الكولونيل شربل بركات/نتانياهو… تفجير بيروت… وحزب الا

491

نتانياهو… تفجير بيروت… وحزب الا
الكولونيل شربل بركات/23 آب/2020

*لبنان سيقوم وشعبه لن يتوقف عن تغيير الحالة التي وصل اليها لأنه شعب حي تعود على الحرية وعلى الاتكال فقط على النفس، ومن هنا مقدرته على التكيف مع الظروف

*ثقافة نصرالله وحزبه أعاقت تقدم اللبنانيين وتطورهم ومجاراتهم للحضارة، ولو أن الشيعة كانوا من طلائع المثقفين والمفتحين قبل الحرب.

*نصرالله وحزبه شدد فقط، وبطلب من معلميه في “الحرس الثوري”، على خلق “مزرعة” لتوليد مقاتلين يدفع بهم حول العالم لتنفيذ مهمات يعتبرها “الولي الفقيه” ومرؤوسيه ضرورية لتحضير عودة “المهدي” المنتظر.

*المشكل عندنا أننا نكيل بمكيالين، والأصعب أن هناك من يحاول إعادة اللبنانيين لعقلية الغزو، عقلية “الجاهلية” كما يسمونها.

*ثقافة حزبلا ومدارسه وتطبيقاته للدين “الحنيف”، تختلف عن ثقافة الحياة التي يعرفها اللبنانيون بأجمالهم ويعيشونها ويطبعون العالم بها، والتي ظهرت بشكلها الواضح في اندفاع هذا الشعب “العظيم” فعلا لرفع المعاناة عن إخوته المتضررين. فكانت المكانس شعارهم الجديد لرفع غبار الموت عن مدينة الثقافة والحياة، وبث الروح في الأجساد المتهاوية والتي تكاد تلفظ الأنفاس.

***
يتسائل بعض اللبنانيين هل كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو يعرف ما في مرفأ بيروت يوم تكلّم عن مراكز تطوير الصواريخ حول المطار؟ ولماذا لم يشر إلى ما في المرفأ من مواد خطرة قد تتسبب بكارثة على لبنان؟

الجواب هنا بسيط وبديهي لأن ما يهم نتانياهو من بيروت ليس ما يجب أن يكون على راس اهتمامات المسؤولين اللبنانيين. وهو عندما اشار في الأمم المتحدة إلى وجود مراكز لتطوير الصواريخ حول المطار لم يكن يحاول التدخل بشؤون من يحكم لبنان، أو يعتقد ذلك، ولا بما تعرف مخابرات بلاده عن المخازن والمواد الخطرة الموزعة يمنة ويسرى بين البيوت وفي الدارس أو المستشفيات في مناطق كثيرة من لبنان أحيانا.

وهو ولو لم يكن رئيسا لوزراء إسرائيل يوم كارثة قانا ولكنه ككل مسؤول يعرف ما تسببت به ويعرف جيدا “مقدرة” حزب الله على اختراع الافلام واستغلال العواطف في مصائب الناس بدون أن يرف له جفن. وهو يعرف تمام المعرفة بأن هذا الحزب لا يهمه أمر اللبنانيين، فلماذا عليه هو أن يهتم لأمرهم ما دام زعماؤهم المنتخبون لا يكترسون ولا يفتشون عن مكامن الخطر أو عما قد يجر على بلادهم وشعبهم من الويلات.

قد يكون رئيس وزراء إسرائيل يملك معلومات حتى عما يخبأ في مرفأ بيروت، ولكن ما لا يضر بشعبه وببلاده ليس من ضمن وظيفته ولا من واجباته. ولو أن دولة إسرائيل عرضت فتح مستشفياتها للبنانيين وقت الكارثة وارسال فريق متخصص بالكوارث للمساعدة. فهذه أمور انسانية فعلتها حتى مع إيران يوم وقع زلزال مدمر فيها.

ومع أن نصر الله تبجّح بقتل 800 ألف اسرائيلي في إحداث تفجير في حيفا مشابه لما جرى في بيروت، يوم أُعلم عن خطورة ما يخزن عندنا، وسارع إلى كسب سبق صحافي أو دعائي في خطابه يومها بأنه يستطيع تدمير اسرائيل وهذه عينة منها. إلا أن إسرائيل والمسؤولين فيها وبدل أن يناقشوا نصر الله ويطلقوا العنان لخطابات رنانة، تنبّهوا لتلك الثغرة وعملوا على نزع هذا الفتيل بدون ضجة إعلامية، لأن القضية مهمة وخطرة ولا تتحمل نقاش ومراجل.

