الكولونيل شربل بركات/التعاون بين مملكة صور ومملكة اسرائيل

369

التعاون بين مملكة صور ومملكة اسرائيل
الكولونيل شربل بركات/31 آب/2020

تعتبر اسرائيل اليوم بالنسبة للحكم في لبنان دولة عدوة ومغتصبة لا بل في قاموس البعض “طارئة” أو غريبة عن دول المنطقة. وقد كان هذا راي الكثير من الدول العربية المحيطة. ولو أن الرئيس المصري الراحل انور السادات “بطل العبور” ورئيس أكبر واقوى دولة عربية كان قد أنهى حالة الحرب ووقع اتفاقية سلام معها منذ سنة 1978 أي قبل نجاح الثورة الخمينية في ايران. وقد لحقه فيما بعد ملك الأردن الحسين بن طلال الهاشمي.

وبعد تفاوض حافظ الأسد، رأس جبهة “الصمود والتصدي”، معها حول شروط السلام في مدريد لعدة جولات، تجاوز ياسر عرفات كل العوائق “التاريخية” ووقع اتفاقية أوسلو التي ولدت بعدها “السلطة الفلسطينية” واعترفت باسرائيل لتحقق له ولأتباعه من “منظمة التحرير” العودة “المشرفة” إلى “الوطن السليب” وقيادة مفاوضات انشاء الدولة الفلسطينية العتيدة.

اليوم وبعد كل النجاحات والفشل في المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل حول الوضع النهائي، وخاصة قيام “حماس” بتأخير الاتفاق الكامل ونشؤ الدولة الفلسطينية، بدأ العرب بالالتحاق بقطار السلام. وها هي الامارات العربية المتحدة أول دولة خليجية في طريقها لتوقيع السلام الكامل. وهي بذلك تكون الثانية بعد قطر بتطبيع العلاقات مع إسرائيل فقد افتتحت قطر مجالات التعاون مع الاسرائيليين منذ زمن طويل وأنشأت مكتب للعلاقات التجارية فيها وزارها قادة إسرائيليين بدون أدنى وجل. بمعنى أنها طبّعت العلاقات قبل أن توقع السلام، بعكس ما كان مطلب الرئيس الأسد الأب “نعم للسلام ولا للتطبيع”.

ولكن وبما أن الاسرائيليين يحبون العودة إلى التاريخ القديم ويبنون كل تصرفاتهم استنادا لحقوقهم التاريخية في “أرض الميعاد”، فلنعد إلى ذلك التاريخ حيث قمة قوة واستقرار ورفاهية إسرائيل التاريخية، وكيف كانت علاقاتها مع جيرانها خلف الحدود الشمالية، ولماذا وعلى اي أسس قام هذا التعاون الذي أعطى ملوك أسرائيل وفينيقية تلك الحقبة الذهبية في العلاقات التي جنى منها الشعبان الكثير من الثروات وبقيت في تاريخهما نقطة ساطعة لتعاون الجيران مع الاحترام المتبادل لخصائص كل منهما.

التعاون بين ملك صور احيرام وداوود، الذي يعتبر من أهم ملوك اسرائيل والذي باركه الله لكي ينتصر على أعدائه، لم يكن وليد ساعته ولا كان نتيجة الجيرة فقط. ولكي نعرف اسبابه ونتائجه علينا أن نغوص في تسلسل أحداث تلك الفترة من تاريخ المنطقة.

نحن نتكلم على بداية الألف الأول قبل الميلاد حوالي سنة 1000ق.م وقد كان سبق ذلك قبل حوالي مئتي سنة تقريبا انتصار رعمسيس الثاني فرعون مصر على “الفلسطو” الذين نسميهم “شعوب البحر” (ويقال بأنهم من سكان جزر بحر أيجه وغيرها من الشواطئ المتاخمة) في معركة حامية اعتمد فيها رعمسيس على استدراج مراكب هؤلاء إلى مياه الدلتا حيث حاصرهم وقضى على قوتهم منهيا تلك الهجمات التي كانوا يقومون بها حول السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط. وكان المصريون يخافون البحر ويعتبرونه نجسا، ولذا فلم يكن لهم أسطولا بحريا، ولكنهم اعتمدوا دوما على خبرة الفينيقيين في ذلك.

وقد كان هؤلاء “الفلسطو” هاجموا مملكة الحثيين ودمروا مدنها الرئيسية والحقوا ملك الحثيين الذي خسر المعركة بقواتهم وأكملوا باتجاه مصر حيث قضى عليهم رعمسيس كما سبق. ولكنهم لم يهاجموا اي من المدن الفينيقية يومها. وبعد استسلامهم اسكنهم رعمسيس على حدوده الشرقية جنوب بلاد كنعان فيما عرف بعدها باسمهم (فلسطين) ليشكلوا حاجزا لمنع القبائل الكنعانية وبدو الصحراء من دخول مصر من تلك الجهات. واستعمل بعضهم لكي يقوموا بالاعمال المطلوبة في البحر. وقد كانت هجمات “الهكسوس” الذين حكموا مصر سابقا لفترة دامت أكثر من مئتي سنة (حوالي 1700 ق.م – 1500 ق.م) بقيت في الذاكرة وهي تمت يومها من خلال استدعاء القبائل الكنعانية التي وصلت مصر في هجرات أيام الجفاف الكبير واستوطنت في شرق الدلتا.

