المخرج يوسف ي. الخوري: خطيئة بكركي الجريمة…إضرب عصاك بالأرض يا سيّدنا! لقد سكتت بكركي طويلًا عن الكلام المباح وأحجمت دهرًا عن الموقف الحاسم فإمّا الفعل وإمّا المجزرة/إضرب عصاك بالأرض يا سيّدنا! إرفع صوتك عاليًا بوجه عون وجعجع اللذين، ومن دون أيّ مسؤولية، هما وجيشاهما الإلكترونيان، يُمعنان شرذمةً بالمسيحيين

805

خطيئة بكركي الجريمة…
المخرج يوسف ي. الخوري/15 أيلول/2020

*إضرب عصاك بالأرض يا سيّدنا! إرفع صوتك عاليًا بوجه عون وجعجع اللذين، ومن دون أيّ مسؤولية، هما وجيشاهما الإلكترونيان، يُمعنان شرذمةً بالمسيحيين! نظّف الرعيّة من تحزّبات أتباعهما العمياء الغبيّة.

*إستيقظ يا سيّدنا! إذا أصلحتَ لبنان والموارنة غير مستوِين، فلن يكون لبنان! أو ربّما يكون لبنان من غير موارنة!

*عاد عون وجعجع، وعاد معهما الإنقسام بين المسيحيين. بكركي لم تتدخّل، بل غابت خلف صراعاتهما الحاقدة.

*إنّها محنة العقل عند الموارنة. إنّها كرسي الرئاسة التي عسى أن تأخذها عنّا أيّ طائفة أخرى، فنستعيد حضورنا اللبناني!

***
إضرب عصاك بالأرض يا سيّدنا! لقد سكتت بكركي طويلًا عن الكلام المباح وأحجمت دهرًا عن الموقف الحاسم! فإمّا الفعل وإمّا المجزرة!

في العام 1978، كان خلاف بين آل فرنجية وحزب الكتائب في منطقة الشمال حول تقاسم عائدات معامل الإسمنت في شكا. تداعى الأقطاب الموارنة إلى إجتماع في بكركي برعاية البطريرك مار أنطون بطرس خريش لوضع حدّ للخلاف، ومنع تفاقم الأوضاع بين الفريقين. لم يُفضِ الاجتماع إلى أيّ نتيجة لرأب الصدع القائم، بل على العكس، تعاظمت المشكلة بحضور سيّد بكركي الذي عجز عن ضرب عَصَاه بالأرض لإنهاء التوتّر، ولتجنيب الموارنة مجزرة إهدن في 13 حزيران 1978، والتي تسبّبت بانفصال مسيحيّي جبل لبنان عن مسيحيّي الشمال.

في العام 1986، كان الزعماء الموارنة منقسمين بشأن الإتفاق الثلاثي، وكان إجتماع في بكركي، في 13 كانون الثاني، برئاسة الوكيل البطريركي المطران إبراهيم الحلو، للحدّ من الإنقسام ولمنع القادة الميليشياويين الموارنة من القيام بمغامرات عسكرية بعضهم ضدّ البعض الآخر داخل المناطق الشرقية. لم يُسفِر الإجتماع عن أيّ نتيجة، لا بل تمسّك كلّ طرف بمواقفه، فإيلي حبيقة الذي كان راعيًا للإتفاق، لم يأبه للأصوات المعارضة له، كالرئيس كميل شمعون وسمير جعجع، ومضى قدمًا في اليوم التالي لتوقيعه في دمشق. وبالرغم من تعهّد جعجع وحبيقة أمام المطران الحلو وأمام المشاركين في إجتماع بكركي، بأنّهما لن يعتديَ بعضهما على بعض عسكريًا بسبب خلافهما حول الإتفاق الثلاثي، إلّا أنّ قوّات جعجع هاجمت قوّات حبيقة بعد ساعات من توقيع هذا الأخير الإتفاق، وطردتها من المناطق الشرقية. للأسف، لم يضرب حينذاك الوكيل البطريركي عصاه بالأرض، ولم يتشدّد في منع أيّ صدام عسكري بين المتخاصمين، ما أدّى إلى إنقسام جديد في صفوف المسيحيين.

