الكولونيل شربل بركات: فلتكن دماءهم الطاهرة قربانا لبناء لبنان الجديد

392

فلتكن دماءهم الطاهرة قربانا لبناء لبنان الجديد
الكولونيل شربل بركات/15 آب/2020

*اليوم أتحفنا المحللون السياسيون كالعادة، وهم يماشون دوما القاتل ضد القتيل، أتحفونا بمقولة أن العالم يفاوض الإيرانيين لتسليمهم لبنان، ومتى؟ بعد كل ما جرى؟ وهم بواسطة جيش حزبلا الالكتروني وزعوا هذه الأفكار لتصبح “وقائع” في عيون الناس، والأصعب في ذهون المستشارين الجبناء لكل من يدعي الفهم.

*إن العالم يا سادة وقد سئم من تصرفات جماعات الارهاب هذه لن يوافق أبدا على استمرارها، ولو وقف الشعب منذ بداية الثورة في 17 تشرين بشكل واضح ضد هؤلاء لكنا وفرنا ربما نتائج هذا الانفجار.

*وهنا يأتي دور الطابور الخامس من جهة والمدعين المعرفة الذين يحللون على ذوقهم خبرا من هنا واقتراحا من هناك فيبنون عليه مستندين على جبنهم في مواجهة الارهاب ليضيع الهدف فيسقط اي قرار عند المجتمع الدولي الذي وحده يمكن أن يُبنى على مساعدته

*”سيد المقاومة” لم يأبه للبنانيين الساكنين فوق فوهة البركان تلك وهو ورجاله يعبثون بها يمنة ويسرى. ونحن نعرف أن سكان بيروت وغيرها من لبنان ليس لهم أهمية عند السيد وأسياده بقدر التصفيق الذي يبعثه خطابه بين الجماهير.

*لا يا سادة لن يرحل اللبنانيون ولو أنكم أنتم من فجّر هذه القنبلة عن سابق تصور وتصميم. وقد كنتم تريدون تفجيرها إذا ما قام الناس بالتظاهر ضدكم في القت تعلن فيه المحكمة الدولية قرارها، وفي حال تحركت الساحات وقال الناس رايهم فيكم بشكل صريح ومباشر. ولكنكم استعجلتم أو أنكم قصدتم تفجيرها قبل صدور الحكم ليصمت كل الناس الذين قد ينتفضون ضدكم ويذهب وهج التحرك ويلتهي العالم بلملمة نتائج فظائعكم.

***
هل يعقل أن يذهب القتلة بدون عقاب كما في كل مرة؟
لماذا كان على لبنان أن يدفع هذا الكم من الضحايا الأبرياء كلما أراد الشر  أن يتهاون بحياة الناس؟ ولماذا يبقى الكلام دوما والتبجح بالتهديد والوعيد بدون عقاب؟

يوم وقف السيد مخاطبا اللبنانيين في بداية 2016 ومهددا بتفجير مستودعات الأمونيوم في مدينة حيفا، وقد صورها بأنها ستكون اشبه بقنبلة ذرية تقضي على المدينة بمبانيها وسكانها، وهو قدر عدد الضحايا ب800 ألف، لم يفهم اللبنانيون ماهية هذا التهديد وأعتبروه من مستلزمات الخطاب الشعبوي لما يسمى “بالمقاومة”.

ولكن الاسرائيليين الحريصين على حياة مواطنيهم أخذوا الأمر بكل جدية وسارعوا بنقل هذه المستودعات إلى أماكن غير مأهولة. والسؤال كيف اكتشف السيد يومها مفعول هذه المواد؟ وعرف بأنه قادر على تهديد “العدو” بهكذا كارثة؟

تقول معلومات بعض أجهزة الاستخبارات العالمية بأن تقريرا مفصلا بُحث أمام جماعة السيد يومها وكان موضوعه المواد المخزنة في ميناء بيروت وضرورة نقلها لأنها تشكل خطرا على المدينة.

أعجب السيد بالفكرة وسارع إلى تحذير الأسرائيليين عن مفعولها عندهم إذا ما قرر “أحدهم” توجيه صواريخه لهذه المستودعات، وهذه المواد لم تكن موادا بهذا التركيز في مدينة حيفا ولذا فقد تكون خطورتها أخف بكثير مما جرى في بيروت.

