسيم التكليف والتأليف، هو ضمانة “التيار الوطني الحرّ” في التسمية أو وضع فيتو على أسماء، من دون إغفال أنّ الأكثرية النيابية هي التي تقرّر من هو رئيس الحكومة المقبل. أما لناحية جبران باسيل، فسيلتزم سياسة تحييد نفسه عن واجهة التسميات، أقلّه في الشكل.
وأبعد من ذلك، ثمّة من يربط بين مسعى الحريري وبين خطوة ميشال عون التي سبقته بدعوته إلى الاستشارات، ملمّحين إلى أنه في الوقت الذي لم يسجّل أيّ تواصل سياسي بين الأفرقاء بعد اعتذار أديب، كانت قد وصلت مؤشرات إلى بعبدا بحلحلة ومسعى سيقترحه الحريري.
وما لا يقوله محيط عون، توضحه مصادر مطلعة بالقول: “لم يعد عون يملك ترف فرض السقوف العالية وعلى رأسها رفض اسم الحريري الذي حتى أشهر مضت كان على اللائحة العونية السوداء بشهادة علنية من جبران باسيل الرافض للتعاون معه مجدّداً. وأكثر من ذلك، حكومة تمشي بالورقة الفرنسية هي حبل النجاة الوحيد لعون، فالعهد في دائرة الخطر الشديد ولم يبقَ منه سوى سنتين، وهو محكوم داخلياً وخارجياً بالتعاون. وإعلان الحريري رسمياً قبوله أن يكون على رأس الحكومة المقبلة لن يقابل بسياسة الأبواب المقفلة، ليس فقط من جانب بعبدا، بل ربما أيضاً من جانب بري وحزب الله… لكنّ الشياطين تكمن دائماً في التفاصيل”.
يؤكد المطلعون أنّ حزب الله تقصّد تسريب محضر اللقاء “الإيجابي” بين مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله عمار الموسوي والسفير الفرنسي برونو فوشيه، الذي وصل إلى حدّ تأكيد الأخير، وفق المحضر، تمسّك باريس بالتعاون مع حزب الله وتفهّمها لموقفه
في مقلب قوى الثامن من آذار، ثمّة من يعاير الحريري بأنّه “امتهن حرق لائحة من المرشحين السنّة، ليقول في النهاية: لا بديل عنّي. وآخرهم مصطفى أديب، ثم نجيب ميقاتي بعدما تجاهل مبادرة الأخير بالكامل، ثم أعلن رفضه لها، مع العلم أنّ استقالته في تشرين الأوّل من العام الماضي، ترافقت مع قرار ثابت بالاستجابة مع رغبة الشارع، وعدم الترشّح مجدداً”.
مع ذلك، فإن التفاوض “على الحامي” الذي لم يبدأ بعد قد يشهد خروقات في ظلّ تمسّك الجميع بالمبادرة الفرنسية من ضمنهم السيد حسن نصرالله ومحافظته على خيط سميك مع الفرنسيين بمعرض ردّه على الرئيس إيمانويل ماكرون.
وهنا يقول مطلعون على موقف الثنائي الشيعي: إنّ “الحريري حَصر موافقة أمل وحزب الله علي الحريري وتمسّكهم بترشيحه بمعيار تخفيف الاحتقان السني والشيعي، وهو أمر صحيح ويفاخر به الثنائي. وكان يمكن حتّى لتجربة مصطفى أديب أن تنجح لو ظهرت بعض الليونة في آلية النقاش حول الأسماء الى حدّ التحايل، لكنّ المطلوب من أديب كان التشدّد لتطييره من جانب الحريري ونادي رؤساء الحكومات. أما اليوم، فإذا تأمّنت هذه الليونة من جانب سعد الحريري، خصوصاً بعد تجاوز عقدة حقيبة المالية، فالحريري سيكون رئيس الحكومة المقبل. وكلّ الأمور قابلة للنقاش. المطلوب براغماتية وواقعية تجاه الوضع القائم لا أكثر، لأنّ الكتل السياسية هي من سيعطي الثقة لحكومته”.
