الكولونيل شربل بركات/هل يمكن التخطيط لمرحلة ما بعد نصرالله وحكم الملالي؟

508

هل يمكن التخطيط لمرحلة ما بعد نصرالله وحكم الملالي؟
الكولونيل شربل بركات/28 آب/2020

*السلم الآتي على المنطقة والذي يتم التفاوض على كل أجزائه ومشاريعه المستقبلية لن يأخذ مصالح اللبنانيين بعين الاعتبار، لأنهم منشغلون بتنفيذ أوامر “الولي الفقيه” بدون النظر إلى اي مصلحة مستقبلية للبلاد ككل، أو بالتخطيط للمستقبل. وهم يكتفون بأن جيوب بعض الزعماء منهم تنتفخ، وتطلعات القوى التي تحرّك الثورة لا تزال على قدر بسيط من الرؤية المستقبلية للبلاد، لأن المجموعة اليسارية داخل التحرّك لا تزال تتاجر بما يسمى “القضية الفلسطينية”، مع أن الفلسطينيين أنفسهم أصحاب هذه القضية قد تجاوزوا، ومنذ توقيع ياسر عرفات اتفاق أوسلو، كل تلك الأحلام التي لا توصل إلى نتيجة.

*الاعتماد على سياسة خامنئي وتجيير لبنان لحرسه الثوري عملية انتحار كبرى تتم تحت عيون المجتمع الدولي الذي يعتبر نفسه غير معني طالما لم يستغث اللبنانيون أو يقوموا هم بالتغيير.

*يعتبر ميناء بيروت الأهم على الساحل الشرقي للمتوسط، ليس فقط من ناحية توسطه للواجهة البحرية الشرقية، ولكن لأنه أفضل ميناء من الناحية العملية، فهو يقع مباشرة على جرف صخري ينحدر بشكل شبه عمودي إلى عمق يقارب المئتي متر.

****
الشرق الأوسط سيذهب عاجلا نحو السلم والانفتاح، ويوم عرض الأميركي ما أسماه “صفقة القرن” كحل لمشاكل المنطقة، كان يحاول أن يفتح عيون شعوب الشرق الأوسط على أهمية هذا السلام.

إسرائيل دولة قوية فرضت وجودها بدون أن تصبح دولة توسعية أو استعمارية في المنطقة، بالرغم من قدرتها على ذلك. ولكنها، على ما يبدو، تملك رؤية مستقبلية أفضل لشعوب هذه المنطقة مستندة إلى خبرة في التكامل بين شعوب العالم في أوقات السلم واستغلال افضل العلاقات بينها لتطوير الابداع وقطف ثماره.

وهذه الفكرة، التي كانت تطورت عند الأوروبيين والأمريكيين خلال سنوات الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، جعلت هذه الدول تعتمد على التفوق العلمي والتكنولوجي لفرض نفسها على السوق الدولية. فهي، وبعد كل المآسي والحروب، اعتبرت بأن تعاون الشعوب أفضل طريقة للبقاء والاستمرار لا بل للتقدم والازدهار.

ولكن تمسك انظمة المنطقة بعدم التفاهم مع إسرائيل طيلة هذا الزمن والاكتفاء بجعلها “البعبع” لشعوبهم للتمكن من السيطرة عليهم ومنع تقدمهم ولحاقهم بالركب العالمي، جعل هذه البلاد معرضة في أي وقت للخراب.

وبالرغم من تشكيله جزء من المجموعة العربية، احتفظ لبنان بالحد الأدنى من التطور بسبب نظامه الديمقراطي ومحاولة حفاظه على الحرية التي أعطته القدرة على التقدم بواسطة المبادرات الفردية.

وكانت خيارات السلطة فيه تتميز بالانفتاح على الشرق والغرب وعدم الدخول في سياسة المحاور، حتى وهو عضو في جامعة الدول العربية، ولو بقيت إسرائيل والانفتاح عليها ممنوعا، ولكنه طالما التزم بشروط الهدنة التي وقعت سنة 1949 فإن وضعه لم يكن صعبا، ولو أن تسكير الحدود الجنوبية كان عائقا اقتصاديا له، خاصة من ناحية المواصلات البرية مع الكثير من الدول العربية.