المشكل بأن حزبلا وغيره من جهابذة العرب، واليوم يلحق بهم الفرس والأتراك، يريدون تدمير إسرائيل وطرد شعبها من هذه المنطقة بحجة أنها سُلبت من الشعب الفلسطيني. ولكنهم في تصاريحهم وخطاباتهم لا يعرفون مدى دفعهم لهؤلاء الاسرائيليين على التشبص بالأرض والتعلق بالدفاع عنها لأنها ملجأهم الوحيد في هذا الشرق الممتلئ بالعنف وغياب الدين بمعنى الرحمة والانصاف.

اللبنانيون لا يزالون مقتنعين بأن صاروخا ما فجّر المرفأ، ونحن لا نستبعد أن يحدث مثل هذا الهجوم، ولو لم يتطابق مع الأحداث بدقة، وقد كان بعضهم سبّاقين إلى التصفيق لنصرالله يوم أعلن عن قدرته لتهجير المدنيين من حيفا وقتلهم ببرودة أعصاب. لا بل لو كان فعل لكانت الصحف والمظاهرات ملأت الأرض تأييدا. لأن هناك في عالمنا وفي بلادنا، وللأسف، من لا يزال يعبئ النفوس بالحقد ويبني أصرحته عليها، بدون أن يقدّر بأن مثل هذه الأعمال، لا بل الأقوال قد تكون متبادلة، ولا تليق برجل دين ولا بأتباع من يدّعون بأن الله ذكر في كتابه الكريم أن “من قتل نفسا بغير ذنب كأنما قتل الناس أجمعين”.

المشكل عندنا أننا نكيل بمكيالين، والأصعب أن هناك من يحاول إعادة اللبنانيين لعقلية الغزو، عقلية “الجاهلية” كما يسمونها. فثقافة حزبلا هذا ومدارسه وتطبيقاته للدين “الحنيف”، تختلف عن ثقافة الحياة التي يعرفها اللبنانيون بأجمالهم ويعيشونها ويطبعون العالم بها، والتي ظهرت بشكلها الواضح في اندفاع هذا الشعب “العظيم” فعلا لرفع المعاناة عن إخوته المتضررين. فكانت المكانس شعارهم الجديد لرفع غبار الموت عن مدينة الثقافة والحياة، وبث الروح في الأجساد المتهاوية والتي تكاد تلفظ الأنفاس.

قال أحد الاعلاميين العرب أمس أنني ذهلت مجددا من هذا الشعب، فقد خفت وأنا بعيد آلاف الكيلومترات على بيروت، واعتقدت بأن المدينة انتهت. ولكني لما رايت اندفاعة اللبنانيين وبأيديهم المكانس، لا الكلشنكوفات، عرفت بأن هذه المدينة رمز الحياة التي لن تموت، وشعبها هذا جدير بالاحترام، لا بل بالالتفاف حوله، والتعلم منه كيف تبنى الأمم وكيف تستمر الشعوب العظيمة، فتعض على جراحها وتنطلق نحو فجر جديد.

ثقافة نصرالله وحزبه أعاقت تقدم اللبنانيين وتطورهم ومجاراتهم للحضارة، ولو أن الشيعة كانوا من طلائع المثقفين والمفتحين قبل الحرب. فهو وحزبه شدد فقط، وبطلب من معلميه في “الحرس الثوري”، على خلق “مزرعة” لتوليد مقاتلين يدفع بهم حول العالم لتنفيذ مهمات يعتبرها “الولي الفقيه” ومرؤوسيه ضرورية لتحضير عودة “المهدي” المنتظر.

من هنا فقد أعاد، من خلال مدارسه من جهة، وتوزيع الرواتب من جهة أخرى، أعاد الطائفة الشيعية لطور ما قبل لبنان الكبير، اي مجموعة بدون رؤية، لا وطن لها تعمل من أجل تقدمه، بل ترتبط بدولة خارجية بعيدة آلاف الكيلومترات، كما كانت الدولة العثمانية أيام زمان. ولكن يتميز فيها من يتبع المذهب الشيعي بتفوق على الآخرين، فهو المقاتل الوحيد الذي يحق له ما لا يحق لغيره.

من هنا ساد الفساد في مشاريع الانتاج، فشجع في البدء تحطيم الدولة واداراتها، خاصة في التمنّع عن دفع فواتير الكهرباء، ومنها بدأت قصة الكهرباء التي فتحب ابواب الهدر على مصاريعها.