أما لناحية تلميح الحريري، مستخدماً عبارة nuance، بالقول إنّ أمل وحزب الله “ومن معهما” تراجعوا عن موافقتهم على بعض البنود الواردة في المبادرة الفرنسية. فيؤكد المطلعون أنّ حزب الله تقصّد تسريب محضر اللقاء “الإيجابي” بين مسؤول العلاقات الدولية في حزب الله عمار الموسوي والسفير الفرنسي برونو فوشيه، الذي وصل إلى حدّ تأكيد الأخير، وفق المحضر، تمسّك باريس بالتعاون مع حزب الله وتفهّمها لموقفه. أما لجهة الورقة الإصلاحية، فالنائب محمد رعد، كان واضحاً في القول لماكرون شخصياً: نوافق على 90% منها”.
ويعلّق أحد السياسيين قائلاً: “ثمّة من قدّم السلّم للحريري لينزل عن الشجرة، لكن في طريقه هو يصرخ طوال الوقت مخاطباً الشارع. لكن هذا لا ينفي أنه نزل بالفعل. والسؤال إذا كان هناك “مشروع” لملاقاته في آخر السلّم”.

الحريري كرئيس للحكومة: تواطؤ حزب الله والمجتمع الدولي؟
منير الربيع/المدن/10 تشرين الأول/2020
وضع سعد الحريري نفسه بين منزلتين: البحث عن تسوية مع حزب الله وميشال عون وجبران باسيل، لتكليفه بتشكيل الحكومة، والتفاوض على تأليفها من حيث انتهت إليه مفاوضات مصطفى أديب.. أو إبقاء تشكيل الحكومة رهن تطورات خارجية وحسابات أميركية، لأن لا أحد في لبنان يمتلك قرار تحديد المسار.
حزب الله والمجتمع الدولي
وزّع الحريري مواقفه على تناقضات متعددة: قال إن حزب الله صاحب مشروع خارجي، ولكن أبقى الباب مفتوحاً لعقد تسوية معه. وفي معرض انتقاده حزب الله، انتقد الحريري المجتمع الدولي الذي ترك الحزب يقوى وغض النظر عن ممارساته وتوسع أدواره، ويريد من اللبنانيين الآن أن يواجهوه، فتنقاد البلاد إلى حرب أهلية، يرفضها الحريري ويريد التسوية.
ولا شك في أن عوامل التسوية لا تتوفر من دون ظروف خارجية. وهذا ما يراهن عليه الرجل. سواء بملف المفاوضات حول ترسيم الحدود، أو بممارسة الضغط على إيران ليقدم حزبها تنازلات.
مهادنة عون وباسيل
وخيّر الحريري العهد وتياره بين التوجه شرقاً أو غرباً. وهذا يتصل بالتوجهات الدولية، وخصوصاً الأميركية حيال الوضع اللبناني. وانطوى موقفه من التيار والعهد على انتقاد بسيط لجبران باسيل. وهذا يوحي كأنه يريد العودة إلى نسج تفاهم معه، وإن بشكل غير مباشر، يبقى معلقاً في انتظار ما يحمله المستقبل. وهو اعتبر أن مسألة مشاركة باسيل في الحكومة أصبحت وراءه. ولكنه يعلم أنه لا يمكنه تشكيل الحكومة من دون موافقة عون وباسيل معاً. وهذا يتطلب منه دفع ثمن مقابل.
وهو حمّل باسيل مسؤولية إفشال العهد والإضرار به، بسبب سياسته الإلغائية ضد المسيحيين الآخرين. وبهذا قفز الحريري فوق مواقف كثيرة قالها بحق باسيل، فوصفه بأنه “الرئيس الثاني”، والمستأثر والطائفي وصاحب النزعة التصعيدية، إلى جانب الخلافات حول ملفات الكهرباء والإدارة وغيرها. هذه كلها غابت عن كلام الحريري، فجاء انتقاده باسيل ملطفاً.
تناقضات الحريري
تبقى هذه الأمور كلها تفاصيل. ولا بد من العودة إلى الأصل، إلى قوله: “على التيار الوطني الحرّ أن يختار إلى أن يذهب، شرقاً أو غرباً”. هنا في هذه المعادلة يبرز تناقض الحريري الثاني. إذا كان الأول هو اعتباره حزب الله صاحب مشروع خارجي ويريد التسوية معه. أما تناقض موقفه من التيار العوني فيقوم على طلبه منه عدم الاستمرار بالتحالف مع حزب الله، ومنحه الغطاء، وقراءة الطالع الأميركي والضغوط والتلويح بالعقوبات، والتعاون على إحراج حزب الله وإجباره على تقديم تنازلات. وهذه فكرة كان الحريري يسوّقها دولياً وإقليمياً، عندما جال العالم باحثاً عن غطاء للتسوية الرئاسية لانتخاب عون، معتبراً أنه بهذه الخطوة يخرج عون من حضن الحزب وعباءته.
