د. منى فياض/المحكمة باكورة الإفلات من العقاب

75
(Back row, from L) Judge Janet Nosworthy, Presiding Judge David Re and Judge Micheline Braidy attend a session of the UN-backed Special Tribunal for Lebanon (STL) at Leidschendam on August 18, 2020, for the expected verdict on the 2005 murder of former Lebanese premier Rafic Hariri. - A UN-backed tribunal will hand down its verdict on the 2005 murder of former premier Rafic Hariri, two weeks after the Lebanese capital was rocked by a massive explosion. The Special Tribunal for Lebanon's long-awaited judgement comes days after a cataclysmic blast at Beirut port blamed on state negligence left at least 177 people dead and deepened public distrust toward the government. (Photo by Piroschka VAN DE WOUW / AFP) / Netherlands OUT

المحكمة باكورة الإفلات من العقاب
د. منى فياض/الحرة/23 آب/2020

منذ أن حصل لبنان على استقلاله لحقت به لعنة الاغتيالات. من رياض الصلح الى محمد شطح، سلسلة متلاحقة لا تتوقف. ناهيك عن تلك التي تتم على شكل تصفيات وبشكل سري صامت أو تلك التي تبدو كحادث أو انتحار أو اختفاء أثر، ولا نعرف عددها.

طالت الاغتيالات رؤساء جمهورية وحكومات، ووزراء ونواب ومفكرين وصحافيين…

يبدو من تنوع الاغتيالات وتعددها وكأن كل من يخالف المرجعية المفترض الخضوع لها كان اغتياله وتصفيته الجسدية هو العقاب الذي يستحقه والحل للتخلص من معارضته. استعمل الاغتيال إذن كوسيلة وحيدة لإسكات المعارضين بالقضاء عليهم كعصاة ومتمردين من ناحية ولجعلهم أمثولة يتم عبرها تلقين الدرس المطلوب ممن قد تسوّل لهم أنفسهم بالوقوف بوجههم.

إن كثافة عمليات الاغتيال جعلت منه في لبنان، بعد الاستقلال، لغة تخاطب وأداة عمل سهلة التنفيذ. بلغ تعداد الاغتيالات بحسب الدولية للمعلومات 220 عملية اغتيال ومحاولات اغتيال حتى نهاية العام 2005 تلاها 6 اغتيالات منذ ذلك الحين ويصبح المجموع 226 .

الاغتيال مصطلح يستعمل لوصف عملية قتل منظمة ومتعمدة تستهدف شخصية مهمة أو قيادية ذات تأثير فكري أو سياسي أو عسكري وتكون أسباب عملية الاغتيال عادة إما عقائدية أو سياسية أو انتقامية تستهدف الشخص الذي يعتبره منظمو عملية الاغتيال عائقا في طريق انتشار أوسع لأفكارهم أو أهدافهم، بقصد الانتقام والتحذير والترهيب والقمع. استخدم الاغتيال كأحد ادوات السيطرة والحكم في لبنان.

لكن إغتيال الحريري شكّل صدمة أساسية هزّت كيان الدولة اللبنانية ومجتمعها ولا تزال آثاره تتداعى حتى الآن.

المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي أول مؤسسة قضائية دولية دائمة مختصة بمحاكمة الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

والقرار الذي أصدرته هو أول قرار في التاريخ يصدر بالإدانة بجريمة الإرهاب. ولقد أنشأت المحكمة في ظل مفهوم العدالة الانتقالية، وهدفها معالجة موروث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان. ولقد عنت في لبنان وفي المنطقة مكافحة الإفلات من العقاب وتعزيز المساءلة وسيادة القانون. وتجدر الاشارة هنا إلى أن العدالة تهتم بالأمن الاجتماعي وليس فقط بالعدالة المجردة.

الحكم الصادر عن المحكمة أثار ردود فعل متناقضة، هناك من اعتبره مخيباً للآمال وأنه جاء هزيلاً ولم يقض سوى بتجريم متهم واحد ولم يتهم حزب الله أو النظام السوري. وهناك من احتفل به.

الغريب أن بيئة حزب الله استقبلت أحكام (غير مذنب) على العنيسي وصبرا ومرعي ما يعني أنها قبلت حكم المحكمة، نجد في نفس الوقت رفض إدانة عياش؟ إنه الانفصام التام والانفصال عن الواقع. وفيما حكم العدالة يكون لانهاء العنف بتسليم الجاني، مع حزب الله يبدو أننا سنفتح صفحة عنف وتجاذب جديدتين؛ فمن هاشتاغ “من قتلناه يستحق”، إلى هاشتاغ “سلمت يداك” وحمل صورة عياش كبطل، يبدو الجنون هو المسيطر. وإذا كان الحريري يستحق برأيهم فماذا عن الضحايا الآخرين؟ وإذا كان عياش مذنباً وحزب الله يحميه، فما دلالة ذلك؟ وما تبرير القتل!!

