بارعة يوسف الأحمر/النهار/في الموفدين الدوليين والمال وهذيان انتليجنسيا الثورة

26

في الموفدين الدوليين والمال وهذيان انتليجنسيا الثورة
بارعة يوسف الأحمر/النهار/15 أيلول/2020

تتجاوز الثورة اللبنانية، ببطء وتردد، المرحلة الانتقالية ما بين قرابة الفوضى والحركة المحمومة التي تراوح بين التواصل والتنسيق والائتلافات. بعدما تذوق الثوار طعم بعض الانتصارات التكتيكية من جهة، وعرفوا مرارة الخسارات أيضا، التي طالت دماء كل اللبنانين المدنيين الأبرياء.
منذ انفجار المرفأ الذي دمر بيروت وقتل أهلها وشردهم، بدا كأن العزلة الدولية قد كسرت، وراحت تطالعنا روايات، متناقضة، عن لقاءات تجمع بين مسؤولين دوليين وممثلين عن المجتمع المدني، يظن البعض ربما أنّها تُعطي دفعًا للثورة وللثوّار، في حين أنها، فعليا، لا تعدو كونها حيثيّات واهية.
وأرى في معرض إزالة أيّ لُبسٍ حول هذه المسألة، أن لا بدّ من بعض الأسئلة: مَن هي الأطراف اللبنانية التي تلتقي الشخصيّات الدوليّة؟ كيف يتمّ اختيارُها، ومَن تُمثّل؟ هل هي مفوّضة لتَمثيل المجتمع المنتفض؟ ما مدى قدرتها على التأثير في المفاوضات، وتاليا قدرتها على الالتزام بالمكاسب التي تحقّقها إذا ما وُجدت؟
تحتاج الإجابة عن هذه الأسئلة، تَوصيفا لواقع الثورة، انطلاقا من تحرّكاتها الأخيرة، لاسيّما تلك التي حصلت في 6/6 و8/8 و1/9/2020. ذلك أنه تمت تلبية الدعوات من قبل أعداد كبيرة، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والدعوات لالتزام شروط الوقاية من “كورونا”.
إلا أن التظاهرات ، خرجت عن البرنامج المنظّم، وأفضى التحرك إلى مواجهات عنيفة مع القوى الأمنيّة، ولهذا دلالات واضحة: هناك أمرا مهمّة، اثنان، يَصدران في الوقت نفسه: واحد علني سلمي تلتزم به قلّة من أفراد المجموعات الداعية للتحرّك، وآخر سرّي “عنفي” تلتزم به أكثريّة ثوار الميدان. فهل هذا منسّق؟
أغلب الظنّ أن لا، ليس هناك تنسيقا بين أمرَي المهمة. والدليل إعلان أكثر من مجموعة منظِّمة، وَقْف نشاطها التنظيمي، بسبب ما وصفته بِـ “أعمال الشغب” خلال التحرّكات.
والخلاصة: هناك فريقان يتحكمان بالثورة، وإن بأدوار مختلفة ومتفاوتة!
فريق اوّل يتحرّك في العلن، ويستميتُ أفراده للوصول إلى السلطة.
وفريق ثانٍ يثابر بصمت على تعزيز الثورة وتفعيلها لإيصالها إلى السلطة.
الجامع الوحيد بين الفريقين هو أنّهما لا يجتمعان، فهما مثل خطّين متوازيّين لا يلتقيان لا بالفكر ولا بالتكتيك ولا بالأهداف.
هذا هو أسلوب الفريق الأول: يرفع الصوت، ثمّ يُطبّع ويختفي، ليعود ويظهر من جديد في أول مناسبة. يتحالف مع الفشل، في كلّ مناسبة. يُطلق الشعارات الرنّانة من دون تحميلها أيّ مضمون، يتحوّل بسهولة إلى أداة بيد أجهزة السلطة، فينحرف، ينقسم على نفسه، ثمّ، ومن جديد.. ينام! معضلة هذا الفريق الأساسيّة أنّ مخيّلة القيّمين عليه محدودة، ينقصها الإبداع في الطروحات. بِدءًا من استعارة شعارات ستينيّات القرن الماضي، وصولًا إلى التركيز على “القبضة” التي تناقلتها كل الثورات اليسارية في العالم.