وفي المعادلتين المتناقضتين وضع الحريري نفسه أسير رئاسة الحكومة لا غير. فهو يبحث عن تكليفه في الاستشارات التي تحصل الخميس المقبل، ويبنى على مفاوضات التأليف من حيث انتهى مصطفى أديب. المفاوضات ستكون شاقة للاتفاق على شكل الحكومة، في حال تطبيق المعادلة الأولى. إذا كان الحريري يراهن على موافقة أميركية ضمنية، بعد مفاوضات ترسيم الحدود، يعني أن حزب الله سيأخذ ما يريد من حيث الشكل والمضمون في تسمية الوزراء الشيعة، بإيجاده صيغة التفافية على الطريقة اللبنانية.
أما إذا ذهبت الأمور في اتجاه المعادلة الثانية، أي الاتفاق بينه وبين عون وباسيل والاستفادة من لحظة إحراج الحزب، فعندها لن يقدّم حزب الله أي تنازل لهما. وهذه مسألة حتمية ويقينية، طالما أن الحزب لم يقدم التنازل للفرنسيين، وهو لا يريد إلا التفاوض مع الأميركيين.
إلى ما قبل 17 تشرين
لم يوفر الحريري الحزب التقدمي الاشتراكي ووليد جنبلاط، ولا سمير جعجع، من الانتقاد. ولا بد من معرفة موقف الحزبين من تسميته أو تكليفه. وهذا يرتبط أيضاً بأجواء خارجية وقراءة للمرحلة المقبلة. وفي حال رفض الحزبان التصويت للحريري، فهل يقبل أن يتكلف برئاسة حكومة بأصوات حزب الله والتيار العوني؟ موافقته تعني أنه ارتضى ترؤس حكومة سيكون مصيرها كمصير حكومة حسان دياب. أما إذا وافق كل من الاشتراكي والقوات على تسميته، فيعني أن التغير حصل على الصعيد الدولي والإقليمي. وهذا يعني أن الشعارات الدولية التي طرحت سابقاً حول ضرورة التغيير ومحاربة الفساد، قد انتهت بمفاوضات ترسيم الحدود، وعادت قواعد اللعبة بغطاء دولي إلى ما قبل 4 آب، وما قبل 17 تشرين.

خصوم الحريري و”أعدقاؤه”.. قوّته
نذير رضا/المدن/10 تشرين الأول/2020
ليس حباً بالرئيس سعد الحريري، يتمسك معظم الافرقاء السياسيين به رئيساً للحكومة العتيدة، بل طمعاً في ديناميته، وقدرته على اجتراح الحلول السياسية، لإرضاء كل الأطراف. فإعلان تأييد وصوله الى الحكومة، يقوم على آمال سياسية، يتشارك فيها الحلفاء والخصوم على حد سواء. منهم من يطلب تغطية سياسية له، ومن يريد الاحتماء بظله للجلوس على مقعد حكومي، ومن يطمع بعلاقاته، أو بصفقات يتقاسمها معه، ومن يعتبره ممراً إلزامياً الى دول الخليج، أو العالم، ومن يتقرب منه لتحقيق غايات ومصالح حزبية.
غير ان بعض تلك العوائد السياسية التي يوفرها الحريري في حضوره المباشر والشخصي على رأس أي حكومة لبنانية، يمكن ان توفرها تغطيته لأي مرشح آخر يسميه كبديل عنه فيها. لكن حضور “الأصيل”، يعود الى مزايا يتمتع بها الحريري دون سواه، يمكن التعرف إليها إعلامياً في حديثه المطول مع مارسيل غانم، ليل الخميس.
كرر الحريري القول انه ابن مدرسة رفيق الحريري. تخبئ هذه العبارة حقيقتين: أولهما قوّته، وثانيهما ديناميته. الثانية، هي نتاج الأولى بلا شك، تزداد مع الخبرة، وتطعّمها التجربة والمهارة الشخصية، وفوق ذلك، إدراك طبيعة البلد، وكيفية التموضع فيه، والعبور بين المسالك السياسية والطائفية الوعرة والتوازنات المعقدة.