ولكن “سيد المقاومة” لم يأبه للبنانيين الساكنين فوق فوهة البركان تلك وهو ورجاله يعبثون بها يمنة ويسرى. ونحن نعرف أن سكان بيروت وغيرها من لبنان ليس لهم أهمية عند السيد وأسياده بقدر التصفيق الذي يبعثه خطابه بين الجماهير.

ولكننا نتسائل كيف لخبراء الجيش اللبناني الذين يتوسم المواطن فيهم كل خير ويتأمل بدعمهم له وحماية البلاد، كيف لهؤلاء (ولا يجوز أن يكونوا لا يعلمون)، أن يمرروا الأمر بهذه البساطة، ويقبلوا بأن تبقى بيروت مهددة بمشروع قنبلة نصف نووية قد يفجّرها اي عابر سبيل. فلبنان، بوجود ما يسمى “مقاومة” تتقاسم الولاء والسلطة فيه (جيش شعب مقاومة)، أصبح مفتوحا لأي عابر سبيل كما كان يوم سطوة عرفات وجماعته في السبعينات. هذا في مجال الخبرات بالمتفجرات وحساسيتها في المكان وطرق التخزين والنقل وغيره.

وهل يجوز لمن اعتُبر قائدا للجيش مرة ومنقذ اللبنانيين و”بي الكل” أن تمر عليه مثل هذه القضية بكل خطورتها، فيرضى بأن تبقى حيث هي، ولو لم يكن بعد رئيسا للبلاد، فالعباد من جماعته يسكنون هناك وليس فقط أعداءه من “اللبنانيين الخونة”.

وتحل الكارثة ويسقط القتلى والجرحى وتتبعثر المباني وأرزاق الناس، ولا من يهتم بأن يفتش عن المسؤول ويطرده من الساحة، بل يدور كل من يدّعي المسؤولية ليضع اللوم على “القضاء والقدر” وتهاون بعض الموظفين الذين لا حيل لهم ولا قوة بشأن قرارات مصيرية كهذه.

ويذكّرنا ذلك بقصة “الحيوانات المرضى بالطاعون” وكيف أُلبس الحمار، الذي أكل قضمة من عشب الدير، المسؤولية عن القصاص الرباني. ولكن البلاد في أزمة جدية هذه المرة والعالم ينتظر من المواطنين الذين أعياهم الوجع أن يثوروا ويعرفوا ماذا يريدون وكيفية المساعدة.

وهنا يأتي دور الطابور الخامس من جهة والمدعين المعرفة الذين يحللون على ذوقهم خبرا من هنا واقتراحا من هناك فيبنون عليه مستندين على جبنهم في مواجهة الارهاب ليضيع الهدف فيسقط اي قرار عند المجتمع الدولي الذي وحده يمكن أن يُبنى على مساعدته.

أميركا وفرنسا تريدان تلزيمنا لإيران مجددا؟ ما هذا الهراء؟ كيف تقرأون الأحداث والسياسة وتتفاعلون مع العالم المتكاتف حولكم، والذي ينتظر منكم أن ترشدوه لما يناسبكم فتطلقون هذه التصورات الخرافية
وتهدمون آمال الناس بحلول مقبولة توقف المعتدي عند حده وتنهي مهزلة المقاومة الكاذبة التي تأكل من جسد لبنان وتسفك دم أبنائه.

رب قائل بأن الطبقة السياسية الحالية وخاصة التي نعمت بالفساد والسيطرة على مقدرات البلاد لا يناسبها أن يكون هناك حكم يمثل الشعب ويحاسب المسؤولين عن مصائبه، ولذا فكلما لاح بصيص أمل أو تحرك المواطنون العاديون، (الذين لا يحركهم عادة سوى رؤية الطريق المسدود الذي يقودهم فيه تجار السياسة فيضطرون للتعبير عن غضبهم واختراع الحلول)، يأتي من يجهض تحركهم ويعيد الناس للتلهي بالمصير والخوف على المستقبل الضائع أو التخطيط للهجرة المدفوعة باليأس.