والأخطر، أنّ القيّمين على الفريق الأول لا يتمتّعون بالخبرة في استخدام الأدوات التي تساهم في إنجاح أيّ تحرّك. للأسف، هكذا كان يوم حلّت على اللبنانيين كارثة النفايات عام 2015، وهكذا كان عندما خاضَ هؤلاء أنفسهم الانتخابات النيابيّة في الـ 2018، وحين التحقوا بالثورة عام 2019، وهذا ما سيكون في حال استمروا، وباسم الثورة، متربّعين على شاشات التلفزة وفي وسائل التواصل الاجتماعي.
الفريق الثاني غير ملحوظ، لكنّه فاعل. وباختصار: هو الثورة. مجموعاته متجانسة لأنّها مكوّنة من شباب وشابات من أجيال متقاربة، ينهضون نهضة واحدة حين يستدعي الأمر، ولا يُمكن الجزم بكيفيّة نهوضهم أو توقيته، كما أن أسلوب مؤآزرتهم لبعضهم البعض في الساحات غير الواضح.
فهل تعني هذه الازدواجية في الأداء أنّ الثورة منقسمة على نفسها؟ لا، الثورة ليست منقسمة على نفسها ولا هي مشرذمة. وببساطة، لأن الفريق الأول ليس ثورة، هو شيء آخر مختلف تماما، ومبني على طموحات شخصيّة. أما الفريق الثاني فهو ثورة ثورة، فماذا في البراهين؟
إذا راقبنا أداء الفريق الأول، نرى أنه يُلبّي رغبات السلطة، وبكل أمانة:
– تُريد السلطة، ومنذ اليوم الأوّل لثورة 17 تشرين، أن يأتي إليها، من الثورة، قائد أو مجموعة تُفاوض عنها. وتجهد مجموعات الفريق الأوّل، على الدوام، لتشكيل هيئة/جبهة الخ.. تُدير الثورة، أو تنسق بين مكوناتها، وتفاوض عنها.
– ترفض السلطة قطع الطرقات وحرق الدواليب كون هذا الأمر فعل فعلته، ويعتبر الفريق الأوّل أن مَن يحرق الدواليب في الطرقات “أزعرً”.
– تواجه السلطة المجموعات الغاضبة بالمسيّل للدموع، والمطّاطي، والخردق، ومؤخرا بالرصاص الحي في الهواء على طريق القصر الجمهوري. وتُمعن في اعتقالهم وتعذيبهم، وبدل أن يدافع الجميع عن هؤلاء الثوّار، يتنكّر الفريق الأول لهم ويصفهم بالمشاغبين والمدسوسين.
– تعتقل السلطة ثائرًا لمجرد أنّه يهتف “كلن يعني كلّن”، أو ثائرة لمجرّد أنّها مرت ضمن موكب سيّار من أمام قصر عين التينة، بينما تملأ “أنتليجنسيا” الفريق الأوّل الشاشات بالشتائم، والتهجّم على أهل الحكم، والإعلانات المدفوعة المناهضة للنظام، ومن دون أن تقرُب السلطة احدًا من أفرادها.
– تتَهم السلطة الثورة بتلقي الدعم المالي من السفارات والعمالة، لكنّها لا تسألُ أحدًا ممن يحرّكون الأموال على الأرض “من أين لك هذا؟” (وأنا لا أتّهمهم بقبض أموالٍ مشبوهة) وفي المقابل تُطلق الشائعات حول بعض الثوار، الذين قد لا يمتلك معظمهم ثمن سندويش، بأنّهم يقبضون من هذا أو ذاك..
– تُدرك السلطة أنّ إثارة النعرات الطائفيّة بين اللبنانيين هي الطريق الأسهل لتفتيت الثورة، ولا ينقطع الفريق الأول – بغباء – عن زجّ المسألة الطائفية ضمن أهداف الثورة. في حين أن عددا كبيرا من الثوّار قد يتخلى عن الثورة إذا ما تم المسّ برموزه الدينيّة.