فقد استعملت سوريا موضوع تسكير الحدود والتشديد على البضائع المصدرة شكلا من أشكال الضغط على الحكم في لبنان في كل مرة أراد فيها الحكم في سوريا اظهار أنيابه.

فهو يحيط بلبنان من جهتين كليا، وبينما كان البحر دوما صديقا للبنانيين عبر التاريخ وهم أكثر من طوّر استعماله، كانت الحدود الجنوبية مغلقة تماما التزاما بقرارات الجامعة العربية.

يعتبر ميناء بيروت الأهم على الساحل الشرقي للمتوسط، ليس فقط من ناحية توسطه للواجهة البحرية الشرقية، ولكن لأنه أفضل ميناء من الناحية العملية، فهو يقع مباشرة على جرف صخري ينحدر بشكل شبه عمودي إلى عمق يقارب المئتي متر. وبينما تبقى كل المرافئ المهمة الأخرى على شرق المتوسط بحاجة دوما لعملية تنظيف الرمال المتجمعة على قعرها بسبب التيارات البحرية، وخاصة في مينأي حيفا وطرطوس المنافسين، لا يحتاج ميناء بيروت لأي صيانة من هذا القبيل. ولكن طرق المواصلات البرية من بيروت نحو الداخل تعتبر مشكلة إذا لم يتم فتح أنفاق تحت الجبال لتصل بيروت بالبقاع بواسطة سكك الحديد أو الشاحنات لنقل البضائع.

في صفقة القرن عرض على الفلسطينيين (ومعروف بأنهم سيرفضوه) فتح مرفأ كبير على البحر جنوب غزة يمكنه أن يصبح المرفأ الأهم في شرق المتوسط فيحل محل بيروت، لأن الخطوط التجارية بين أوروبا والشرق أي بلاد العرب وما بعدها ستتحول إليه، خاصة بسبب طرق المواصلات السهلة منه إلى الأردن والسعودية وما بعدهما اي العراق ودول الخليج. المتضرر الأساسي من هذا المشروع هو لبنان وسوريا التي كانت لها عائدات جمركية من الحركة التجارية عبر مرفأ بيروت.

ولكن انشغالهما في حروبهما الداخلية من جهة، وحروب الشعارات من جهة أخرى، سيمنعهما من الدخول في أي نوع من المفاوضات حول مستقبل الخطوط التجارية، سيما وأن الدول الخليجية ذات العلاقة بهذا المشروع سوف توقّع عاجلا على سلام مع إسرائيل فلا يعود هناك أي مبرر، حتى مع رفض الفلسطينيين، أن تستعمل مرافئ إسرائيل الجاهزة وطرق المواصلات الحديثة والمتطورة فيها، بالاضافة إلى شبكة السكك الحديدية المستعملة. وهنا نشير إلى أن الأردن كان لا يزال يملك منطقة حرة حول ميناء حيفا منذ ما قبل 1948 وقد أعيد استعمالها بعد أن وقعت اتفاقية السلام بين الدولتين.

السلم الآتي على المنطقة والذي يتم التفاوض على كل أجزائه ومشاريعه المستقبلية لن يأخذ مصالح اللبنانيين بعين الاعتبار، لأنهم منشغلون بتنفيذ أوامر “الولي الفقيه” بدون النظر إلى اي مصلحة مستقبلية للبلاد ككل، أو بالتخطيط للمستقبل. وهم يكتفون بأن جيوب بعض الزعماء منهم تنتفخ، وتطلعات القوى التي تحرّك الثورة لا تزال على قدر بسيط من الرؤية المستقبلية للبلاد، لأن المجموعة اليسارية داخل التحرّك لا تزال تتاجر بما يسمى “القضية الفلسطينية”، مع أن الفلسطينيين أنفسهم أصحاب هذه القضية قد تجاوزوا، ومنذ توقيع ياسر عرفات اتفاق أوسلو، كل تلك الأحلام التي لا توصل إلى نتيجة.

