راجح الخوري: حكومة إنقاذ أم صومال لبناني؟/Rajeh Khoury: A Rescue Government or a Lebanese Somalia?

88

A Rescue Government or a Lebanese Somalia?/Rajeh Khoury/Asharq Al Awsat/September 12/2020

حكومة إنقاذ أم صومال لبناني؟
راجح الخوري/الشرق الأوسط/12 أيلول/2020
كان لبنان لا يزال غارقاً في كارثة الانفجار الذي دمر المرفأ ونصف العاصمة بيروت، عندما صعد مصطفى أديب الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الجديدة قبل أيام إلى بعبدا لمقابلة الرئيس ميشال عون والتشاور في مهمته الدقيقة، لكن سرعان ما تبيّن أن كل ما قيل في خلال زيارتَي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن ضرورة تشكيل «حكومة مهمة» حُددت مهماتها بوضوح في المحادثات مع عون ومع ممثلي القوى والأحزاب السياسية التسعة، لكي تقوم بانتشال لبنان من أزمته المصيرية، قد وُضع جانباً في بعبدا!
ذلك أن عون بدا وكأنه يريد صيغة حكومية تحاكي حكومة حسان دياب، التي شُكلت وفق دفتر شروط «حزب الله»، فهو يقترح صيغة حكومة موسعة من 22 إلى 24 وزيراً، وأن تكون من اختصاصيين سياسيين، وهو ما يتناقض كلياً مع كل ما قيل عن حكومة اختصاصيين مصغرة، بعيدة عن العقد والشروط السياسية، وهو ما يتناقض مع اقتناع مصطفى أديب بأن حكومة المهمة يحب ألا تتجاوز 14 وزيراً من خارج المنظومة السياسية وبعيدة عن التأثر بها؛ لكي تتمكن فعلاً من البدء بعملية النهوض، واستعادة الثقة الدولية التي دمرتها الحكومات السابقة.
بدا أن كل ما قيل أمام ماكرون عن «حكومة مهمة» تنخرط فوراً في محاربة الفساد الذي أفلس الدولة، وكأنه مجرد تكرار للوعود الفارغة التي لطالما سمعها العالم ولم تنفذ، رغم أن لبنان ينوء أمام سلسلة من الكوارث لا تتوقف على فاجعة المرفأ، ولا على جائحة كورونا، ولا على الأزمة الاقتصادية المستفحلة التي جعلت 50 في المائة من اللبنانيين تحت خط الفقر، ولا على توقف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بسبب عجز الدولة عن الاتفاق على رقم موحد لخسائرها المهولة طبعاً، ولا على غرق البلاد في ثورة شعبية ضد كل المنظومة السياسية الفاسدة والمهترئة كما قيل على لسان وزراء في الحكومة المستقيلة، بل على ما هو أخطر وأهم، وهو يأس دول العالم من سرطان الفساد السياسي، ومن الانحياز الأعمى إلى تيار الممانعة؛ ما أقفل على لبنان كل نوافذه العربية والخليجية والدولية.
كان الانفجار المروّع في المرفأ مناسبة لعودة الاهتمام الدولي، خصوصاً الفرنسي بالوضع المأسوي، لكن ما لا يصدق أن البعض لم يستيقظ على هول ما جرى، ولا على ضرورة قلب الصفحة السوداء، ولا توقف جيداً عند تكرار الرئيس الفرنسي في خلال زيارتيه، أنه إذا لم يبدأ الإصلاح الحقيقي الذي يفترض أن تقوم به حكومة من خارج الغابة السياسية، فإنه لن يكون هناك تساهل إطلاقاً من كل الطقم السياسي الذي سيتعرض إلى سلسلة من العقوبات الموجعة، وأنه ينسّق في هذا مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتكون هذه العقوبات فعّالة أكثر!
كان من المستغرب فعلاً أن يفهم البعض أن زيارة ديفيد شينكر إلى بيروت، إنما هي لإفشال المبادرة الفرنسية، ولم يفهموا أن الرئيس ماكرون عندما يهدد بالعقوبات فهو يعرف أن فرنسا وحدها لا تقدر على هذا، وأنها تراهن على العصا الأميركية الغليظة التي تطاول إيران و«حزب الله» وتهدد حلفاء الحزب في لبنان، فالقصة هنا لا تتوقف عند حصة لبنان من «قانون قيصر» فحسب، بل وصلت إلى التهديد بتنفيذ بنود «قانون ماغنيتسكي» على لبنان، وهو ما يصل إلى فرض العقوبات على تبييض الأموال.