– منذ البداية، كان هاجس “حزب الله” البقاء مترفّعًا فوق لهيب الثورة، فقدم له الفريق الأوّل أكبر خدمة باعتماد سياسة تحييد سلاحه عن مطالب الثورة، بحجّة أنّ إثارة هذا الموضوع يخلق شرخًا داخل صفوف الثوّار. ونجحت “الأنتليجنسيا” في زرع هذا الخوف الواهي، إلى حدّ ما، لكن اللعبة انكشفت في النهاية.. فكيف يمكن إخفاء مشكلة بهذا الحجم تحت كومة من القش؟
إذًا، التناغم موجود بين أجهزة السلطة والفريق الأوّل، فريق قائم بذاته، منشغل بنفسه وبعلاقاته وبطموحاته وبالترويج لصورته، يعيش أوهام السلطة والتوزير والانتخابات النيابية المقبلة ويسترسل بالهذيان على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن دون أيّ تواصل مع ثوّار الأرض، أيّ مع الذين أسميتهم بالفريق الثاني.
وفي المقابل، لا همَ لدى الفريق الثاني سوى نجاح الثورة وحمايتها وتطورها وتحقيق الإنجازات. فهو لا يُقاد بإغراءات سياسية وطموحات شخصية، ولا يعنيه انتخاب ممثّلين عن الثورة لأنّه لا يُريد التفاوض مع أهل الحكم، بل يتمسّك بطردهم جميعًا ومحاكمتهم وسجنهم ليس إلّا.
ثوار لبنان يعرفون جيدًا أنّ الانتخابات النيابيّة المُبكرة لن تُغيّر التركيبة القائمة في ظلّ السلاح غير الشرعي الحامي للمنظومة، وفي ظلّ استحالة وضع قانون انتخاب يساهم في تفكيك المافيا الحاكمة. ويدرك الفريق الثاني تماما أنّ كل ما حقّقته الثورة كان بفعل تحرّكاته الميدانيّة الضاغطة، وليس بفعل عراضات “الأنتلجنسيا” على الشاشات، والأهم أنه يتحرك من دون أن يطلب المشورة من أحد، لا من أجهزة السلطة، ولا من مدّعي قيادة الثورة. وهو أيضا لا يخشى محاولات تشويه سمعته لأنّ أداءه يتّصف بالنقاء والوطنيّة تحت الراية اللبنانية، كما لا تخشى مجموعاته الثوريّة المحاكمات والسجون، طالما السجون هي أحد المعابر إلى الحريّة. هؤلاء الشابات والشباب هم مَن يُبقي وهج الثورة قائمًا، وهم مَن يُمعنُ في إرباك أهل الحكم، إذ يعودون إلى الساحات في كلّ مرّة، بعد أن يكون أهل الحكم قد لبسوا الوهم بأن الثورة قد انتهت.
لا تُميّز مجموعات الفريق الثاني بين لبناني مؤمن وملتزم، ولبناني آخر يسعى إلى تحقيق العلمنة الإيجابية، إذ بالنسبة اليها، لا شيء يؤكّد أنّ هذا أفضل من ذاك.
لن تنجح السلطة في إخماد الثورة، لأنّها لا تعرف مَن هم الثائرون الحقيقيون عليها، ولن ينفعها رهانها على ضبط بوصلة الثوار بمجرّد السيطرة على بعض الأبواق الحالمة بالمناصب على حساب الثورة.
وينطبق الأمر نفسه على الموفدين الدوليين الذين يعتقدون أنّهم يجتمعون مع ممثلي الثورة، في حين أنّهم يجتمعون بأصدقاء الأجهزة الذين فُتحت أمامهم شاشات التلفزة للظهور، عساهم يخدمون هذه الأجهزة، إن هم نجحوا في خلق حيثيّة لهم داخل الثورة. كما يجتمع الموفدون بأفراد من “المجتمع المدني” كانت موائدهم دوما مفتوحة في السنين الماضية أمام الملحقين الدبلوماسيين، ولم يعد خافيًا على أحد أن بعض هؤلاء من ضمن لائحة “كلّن يعني كلّن”.
وفي المحصّلة، تعيش السلطة حالة إنكار تجاه الثورة والثوّار. ولم يحظَ الموفدون الدوليّون بعد بشرف الجلوس مع الثوّار والاستماع إليهم. والمجموعات المُفترضة “أنتلجنسيا” الثورة، لم تقنع ثوّار الأرض، ولم تُحسن التخاطب معهم. وحتّى إشعارٍ آخر، ستبقى الثورة هنا وستبقى الحلول بعيدة.