من جهة أخرى علّم جماعته بأنهم فوق القانون، فأصبحت سرقة السيارات تجارة رائجة، والمحميات حول بيروت وفي البقاع مناطق طبيعية ممنوعة على أجهزة الدولة. ولم تبقَ مشاريع التعدي هذه فقط في لبنان فقد توسعت لتشمل شبكات عالمية ايضا لسرقة السيارات زادت ثروة هذه العصابات وفتحت لها بؤرا لخلايا التخريب أيضا.

ثم عادت وبشكل واسع تجارة المخدرات المحمية وتصنيع أنواعها في المختبرات، لا بل مصانع الهيرويين وغيره. وهي تستورد المواد الأولية من إيران وافغانستان، وأحيانا أميركا الجنوبية وغيرها من المصادر المهمة، وتعيد توزيعها بعد التصنيع من خلال شبكات تعمل لكسب المال، وبنفس الوقت خلايا مخابراتية وتخريبية حول العالم.

ودخلت صناعة الكابتاغون ايضا سوق المخدرات المصنعة في لبنان. وكلها تحت غطاء هذا الحزب الذي يدعي بأنه حزب “الله”، عز وجل، ولكنه ليس كذلك ابدا.

انه فقط حزبلا أي الحزب الذي “لا” يعرف الله.

عناصر قوة هذا الحزب إذا هي الجهل والسلاح وكل ما هو محظور وغير شرعي، أي كل ما يضر بالناس.

وقد كان لبنان واللبنانيون استطاعوا خلال مئة سنة من التنظيم في دولة مستقلة تعتبر أن لكل مواطن فيها الحق بالتعلم والتقدم، وبتعدد الفرص، وخاصة الانفتاح على المحيط وعلى دول العالم قاطبة، حيث تفتح المجالات، وذلك بفضل روح الحياد التي تحلى بها هذا البلد من خلال تعدديته وابتعاده عن سياسة الاحلاف، والتعصب لفكرة معينة، والزام المواطنين بخط محدود.

وقد ساهمت هذه بقبول العالم كله بخبرات اللبنانيين، فكان لهم المجال الواسع للتعاون مع كافة المشارب والشعوب بدون عقد، إلى أن جاء هذا الحزب الذي أعاد سيطرته على الفكر الحر والمنفتح، وأغلق الباب على طائفة بكاملها صادر منها الفكر، وصادر منها الرغبة في الانفتاح والتعاون مع الآخرين.

المشكل الذي يعيشه لبنان لا يقتصر فقط على السلاح الغير الشرعي الذي يمتلكه حزبلا، ولكن على تعويد الناس أن يعيشوا بدون نظام وبدون قيم مشتركة وبدون تعاون، وبفوقية غير مقبولة.

فلو تسنى للدولة غدا أن تسيطر على هذا السلاح فإن المشكلة لن تحل بهذه السهولة، لأن من اعتاد على مدّ اليد ليس من السهل أن تمنعه وتجعله يحترم حقوق الآخرين. وقد رايناهم في المظاهرات حين وقف الشعب اللبناني للمطالبة بحقوق للكل ولكنهم أُطلقوا كمجموعة من الوحوش بين الناس لتطويعهم وإخافتهم. ولم يفهم العالم كيف يقف جماعة ضد المطالب التي تعطيهم حقوقهم.

لبنان يمر بايام عصيبة، وذلك لأن ضمير الوطن وضمير المسؤولين فيه قد نام لمدة أربعين سنة، منذ دخول السوريين، وقبلهم جماعة عرفات، ومن ثم حزب أيران، وكل هؤلاء محتلين لا يهمهم سوى اتمام المهمة المطلوبة باستعمال ضعفاء النفوس واستغلالهم من أجل ذلك.

ويوم قبل من يجلس على الكراسي بالصمت مقابل أن يقوم بمشاريعه الخاصة تحت غطاء الموافقة على ما يجري، لم يكن يعلم بأنه يبني لنفسه زنزانة سيقضي بها بقية عمره، ولن ينفعه معها مال ولا جاه نعم به بسبب سكوته عن هذا الوباء الذي يتحكم اليوم بالبلد.

لبنان سيقوم وشعبه لن يتوقف عن تغيير الحالة التي وصل اليها لأنه شعب حي تعود على الحرية وعلى الاتكال فقط على النفس، ومن هنا مقدرته على التكيف مع الظروف. ولكنها اليوم لم تعد ظروف طبيعية. أنها الكارثة، ويجب أن ينهض منها. وقبل كل شيء يجب أن يعرف أين يكمن الداء فيخترع له الدواء ويخلّص أخوته من هذا الذل الذي دفنوا فيه ليقوم من رماده كما في كل مرة.