سافر ماكرون على خلفية القول إنه يجب تشكيل حكومة المهمة خلال 15 يوماً، لكن سريعاً اصطدمت سفينة التشكيل بأرخبيل العُقد إياها، أي حكومة موسعة لها بُعدها السياسي، الغاية الواضحة منها محاولة الاحتفاظ بعنصر التعطيل الذي أدخله «اتفاق الدوحة» على «اتفاق الطائف» الذي يشكّل دستور البلاد، وهذا العنصر كان فُرض بفائض القوة، وهو يتمثّل بما يسمّى «الثلث المعطّل»، الذي أمسك به تحالف عون مع الثنائية الشيعية، فأسقط كل حديث عن «إعلان بعبدا» وسياسة «النأي بالنفس» وأقفل الباب على كل الوعود التي أطلقها عون حول بحث «الاستراتيجية الدفاعية».

وعلى امتداد الأيام العشرة الماضية، حاول الرئيس المكلّف التكتم على مساعيه، في حين ظل الحديث قائماً حول إصراره على صيغة حكومة اختصاصيين مصغرة من 14 وزيراً، وظلت مصادر عون تتحدث حكومة تكنوسياسية موسعة، ولا تخفي أنه ممتعض من الطريقة المتكتمة التي يدار بها التشكيل، بعيداً عن بعبدا ورأي التكتل النيابي الذي يمثله «التيار الوطني الحر»، بينما كان السفير الفرنسي برونو فوشيه ينشط في التوسط بين الجانبين، وفي السياق نفسه قالت مصادر بعبدا قبل أيام إن عون يرفض ما يتردد عن سعي فرنسا، إلى إسناد الحقائب التي استأثر بها تحالفه، وهي المالية والطاقة والاتصالات والخارجية إلى أسماء من دون العودة إليه رغم تأييده المبادرة الفرنسية وتعهده لماكرون بالمساعدة في تشكيل «حكومة المهمة»!
مع الإعلان عن أن الثنائية الشيعية تتمسك بوزارة المالية، وبعد كل ما رددته مصادر بعبدا عن حكومة تكنوسياسية، بدا أن الأمور تدور في حلقة مفرغة، وتردد أن المدير العام لجهاز الاستخبارات الفرنسي برنار ايمييه السفير الفرنسي الأسبق لدى لبنان، زار بيروت قبل أيام لمحاولة دفع مهمة التشكيل، لكن مصادر دبلوماسية تقول إن مساعيه اصطدمت بالعراقيل إياها!
وقد يكون ضرورياً هنا التوضيح، أن مصطفى أديب هو صهر أحد المستـشارين في قصر الإليزيه وتربطه علاقة دافئة مع إيمييه، الذي لعب دوراً في اقتراح اسمه على رؤساء الوزراء السنة السابقين الذين سمّوه عشية الاستشارات!
أمام العراقيل التي تواجهها عملية تشكيل الحكومة، تتواتر معلومات تقول إن الرئيس المكلف يصر على حكومة اختصاصيين مصغرة، فإما أن يقبلها عون وإما أن يحزم حقائبه حتى من دون أن يعتذر عن عدم التشكيل، بما قد يضع العهد أمام فراغ حكومي مديد في وقت قد تنحدر البلاد إلى الفوضى الكاملة بسبب التردي الاقتصادي والجوع الزاحف في البلاد.
يوم الثلاثاء الماضي كان واضحاً أن إعلان واشنطن العقوبات على الوزيرين السابقين علي حسن خليل الذي يمثل «حركة أمل»، ويوسف فنيانوس من «تيار المردة» والمقرب من النائب السابق سليمان فرنجية المتحالف مع «حزب الله»، جاء بمثابة تحريك للجرافة الأميركية لإزالة العقبات أمام حكومة اختصاصيين، التي يراهن اللبنانيون على أن تشكّل مدخلاً لقلب الصفحة السياسية السوداء في لبنان.
ومع صدمة الإعلان عن العقوبات على الوزيرين، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية «أن واشنطن يهمها تشكيل حكومة قادرة على استجابة مطالب الشعب اللبناني»، وجدد مساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر تلويحه بأن «هناك سلسلة من العقوبات الأميركية ستعلن أيضاً في خلال أيام على داعمي (حزب الله)، وسنحاسبهم»، بما أوحى أن هناك محاولة لفكفكة تحالف عون والثنائية الشيعية، وخصوصاً أن اسم صهره جبران باسيل قد يكون في مقدم لائحة العقوبات.
شينكر حدد جلياً ما هي وظيفة «حكومة المهمة» أو ما هي المهمة التي من الواضح أن هناك اتفاقاً فرنسياً – أميركياً عليها، عندما قال يجب أن تتبنى الحكومة الجديدة البرنامج الإصلاحي وأن تنفذه، «عليها محاسبة من لم يتحلوا بالشفافية أو من لم يخضعوا للمساءلة. يجب أن تكون حكومة مكرسة لمحاربة الفساد، ويجب أن تتمسك بمبدأ النأي بالنفس. ينبغي أن تكون حكومة تخرج من سياسات دول المنطقة، ونحن سنعمل مع أي حكومة إذا قامت بهذه الأمور والتزمت بها».