لا يا سادة لن يرحل اللبنانيون ولو أنكم أنتم من فجّر هذه القنبلة عن سابق تصور وتصميم. وقد كنتم تريدون تفجيرها إذا ما قام الناس بالتظاهر ضدكم في الوقت الذي تعلن فيه المحكمة الدولية قرارها، وفي حال تحركت الساحات وقال الناس رايهم فيكم بشكل صريح ومباشر. ولكنكم استعجلتم أو أنكم قصدتم تفجيرها قبل صدور الحكم ليصمت كل الناس الذين قد ينتفضون ضدكم ويذهب وهج التحرك ويلتهي العالم بلملمة نتائج فظائعكم.

المشكل أن العهر لا يقف عند حد، وبدل أن يخجل من على الكراسي ويدفنون رؤوسهم لكي لا يراهم الناس، هاهم يمانعون أن يجري اي تحقيق له صفة دولية في انفجار نصف نووي قضى حتى الآن على أكثر من 180 قتيل عدى عمن لا يزال مفقودا وجرح فوق 6000 من سكان بيروت وهدم ما كان تراثا لمدينة عريقة أحبها الناس وعاشوا بين افيائها وحلموا بالمستقبل يزين جدرانها التاريخية حيث تهدر الحياة وينطلق الفكر.

وماذا تنتظرون أكثر لكي تخجلوا من أنفسكم وتطلقوا رصاصة الرحمة على رؤوسكم كي لا تعلقوا بحبال المشانق في ساحات بيروت؟

اليوم أتحفنا المحللون السياسيون كالعادة، وهم يماشون دوما القاتل ضد القتيل، أتحفونا بمقولة أن العالم يفاوض الإيرانيين لتسليمهم لبنان، ومتى؟ بعد كل ما جرى؟ وهم بواسطة جيش حزبلا الالكتروني وزعوا هذه الأفكار لتصبح “وقائع” في عيون الناس، والأصعب في ذهون المستشارين الجبناء لكل من يدعي الفهم.

إن العالم يا سادة وقد سئم من تصرفات جماعات الارهاب هذه لن يوافق أبدا على استمرارها، ولو وقف الشعب منذ بداية الثورة في 17 تشرين بشكل واضح ضد هؤلاء لكنا وفرنا ربما نتائج هذا الانفجار.

ولبنان يجب أن يكون يدا واحدة اليوم قبل الغد ويطالب بكل وضوح بتنفيذ القرارات الدولية وعلى راسها 1559 في شقه المتعلق بالسلاح.

وليس لأن الدول الكبرى تريد التخلص من حزبلا بل لأن وجود دولة داخل الدولة تتقاسم السلطة وتغطي الفساد لا يمكن أن يترك أملا للمواطنين بالتخلص من هذا الفساد وقيام دولة طبيعية ومن ثم بلدا مستقرا، سيما وأن العالم بأجمعه بدأ يعتبر هذا الحزب ارهابيا. فكيف يا اصحاب الفهم تريد امريكا وفرنسا والعالم، وبعد ما جرى، تغيير رايهم وإعطاء هؤلاء الارهابيين فرصة أخرى؟

لكل متردد نقول الحق بركب الثورة الحقيقية على الارهاب والفساد اليوم وليس غدا، لأن لبنان لم يعد بقادر على التحمّل وشعبه البطل والواسع الصدر قد سئم التجاذبات والتقسيم واللعب بمصيره.

وإن لم نعي ما يدور حولنا سوف نستفيق عاجلا على شرق أوسط تجاوز خدماتنا، وسئم خلافاتنا، وتركنا نتقاتل في ظل “خطابات البطولة” التي يستفرغها قادم من القرون البعيدة متسلحا بالجهل والحقد الأعمى ونشر ثقافة القتل وسفك الدماء.

فيا ايها اللبنانيون اتحدوا في وجه الشر ولتكن دماء ابنائكم، بالرغم من كل الظلم والهلع الذي عشتموه، حافذا لكم للاصرار على مطلبكم المحق، وساعتئذ لن تكون دماء الأحبة قد ذهبت هدرا وسيقوم لبنان الجديد الذي طالما حلمتم به.

ملاحظة: الصورة المرفقة هي لشباب وشابات من ابناء شعبنا الأبي والحر والبطل يقومون بتنظيف المنطقة المنكوبة.