في السياسة، وحدها القوة تمنح ممارسها شجاعة اتخاذ القرارات. القوي من يفاوض، والقوي من يحارب، والقوي من يسالم أو يهادن، والقوي من ينتج التسويات. تسويات لن تكون نتيجة تنازلات، بقدر ما تكون نتيجة إدراك عميق بتفاصيل البلد وزواريبه. من موقع قوته، يستطيع أن يعقد التسويات، لأنه الوحيد القادر على خوض الحروب. ويمتلك الحريري من أوراق القوة الكثير، يتردد في البوح بها إعلامياً، لكنه يوحي بها ويصوّب اليها، عندما يقول “لمصلحة البلد”.
تكفي صوره في الداخل والخارج، لتقول إنه قوي. فهو الحاضر سياسياً بقوة شعبية كبيرة، لم تخسر الكثير مع خسارته المال السياسي وجزءاً من المال الشخصي. وبالتالي، “هو الأقوى في طائفته”، كما يصوره خصومه ومريدوه. أما في الخارج، فهو الوحيد بين اللبنانيين الذين يدعوهم الرئيس الفرنسي الى مائدته، والوحيد، خارج السلطة، الذي يزوره الرئيس الفرنسي في منزله. والوحيد بين المسؤولين اللبنانيين الذين يلبي لهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، زيارة الى مزرعة في ضواحي واشنطن. هذه القدرة على إظهار القوة اعلامياً، من غير التبجّح بها، تجعله الأقدر على التربع في موقع التفاوض على تسوية، واستطراداً، الحلول.
أضيفت تلك القوة الى مهارات شخصية اكتسبها من والده، ولم يستطيع القريبون منه الذين يُفترض أنهم قادرون على إشغال الموقع نفسه، تنفيذها. ليس بسبب القوة، التي قد تتوافر في ظروف معينة، بل بسبب ضعف المهارات، والقراءة في كتاب سياسي يضع المواجهة في الأولوية، ويتجاهل النظام التشاركي والعُرف التوافقي. بات الحريري، إذاك، مقبولاً من الخصوم قبل الأصدقاء للعب دور دائم، لم يفقد حظوظه مع الوقت، تماماً كوالده، رغم التغيرات السياسية وعواصف التوازنات الدولية.
يحوم الحريري حول “ميزاته”، ولا يتخطى خصومه ولا أصدقاؤه ذلك الخط الذي يفيد بأنه “َضرورة”. ليس ضرورة سنّية أو لبنانية فحسب، بل ضرورة لهم، كضمانة للوصول الى السلطة، والاحتفاظ بشعبية. تلك التي لا يمكن بناؤها على شعارات وإيديولوجيات في الحالة اللبنانية، بل تُبنى حصراً بوجود رمزي في السلطة، سواء تم استغلال هذا الوجود لإفادة جمهور القوى، أم لتقديم وعود حول إفادة مستقبلية من خلال التواجد فيها.
من هذا المنطلق، لم تتجاوز الردود على الحريري إطار “التمني” أو “التوضيح” أو “الأسف” بعد اطلالته الأخيرة. وأحجم البعض الآخر عن الرد عليها. فهو العارف بأن من يقارعه أو يثني عليه، هو مزيج من الصديق والعدو. من الخصم والمؤيد. من الطامح والوفي. يتباهى باعتداله، وبشجاعته على انجاز التسويات، ويخفي قوته التي لا ينكرها أحد.

الحريري الذي اعتاد أن يُقبَّل لا أن يقبِّل
نادر فوز/المدن/10 تشرين الأول/2020
أعاد زعيم تيار المستقبل، سعد الحريري، نفسه إلى واجهة الترشّح لرئاسة الحكومة. بعد 15 عاماً على دخوله المعترك السياسي، لا يزال الحريري على حاله. باعترافه، يتجرّع سموم التسويات، ويسير بها بانتظار حريق الطعنات المختلفة من كل حدب وصوب. ورغم ذلك، أطلّ مجدداً للتأكيد على حقيقة تجربته السياسية والرئاسية القائلة إنه يعجز عن البقاء حياً خارج الحكم. وُلد سعد الحريري سياسياً ليكون في السلطة، ولا يعرف غير ذلك. ينتمي إلى مدرسة السلطة، التي نشأ وترعرع فيها. وعلى الأرجح سيشيخ فيها ولو تغيّرت الأحوال والمعادلات وقدرته على التأثير والتمثيل. ليس في هذه المدرسة منهاجاً يدرّس الحياة في الظلّ أو الاعتراض بعيداً عن السلطة. ليس فيها دروساً عن المعارضة السياسية، أعرافها وآدابها وأصولها وحياكة تفاصيلها. خرج سابقاً من السلطة، فمات سياسياً. خرج منها اليوم، ولا يريد الموت السياسي مجدداً. لكنّ سعد الحريري اليوم، يطرح نفسه رئيس حكومة الـ”لا أعرف”.