يشكل كلام شينكر صيغة مكررة لوظيفة «حكومة المهمة» كما حددها ماكرون بالتفصيل؛ ولهذا يبرز السؤال، هل ستساعد العقوبات الأميركية المتسلسلة على إزالة العراقيل التي تواجه مهمة الرئيس المكلف، والتنسيق هنا واضح بين باريس وواشنطن، أم أنها ستعقّد مهمته، عندما يصر تحالف «8 آذار» بقيادة «حزب الله» على موقفه من الحكومة فتتمسك «حركة أمل» بوزارة المال، و«المردة» بوزارة الأشغال، و«التيار الوطني الحر» بوزارة الطاقة التي كلفت لبنان نصف دينه العام، أي ما يتجاوز 50 مليار دولار، و«حزب الله» بوزارة الصحة، فيما يمثّل رداً على العقوبات الأميركية، على قاعدة المراهنة الإيرانية المعروفة، على أن الانتخابات الأميركية على الأبواب وقد تغيّر من المشهد رغم الموقف الفرنسي الحازم؟
يوم الثلاثاء المقبل تنتهي مهلة الـ15 يوماً التي حددت أنها لتشكيل الحكومة، فهل يصعد مصطفى أديب مع تشكيلة حكومة المهمة ويقبلها عون، أم أنه سيرفضها على الأغلب، فيخرج أديب إلى اعتذار، بل إلى اعتكاف طويل، ويغرق العهد والبلد في فراغ أطول، أم يذهب الجميع إلى فوضى عارمة لا تقتصر على المجاعة فحسب مع الملامح التصعيدية النارية المتزايدة، التي قد تعيد بلد الجائعين إلى المتاريس؟

A Rescue Government or a Lebanese Somalia?/Rajeh Khoury/Asharq Al Awsat/September 12/2020
Lebanon was still drowning in the disaster of the explosion that destroyed the port and half of the capital Beirut, when Prime Minister designate Mustafa Adib, tasked with forming the new government, went to Baabda to meet with President Michel Aoun and discuss his delicate mission.
However, it soon became clear that everything said during the two visits of French President Emmanuel Macron about the need to form a “government of mission” to lift Lebanon out of its fatal crisis has been put aside in Baabda in the talks with Aoun and the representatives of the nine political parties.
This is because Aoun seemed to want a government that emulates that of Hassan Diab, which was formed per Hezbollah’s list of conditions. He proposed forming an expanded government of 22-24 ministers and composed of specialist politicians, which totally contradicts everything that had been said about a small government of experts that would be distant from politics.
It also contradicts Mustafa Adib’s conviction that the government of mission should not exceed 14 ministers, and that they should all distant from the political elite so that the cabinet can actually initiate the resurgence process and regain the international confidence that previous governments had destroyed.
It seemed that all that was said to Macron about a “government of mission”, which would immediately start fighting the corruption that has bankrupted the state, was merely a reiteration of the empty promises that people have heard many times and were never implemented.
This is in spite of the series of disasters that Lebanon is facing that is not limited to the travesty at the port, the coronavirus pandemic, the deepening economic crisis that left 50 percent of the Lebanese living below the poverty line, the negotiations with the International Monetary Fund coming to a halt due to the state’s inability to agree on a unified number for its enormous losses of course, or drowning in a people’s revolution against the entire corrupt and rotten political class, as had been said by ministers in the resigned government. It also includes more dangerous and critical disastrous problems; the countries of the world’s despair from the cancer of political corruption and the blind alignment with the axis of resistance; which has closed all doors on Lebanon, be they Arab, Gulf or and international…
The horrific explosion at the port brought back international interest, especially that of France, in the tragic situation, but what is unbelievable is that some have not woken up to the gravity of what happened or the need to turn the black page. They did not take the time to understand what the French President repeated during his two visits, that if real reform doesn’t start, with a government from outside the political jungle, there will be no leniency whatsoever towards the entire political elite, which shall be subjected to a series of painful sanctions, and that he is coordinating with US President Donald Trump to make these sanctions more effective!
It was astounding that some understood that David Schenker’s visit to Beirut aimed to block the French initiative. They did not understand that when Macron threatens sanctions, he knows that France cannot act alone. He is betting on the thick American stick that affects Iran and Hezbollah and threatens the party’s allies in Lebanon. The story here does not stop at Lebanon’s share of the Caesar Act alone; rather, it goes as far as threatening to implement the provisions of the Magnitsky Act on Lebanon, which amounts to imposing penalties for money laundering.