من جهة أخرى من الطبيعي أن يُقرأ قرار المحكمة تحت تأثير تفجير المرفأ وعلى ضوء الغضب الذي أثاره والمخاوف من تفجيرات مماثلة قد تكون ممكنة في أماكن تخزين أخرى. ومن هنا بدا الحكم خافتاً هيناً على قسم من اللبنانيين.

لكن المحكمة الدولية حكمت بحسب قانونها الخاص وبما توفر لها من معطيات في ظل حكومات غير متعاونة وخاضعة لحزب الله وتوصلت إلى اتهام عضو في الحزب من معطيات الاتصالات وعن بعد. كما يجدر التفريق بين الاتهام والمسؤولية، ففي الحيثيات تفاصيل مسهبة تشير الى الطرف المسؤول دون لبس.

لكن غضب الناس يعود إلى أنهم ظنوا أن الحكم هو الحل لمشاكل لبنان، بينما كان السياسيون طوال فترة المحاكمة يتعاونون مع المتهم ويقيمون الصفقات، فساهموا في المزيد من هيمنته على الدولة مقابل صفقاتهم المحاصصاتية. ما صعّب الحلول إلى ما يقرب من الاستحالة.

وسواء أدين عياش وحده أو مع رفاقه، لن يغير من كونها وصمة طالت الحزب وضربت صدقيته وموقفه الاخلاقي، إذ ربطت بينه وبين الجريمة التي وصفت بالسياسية والإرهابية. بل أكثر من ذلك تم إخفاء مرتكبيها وإعلانهم قديسين ورفض تسليمهم قبل الحكم وبعده. ما يعني رفض التعاون مع العدالة الدولية.

باختصار أقرت محكمة دولية تورط أحد أعضاء حزب الله الذي يصر على حمايته وعدم تسليمه، في وقت لا تزال عدة جرائم محلية أخرى – قيد المحاكمة – ناهيك عن الجرائم الإقليمية والدولية التي ستحتم محاكمته لأنه يصعب على الغرب وأميركا غض الطرف عن الجرائم التي ارتكبها في سوريا والعراق واليمن. عدا عن تهريبه المخدرات وغيرها من الجرائم المافياوية وجرائمه السابقة في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي. إذن الحكم سيلزم المجتمع الدولي باتخاذ موقف، والا فستلقى الظلال على موقفه.

مع كل الجدل القائم تشكل المحكمة علامة فارقة بين وضع يكون فيه الاغتيال الوسيلة الفضلى للتحكم والهيمنة السياسيين ولترهيب الشعوب وبين حقبة تعلن بدء اتخاذ العدالة مجراها والنجاح في إرساء سلوك نوعي جديد في لبنان وفي الشرق الأوسط يتعلق بمفهوم العدالة وإمكانية تطبيقه في الواقع من أجل الخروج من منطق الثأر الذي يدخلنا في دوامة عنف لا متناهي. وطبعا هذا يتوقف على السلوك الذي سيتخذه اللبنانيون.

لأن الوضع المأسوي، غير المسبوق، الذي نعيشه في لبنان، خصوصا بعد جريمة 4 آب التي بلغت قمة العنف، لا يقتصر على لبنان بل نجده باشكال اخرى سائداً في الشرق الاوسط التي شهد على مر التاريخ، ولا يزال يشهد نزاعات وجرائم لا تعد ولا تحصى. فما زلنا تشهد معاناة الملايين من سكانها الذين يقتلون ويتم وطئ حقوقهم الإنسانية الأساسية بالأقدام. دون أي ردة فعل أو محاسبة أو مقاضاة. جثث .. جثث .. جثث لضحايا من دون أي قاتل.

هذه المحكمة ليست فقط من أجل الحريري انها من أجل لبنان ومستقبله ومن أجل ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم المروعة على انواعها من العقاب. إنها فرصة كي نمنع السعي الى تغيير الواقع السياسي بواسطة القتل، والى إعادة النظر بثقافة العنف المتفشية. أنها فرصة كي نوجد مثالات ومرجعيات (بارديغم) جديدة تتغلب على ثقافة العنف والتآمر وفبركة الجثث المشوهة المرمية على الطرقات.

إنها فرصتنا للخروج من دوامة العنف.