حق الصمت
وردت هذه العبارة “لا أعرف” على لسان الحريري في مقابلته الأخيرة، ما لا يقلّ عن عشر مرات. سُئل عن سبب معارضة قوى سياسية رئيسية لتسميته رئيساً فأجاب “لا أعرف”. سئل عن سبب رفض حزب الله للانتخابات المبكرة فأجاب “لا أعرف”. سئل عن مشروع ثنائي حزب الله وحركة أمل مع الخارج، فأجاب “لا أعرف”. عن مصلحة الثنائي في الإطاحة بالمبادرة الفرنسية، أجاب “لا أعرف”. وتسلّح بالجواب نفسه رداً على أسئلة الدور الإيراني في موضوع ترسيم الحدود مع العدو الإسرائيلي، وارتباط الملف برفض المبادرة الفرنسية وعقد صفقة مع الأميركيين، عن سبب تأخر ترسيم الحدود، عن موقفه إذا طالت العقوبات أحد المقرّبين منه، عن رغبة جمهورة بعودة اجتماع قادة 14 آذار وتكرار مشهد 2005. سعد الحريري لا يعرف جدياً الإجابة عن كل ما سبق، أو انه التزم بحق الصمت. عنوان عودته “لا أعرف”. وبهذا العنوان يتماهى مع الـ”لاءات” الأخرى التي تحكم البلد. “لم أكن أعلم” و”ما خلّونا”، تنسج مع “لا أعرف” معادلة ثلاثية ذهبية جديدة.
المسيح الدجال
الالتزام بحق الصمت، يكفله القانون اللبناني بحسب المادتين 41 و47 من أصول المحاكمات الجزائية. إلا أنّ الحريري لم يكن في محكمة ولم يمثل أمام قاضٍ أو محقق. على العكس، أطلّ في مقابلة متلفزة للتبشير بعودته الرئاسية وللتأكيد على إمساكه بالمخارج اللازمة للأزمة وعلى وقوفه إلى جانب الناس والدولة وإعادة بنائها. ومن صلب مهام شخص يدّعي ذلك أن يمتلك الأجوبة ويطرح الحلول. وهذا ما لم يفعله الحريري أيضاً. أوقع نفسه في مأزق إضافي يوضح أنه حتى لو وُجد في الرئاسة وموقع المسؤولية لا يملك حلاً ولا مخرجاً. فقط يمضي في ما هو مكتوب من الخارج ومطلوب تنفيذه، وبإصلاحات وتسويات. كيف الحلّ؟ يمكن الاستعانة بما في جعبة الرئيس السابق والمرشّح الرئاسي الدائم، للإجابة: لا نعرف، سنرى، الله وليّ التوفيق. والمسيح الدجال، بحسب النصوص الدينية، يسبق وصول المخلّص.
قبلة “فريدو”
حتى في موضوع المنافسة التي يحاول أخوه بهاء الحريري فرضها على الساحة السنية، ردّ الحريري باقتضاب. بدل جواب “لا أعرف”، ردّ الحريري “بهاء أخي الكبير وأحترمه وأحبه هو يتحمل مسؤولية أعماله ونقطة على السطر ولن أتكلم أكثر”. إلا أنه تكلّم أكثر ووضع نقطة أخرى على السطر، إذ قال إنه “لا أتكلم عن الأمور العائلية ونقطة على السطر إذا دخل بهاء الستوديو الآن، سأقبّل يده، هذا طبعي”. في هافانا، في حفل ليلة رأس السنة 1958-1959، أمسك مايكل كورليوني أخاه فريدو وقبّله في فمه وقال له “أعلم إنه أنت (من خانني) يا فريدو، لقد حطّمت قلبي”. وبعدها بأشهر، تلى فريدو صلاته الأخيرة على قارب للصيد قبل أن يقتل رمياً بالرصاص. مع بعد التشبيه، يمكن للقبلة أن تكون قاتلة للصديق قبل العدو. فالحريري لطالما طبع حلفاؤه وخصومه ومقرّبون منه وأعوان له، قبلات الموت على رأسه في 15 عاماً من العمل السياسي. اعتاد أن يُقبَّل لا أن يُقبِّل.