ومن ثم ولما ضعف الحكم وبدأت القلاقل في البلاد، قام هؤلاء باستدعاء قوات مساندة من الحوريين الذين كانوا يسكنون السهول جنوب الحرمون. وكان هؤلاء قد عرفوا ترويض الحصان واستعماله في جر عربات القتال. وكانت قواتهم مزودة باسلحة ذات رؤوس معدنية قضت بسهولة يومها على جيش الفرعون الذي لم يكن يتسلح بأكثر من العصي الخشبية. ما جعلهم يحكمون مصر السفلى، أي منطقة الدلتا الغنية، أكثر من قرنين من الزمن. وجعل المصريين يهربون صوب الداخل ليشكلوا دولتهم في مصر العليا، أي المناطق الجنوبية من وادي النيل.

ومع الزمن غيّروا أسلحتهم ووسائل القتال قبل أن يعودوا مجددا للسيطرة على كامل البلاد. ويعتبر بعض المؤرخين أن موسى وخروج العبريين من مصر كان قد تم في ايام رعمسيس الثاني المذكور.

من هنا نفهم الحروب التي قامت فيما بعد بين قبائل العبرانيين هؤلاء، الذين أمضوا حوالي الأربعين سنة في الصحراء (وقد تكون الصحراء العربية وليس فقط سيناء) والذين قرروا الدخول إلى أرض كنعان من الجهة الشرقية (الأردن اليوم)، ومن يسمونهم الفلسطينيين الذين كانوا يتحكمون بالمنطقة الساحلية الجنوبية أي منطقة غزة وجوارها اليوم.

لم تكن القبائل الكنعانية المقيمة في السهول جنوب فينيقية تتبع لسلطة المدن الفينيقية، ولكن كان لهذه المدن فيها مراكز لقوافلها التجارية، وكانت تمتد أحيانا سلطة صور حتى تخوم عكا، وربما حيفا، ولو أن الدفاع عنهما لم يكن سهلا بسبب السهول المنبسطة حولهما والمفتوحة على الجنوب.

من هنا لم تتأثر المدن الفينيقية كثيرا من دخول القبائل العبرية هذه إلى أرض كنعان الجنوبية. وقد اعتبروا مثل بقية القبائل التي تسكن المنطقة وقتالهم كتقاتل هذه القبائل فيما بينها.

حوالي سنة 1100 ق.م قام الفلسطو، وبسبب ضعف الحكم المصري، بتجديد الهجمات (الغزوات) على بعض المدن الساحلية في المناطق التابعة لفينيقية. فهاجموا أرواد ودمروها، ومن ثم هاجموا صيدون، وكانت عاصمة فينيقيا وأهم مركز تجاري فيها، ودمروها تدميرا شبه كامل، ما نتج عنه هجرات فينيقية صوب بلاد اليونان ولجوء كبير إلى صور. ومنذ ذلك التاريخ اصبحت صور عاصمة فينيقية وأطلق على ملكها لقب ملك الصيدونيين.

من جهة أخرى استغل ملك الآراميين في دمشق الدمار الذي لحق بأرواد وقام بالهجوم على حماة الفينيقية ودمرها.

من هنا كان السخط الكبير لدى الفينيقيين على الفلسطو من جهة وعلى الآراميين من جهة أخرى ما دفع بأحيرام الأول ملك صور والصيدونيين إلى التطلع صوب هذه القوة الفتية الناشئة في جنوب كنعان والتي تقاتل الفلسطو، ولو أن أحد اسباطهم كان قام سابقا بالاعتداء على “لايش” التي للصيدونيين، والتي تقع على اقدام الحرمون الجنوبية، وقد كانت مركز لقوافل صيدا، إلا أن هذه الهجمة اعتبرت عملية بسيطة وعابرة ويمكن تقبلها مقابل تدمير المدن الكبرى مثل صيدا وأرواد وحماة.

من هنا قام أحيرام بالاتفاق مع داوود الذي حارب الفلسطو وقضى على قوتهم ومن ثم حارب ملك دمشق الآرامي ووصل إلى حماة.