Macron left having agreed that the government of mission must be formed within 15 days, but the formation ship quickly collided with the same archipelago of complications, that is, an expanded cabinet with political dimensions, the apparent purpose of which is to try to preserve the obstructive element that the “Doha Agreement” had introduced to the “Taif Accord” which amounts to the country’s constitution.
This element had been imposed through the superiority of power and is manifested in the so-called “obstructing third,” which is maintained by Aoun’s alliance with the Shiite duo, dropping everything said about the “Baabda Declaration” and the “dissociation” policy and closed the door on all promises Aoun made about discussing the “defense strategy.”
Over the past ten days, the PM-designate tried to keep his efforts quiet while talking about his insistence on forming a small government of experts of 14 ministers remains. And, Aoun’s sources kept talking about an expanded technocrat-political government. They are not hiding that Aoun is resentful of the discreet way the new cabinet’s formation is being managed, far from Baabda and the opinion of the parliamentary Free Patriotic Movement’s bloc, while French ambassador Bruno Fucher, was actively mediating between the two sides.
A few days ago, the same sources in Baabda said that Aoun rejects what is being reported about France’s endeavors to assign the portfolios which had been exclusively assigned to his allies, namely finance, energy, communications and foreign affairs, without asking for his input, despite his support for the French initiative and his pledge to Macron to help form the “government of mission”!
With the declarations that the Shiite duo is hanging on to the ministry of finance, and after all everything Baabda’s sources repeated about a technocrat-political government, things seemed to be going in a vicious circle. It was reported that the Director-General of the French Intelligence Service and former Ambassador to Lebanon Bernard Emie, visited Beirut a few days ago to try to push the formation. Still, diplomatic sources say that his efforts were hindered by the same obstacles!
It may be necessary to clarify here that Mustafa Adib is the relative of an advisor in the Elysee Palace and has a close relationship with Emie, who played a role in proposing his name to the former Sunni prime ministers who named him on the eve of consultations!
In face of the obstacles impeding the government formation process, reports are circulating that the prime minister-designate insists on a mini-government of specialists. Either Aoun accepts it or Adib packs his bags, without even apologizing for not forming the government, which could leave a prolonged governmental vacuum at a time when the country may descend to complete chaos due to economic decline and hunger creeping in.
Last Tuesday, it was clear that Washington’s announcement of sanctions against the two former ministers, Ali Hassan Khalil, who represents the Amal Movement, and Yusuf Finyanus of the Marada Movement and a close associate of former MP Suleiman Franjieh, who is allied with Hezbollah, was a US mobilization to remove the obstacles facing the formation of a government of specialists, which the Lebanese are betting on to turn the black political page in Lebanon.
With the shock announcement of the sanctions on the two former ministers, the US State Department said that Washington is interested in the formation of a government capable of responding to the demands of the Lebanese people. Assistant Secretary of State David Schenker repeated his suggestion that there will be a series of US sanctions that will also be announced within days targeting the supporters of Hezbollah. “We will hold them accountable,” he said, which implies that there is an attempt to dismantle Aoun’s alliance with the Shiite duo, especially since the name of his son-in-law, Gebran Bassil, may be at the top of the sanctions list.
Schenker clearly specified the task of the “government of mission” which the French and Americans are clearly in agreement on is, when he said that the new cabient must adopt the reform program and implement it. He said that it should hold accountable those who are not transparent or accountable. It must be a government dedicated to fighting corruption and uphold the principle of dissociation. It should be a government that puts regional politics aside.
Schenker’s words constitute a reiteration of the “government of mission’s” role as Macron defined it in detail. That is why the question arises: will the sequential US sanctions help remove the obstacles facing the PM-designate’s mission, and coordination here between Paris and Washington is apparent, or will it complicate his task, when the March 8 coalition, led by Hezbollah, insists on its position on the government, with the Amal Movement keeping the Ministry of Finance, the Marada keeping the Transportation and Public Works, and the Free Patriotic Movement holding onto the Ministry of Energy, whose control of that ministry cost Lebanon half of its public debt, that is, more than 50 billion dollars, and Hezbollah in the Ministry of Health, as a response to the US sanctions, based on the well-known Iranian bets on the upcoming US elections, which could change the scene despite the firm French position?
Next Tuesday, the 15-day deadline that had been set to form the government expires. Will Adib proceed with the formation of the mission government and will Aoun accept it, or will he, as seems likely, reject it? Will Adib come out to an apology, but rather to a long retreat, and plunge Aoun’s rule and the country into a longer void? Or does everyone head to a situation of total chaos that is not limited to starvation only but with increasingly intense escalation, which may return the hungry country to the barricades?