في العام 1990، إستعر القتال في المناطق الشرقية المسيحية، بين الجيش اللبناني بقيادة الجنرال ميشال عون، والقوّات اللبنانيّة بقيادة سمير جعجع. دُكَّ المسيحيون بنيران المسيحيين، وإنقسمت المنطقة الشرقية إلى أربع مناطق، ووقف الأخ في مواجهة أخيه، وعصف الحقد في النفوس. علا صوت البطريرك مار نصرالله بطرس صفير مهدّدًا عون وجعجع، على السواء، بالحرم الكنسي إن لم يوقفا فورًا إقتتال الأخوة. عون وجعجع لم يعيرا تهديد البطريرك إعتبارًا، ولا البطريرك ضرب عصاه بالأرض وأنزل بهما الحرم، فكانت النتيجة أن ضعُف الجيش، وضعُفت القوّات، وتعبّد الطريق أمام دخول الجيش السوري إلى المناطق الشرقية وإحتلالها في 13 تشرين الأول 1990. يومها سقط آخر معقلٍ مسيحي حرّ في هذا الشرق، وسقطت القضية التي إستشهد في سبيلها آلاف الشهداء.

إنتهت الحرب واعتُمد إتفاق الطائف دستورًا نهائيًّا للبنان. إلتجأ ميشال عون إلى فرنسا، ثمّ سار سمير جعجع برجليه إلى السجن. بغيابهما، إتّحد العونيّون والقوّات في الشارع بوجه الإحتلال السوري. البطريرك صفير الذي، وبغضّ النظر عن صحّة موقفه أو عدم صحّته، بارك إتفاق الطائف، لكنّه لم يضرب عصاه بالأرض بقوّة لمّا بدأ الساسة اللبنانيون ينحرفون عن تطبيق هذا الإتفاق، لاسيّما لناحية إعادة إنتشار الجيش السوري. قد يعز البعض تهاون البطريرك بخصوص إعادة الإنتشار لعشر سنوات كاملة، إلى وجود إحتلال إسرائيلي في لبنان الجنوبي، غير أنّ إتفاق الطائف لم يربط بين إعادة الإنتشار وخروج الإسرائيليين من الجنوب. الأهمّ من كلّ ذلك، هو أنّ غبطته لم يملأ، أو لم يكن يرغب بملء، الفراغ الذي تركه غياب الزعامات المسيحية بعد الطائف، كما أنّه لم يسهّل ولادة قوّة مسيحية مستقلة عن عون وجعجع، تبقي على اللحمة التي قامت بين أتباعهما بعدما تمّ إبعادهما.

عاد عون وجعجع، وعاد معهما الإنقسام بين المسيحيين. بكركي لم تتدخّل، بل غابت خلف صراعاتهما الحاقدة.

في العام 2016، كانت الكذبة الكبيرة ومصالحة “أوعا خيّك”. شرب عون وجعجع، المعدومَي البصيرة، الشمبانيا على جثث الشهداء! هل هذا الكلام هو إنتقاد للمصالحة؟! معاذ الله أن يكون كذلك. لكنّه إنتقاد لرياء وكذب هذين الرجلين على نفسيهما قبل أن يكون على أيّ أحد آخر. هو إنتقاد لسيّد بكركي الذي بارك المصالحة وهو يعرف أنّ إتفاق معراب ما هو إلّا إختزال لمسيحيي لبنان بشخصَيّ عون وجعجع، وإقصاء لكلّ مَسيحي يُعارض توجهاتهما وينبذ خلافاتهما. وكيف لا يعرف سيّد بكركي، والمراهقُ يعرف، أن “أوعا خيّك” هي صفقة وليست مصالحة؟! كيف لم ينتبه سيّد بكركي إلى أنّ النوايا لم تكن صافية بين الرجلين، وأنه لو كانت كذلك، أو كانت تتّسم بروح مسيحية أو مصلحة وطنية، لما تعنّت الجنرال ميشال عون (غير المناقبي) سنتين ونصف، متسلّحًا بموقف حزب الله الداعم له والمهدِّد للبنانيين جهارًا: “ميشال عون رئيس أو لا أحد”! ولَمَا إنتظر الدكتور سمير جعجع (غير الحكيم) سنتين ونصف ليزيح من درب الجنرال وهو يعرف أنّ حزب الله هو مَن يُقرّر في النهاية مَن يكون الرئيس! كيف يترك سيّد بكركي رعيّته أسيرةَ اثنين مثل هذين الإثنين، وتاريخهما الأسود لا يزال ماثلًا أمام أعيننا؟! كما أنّ بكركي الساكتة عنهما، وأحيانًا المدافعة عنهما، وجمهوريهما المنقادَيْن بعمى خلفهما، فهما أيضًا جزء لا يتجزّأ من التاريخ الأسود.