وقد كان لهذا الاتفاق الذي ساهمت فيه مرحلة انحسار السلطة في ما بين النهرين وانكسار الحثيين في الشمال كما ذكرنا سابقا، ومن ثم انعزال مصر القوة الكبرى في الجنوب، كان له اثرا كبيرا على نجاح التجربة العبرية في السيطرة على “أرض الميعاد”، ما أعطى ايضا لقوافل التجار الفينيقيين المتوجهة إلى الجنوب والشرق مجالا أكثر وحرية في الحركة.

ومن ثم صارت هذه المملكة الجديدة والتي سادها الاستقرار سوقا جديدا لتجارتهم أيضا. وقد ساهم اتفاق احيرام الأول وداوود، ومن بعده ابنه أبيبعل الذي خلف أحيرام وسليمان ابن داوود الذي خلف والده، بتمتين العلاقات بين الدولتين.

ويذكر الكتاب المقدس بأن داوود طلب من أحيرام أن يبني له الصوريون قصرا في مدينته أورشليم، التي كان احتلها من اليبوسيين وجعلها عاصمته، مقابل أن يدفع له حبوبا وزيتا. فقام هؤلاء بتصميم وبنأ القصر الملكي لداوود واستقدموا أهم المهندسين الفينيقيين مع خشب الأرز لهذه الغاية. وكانت هذه خطوة رمزية للدلالة على مجالات التعاون بين البلدين. ومن بعد داوود استمرت علاقات التعاون بين سليمان وابيبعل كما ذكرنا ومع خليفة أبيبعل أحيرام الثاني الذي بنى الهيكل لسليمان.

ويروي الكتاب المقدس عمليات المبادلة التي جرت بين احيرام وسليمان والتعاون الذي ساد علاقاتهما ما نشأ عنه استقرار وبحبوحة كبيرة في كل البلاد.

وعلى ما يبدو إن المهندسين الذين بنوا الهيكل كانوا من جبيل لأن مهندسيها كانوا الأشهر في فينيقيا. وقد قطعت الأخشاب، خاصة الأرز من الجبال في منطقة جبيل، وجمعت في أطواد ارسلت بحرا إلى قرب يافا حيث نقلت إلى اورشليم.

وقد تشارك الفينيقيون والاسرائيليون، ليس فقط في بناء الهيكل، ولكن في التجارة والرحلات البحرية التي قام بها بحارة صور لصالح سليمان الملك.

وقد قام هؤلاء بالسفر خاصة من ايلة على البحر الأحمر التي كان اسمها “عصيون جابر” وتقع على “البحر الهادئ” وقام بحارة صور هؤلاء بالسفر باتجاه افريقيا الشرقية وجزر الهند وسواحل عمان اليوم وحتى بالدوران حول افريقيا ما تظهره الكتابة التي وجدت على صخرة “باراييبا” في البرازيل، ومقاطعة باراييبا هي الراس الأقرب لأفريقيا من قارة أميركا الجنوبية.

وبقيت العلاقات جيدة بين ملوك صور وملوك اسرائيل بالرغم من التغييرات والقلاقل وانقسام مملكة سليمان بعد موته إلى مملكتين؛ اسرائيل في الشمال ويهوذا في الجنوب. فملك يربعام ابن ناباط على اسرائيل بينما ملك رحبعام ابن سليمان على يهوذا. وبعد أن تسلّم ايتوبعل الملك في صور وأصبح عمري ملك اسرائيل تزوج آحاب ابن عمري من ايزابيل ابنة ايتوبعل ملك صور ما يظهر استمرار الصداقة والتعاون بينهما. بينما أتجه ملوك يهوذا إلى التفاهم مع المصريين. وقد كثرت القلاقل في مملكتي اليهود كما في مملكة صور بعد تلك الفترة.

هذا المسار التاريخي والذي يعتبر الفترة الذهبية لصور واسرائيل على السواء نشأ إذا عن تعاونهما ضد عدو مشترك ومن ثم الانفتاح واستغلال الفرص بشكل بناء باتجاه العمران وتمتين الاقتصاد والتوسع في مجال التجارة، ولكن مع المحافظة على استقلال واحترام كل في دولته ومعتقداته وبيئته.

وبغياب سيطرة القوى الكبرى الآتية من الشمال (الحثيين أو تركيا اليوم) أو الشرق (الآشوريين والفرس أي أيران اليوم) أو الجنوب (مصر وغيرها). فهل يبقى لبنان لينعم بالسلم الآتي إلى الشرق الأوسط والذي سيجعله يزدهر بوجود ذلك التعاون مع جيرانه في الجنوب والشرق والشمال، وبانفتاحه على البحر (الغرب) مصدر كل خيراته؟ أم أنه سيسقط قبل بلوغ المراد وسيصبح في خبر كان قبل أن يرتاح الكل من صعوبات المرحلة الحالية ومشاكل التغييرات الجارية في العقليات والأهداف، لأن بعض ابنائه لم يدركوا أهمية العمل بروح العصر فتركوا الأحقاد تتآكلهم والتعطش للدماء يخنق أحلام مستقبلهم؟…