اليوم وبعد تدمير مرفأ بيروت وكل ما حوله من البنى التحتية للشركات والاحياء السكنية المحيطة، ومع دخول لاعب اساسي إلى نادي السلام في الشرق الأوسط (الامارات العربية المتحدة)، وبالنظر إلى كافة المشاريع الكبرى إن في مصر أو على الجانب الغربي من المملكة السعودية، نرى بأن مستقبل بيروت إلى انحسار طالما من في مراكز القرار لم يجرؤ بعد على المطالبة، باقل ما يمكن لرسم المستقبل، وهو التخلص من مخازن الدمار المزروعة في مدن لبنان وبين أماكنه السياحية، التي قد تصبح أحد الحلول الاقتصادية، وتلك النفسيات الحاقدة الآتية من مجاهل التاريخ القديم والتي لا تعتمد إلا على سفك الدماء، بينما يتمتع العالم بالرفاهية والتطور اللذان يجعلانه واحة رحبة للتعاون ومكانا لتلاقي الافكار.

الاعتماد على سياسة خامنئي وتجيير لبنان لحرسه الثوري عملية انتحار كبرى تتم تحت عيون المجتمع الدولي الذي يعتبر نفسه غير معني طالما لم يستغث اللبنانيون أو يقوموا هم بالتغيير.

من هنا أهمية أن يفهم اللبنانيون “الأذكياء” بأن فرص الاستلحاق ليست كبيرة، وهم يتناقشون حول إذا بقي ترامب أو جاء بايدن رئيسا للولايات المتحدة فسوف تتغير اللعبة وتربح إيران وقد نجني من ذلك بعض الكسب.

ونحن نخشى أنه وكيفما تدور انتخابات اميركا أو غيرها فإن مشاريع استقرار الشرق الأوسط وصلت إلى نهاياتها، وأحلام الخميني لن تتحقق، ليس لأنه فارسي ولكن لأنه يقرأ في كتاب قديم انتهت مدة صلاحيته ولم تعد الأفكار فيه تؤدي إلى أهدافها. المستقبل يصنع اليوم، وقد تجاوز مرحلة التخطيط أو الرسم، وعلى من يريد الاستمرار في لعبة الأمم أن يدخل قبل إغلاق الأبواب.

نحن نرى بأن التقارب بين بعض اللبنانيين وبلاد الفرس ليس بالضرورة موضوع مرفوض، ولا التقارب بين آخرين وتركيا مثلا، ولكن لا نريد لهؤلاء اللبنانيين أن يصبحوا عملاء لأنظمة إن في تركيا أو أيران، تماما كما لم نردهم أن يكونوا عملاء لنظام دمشق أو بغداد أو ليبيا أو مصر وغيرها.

نحن نرى بالانفتاح مع المحافظة على الهوية اللبنانية والتعاون على الخير، لا على زرع الشقاق، عملية مربحة مستقبلا. فإيران لن تبقى خمينية ولا تركيا ستبقى إخوانية، وعندما تبدأ عملية الازدهار سوف تتغير المفاهيم، حتى في تركيا وإيران.

فليكن من تعلّم الفارسية وتعرّف على إيران عنصر غنى للبنان لا عنصر تدمير وزرع للحقد، وكذلك من يريد أن ينفتح على تركيا وحتى لوتعلّم التركية، على أن يبقى لبنانيا ويخدم إخوته في التطور والتقدم في الشرق الأوسط ما بعد أردوغان وما بعد خامنئي.

دعوتنا إلى الأخوة اللبنانيين أن خففوا من وسائل الحروب وزرع الأحقاد، وبادروا إلى العودة نحو لبنان المحايد الذي له وضعه في هذا الشرق وأهميته في التواصل بين الأمم، لا في تباعدهم عن بعض.

وليكن المستقبل رائدا في التعاون، لا التقاتل. ولنتخلى عن نظريات ما قبل الحرب العالمية الثانية، فقد تجاوزها العالم باشواط. ولنصنع معا المستقبل لمرحلة ما بعد نصرالله وتعصب الملالي. فهل من سميع؟…