فيا سيّد بكركي،
بالأمس، وبعد رفعك راية الحياد، كنت أفكر كيف أعتذر منك لأنّي قلت منذ فترة إنّك لم تستحقّ بعد مجد لبنان. أمس، وبعد مشاهدتي صدام الشارع بين العونيّين والقوّات، عدلت عن التفكير بالإعتذار، وأعود لأؤكّد أنّ مجد لبنان محيّد عنك طالما أنّك لم تُحرّر رعيتك من رُعونة العونيّين والقوّات! وطالما أنّك تطرح فلسفة الحياد اللبناني وبيتك الماروني ممزّق من الداخل! وطالما أنّك لم تحوّل بعد النفاق الذي حصل في معراب على رنين كاسات الشمبانيا الكريستال، إلى مصالحة حقيقية!

إضرب عصاك بالأرض يا سيّدنا! إرفع صوتك عاليًا بوجه عون وجعجع اللذين، ومن دون أيّ مسؤولية، هما وجيشاهما الإلكترونيان، يُمعنان شرذمةً بالمسيحيين! نظّف الرعيّة من تحزّبات أتباعهما العمياء الغبيّة، فقلّة من الموارنة الأحرار وذوي المعرفة المتواضعة، خيرٌ من كثرة “مساطيل” يدّعون “أوعا خيّك” وفي وجدانهم “أوعا تنسى”!

إستيقظ يا سيّدنا! إذا أصلحتَ لبنان والموارنة غير مستوِين، فلن يكون لبنان! أو ربّما يكون لبنان من غير موارنة!

إسمح لي يا سيّدنا أن أقول لك إنّك مشغول بأمور كثيرة ومجد لبنان يهتز من تحت قدميك، وبالتحديد من داخل بيتك الماروني! أمّا والحال على ما شاهدناه أمس في الشارع بين أبنائك العونيّين والقوّات، فلا تستبشر بأيّ حياد، ومواقفك لن يكون لها مقام معتبر عند الأطراف اللبنانية غير المسيحية، طالما أنّه ليس بمقدورك ضبط داخل بيتك. فإمّا أن تفصل بين العونيّين والقوّات نهائيًّا، من دون إستثناء الفصل في الصراعات المارونية-المارونية الأخرى، حتى لو إضطرّك الأمر إلى إشهار الحرم الكنسي بوجه أيّ شخص كان مهما علا شأنه، وإمّا أن تتراجع عن كلّ طروحاتك بما فيها الحياد، وتصمت في صومعتك تكفيرًا عن تلكؤ بكركي في لعب دورها التاريخي في إحتضان رعيّتها منذ العام 1978.

أخيرًا، قد يسأل البعض عن جدوى تطبيق الحرم الكنسي على بعض زعماء الموارنة: فهو إن لم يكن منه نافعة في الآخرة، قد ينفع على الأرض في إبطال إنتماء هؤلاء الزعماء إلى الطائفة المارونية، وبالتالي يُخرجهم من السباق إلى كرسي رئاسة الجمهورية التي ستبقى فارغة أيًّا يكن الماروني الذي سيركبها!

لكن كيف تُقنع أصحاب العقول الفارغة من الموارنة بذلك؟ إنّها محنة العقل عند الموارنة. إنّها كرسي الرئاسة التي عسى أن تأخذها عنّا أيّ طائفة أخرى، فنستعيد حضورنا اللبناني!