بارعة الأحمر/بيروت المدمرة تبحث عن كبش المحرقة بين الركام

353

بيروت المدمرة تبحث عن كبش المحرقة بين الركام
بارعة الأحمر/09 آب/2020

يتركّز جهد السلطات اللبنانية على تحديد المسؤولين عن التفجير المروع الذي دمر مرفأ بيروت مساء الثلثاء الماضي، الرابع من آب/أغسطس، واجتاح المدينة متسببا بمئات القتلى وآلاف الجرحى وبخراب مخبف. مجلسُ الوزراء شكل لجنة للتحقيق وأعطاها مهلة أيام، لإنجاز تقرير يوضح الغموض الذي يلف الانفجار الضخم. وبسرعة، بدأ تصويب أصابع الاتهام.

الملفت كان سرعة الاتهامات، علما أن قسمًا كبيرًا من التحقيقات يجري بشكل افتراضي. إذ لا إعلان عن انتشار لفرق المحققين ولا لخبراء المتفجرات في ساحة الجريمة، مع أن الجيش اللبناني كان ضرب طوقًا أمنيًّا منذ اللّحظات الأولى، ومنعَ الناس من الدخول على نطاق واسع، وحتى أنّه منع بعض المسعفين وأهالي المفقودين.

أوّل الداخلين الى “غراوند زيرو”، كانوا عناصر حزب الله، مستخدمين سيارات الإسعاف. رأيتهم بأمّ العين بعدما تمكّنتُ من تجاوز حواجز الجيش بفضل بطاقتي الصحفية واقتربتُ من الحريق قدر الامكان، إلّا أنني فشلتُ في تجاوز الحاجز الأخير المغلق في وجه الجميع.

وتتركز التحقيقات، حتى الساعة، على تقصي المعاملات الإدارية والمراسلات الرسمية، باعتبار أن التراخي والإهمال الوظيفي كانا السبب في تخزين مادة شديدة الانفجار في ميناء بيروت، ما أدّى إلى الانفجار المريع.

لكنّ لجنة التحقيق لم تأت على ذكر “أدلّة حسّية” جنائية استخرجها خبراء التحقيق الجنائي من محيط الانفجار، ولم تتحدث أيّة وسيلة إعلامية عن فريق من خبراء التحقيقات الجنائية أو خبراء المتفجرات يتحرّك على الأرض، لا في الساعات الأولى بعد التفجير أو في اليوم التالي وليس هناك أي إعلان أو إشارة واحدة من المصادر الرسمية، إلى أنّها تعمل على جمع هذه الأدلة الجنائية.

يؤكد الخبراء أنه لا يمكن لمادة “نترات الأمونيوم” أن تنفجر من دون صاعق أو من دون درجة حرارة مرتفعة جدًّا، مما يُلغي فرضية عمّال الصيانة الذين استعملوا النار لتلحيم بعض المواد قبل ساعة من الانفجار. لذا، يطرح المراقبون أسئلة كثيرة حول أسباب تغاضي التحقيق عن البحث عن “الصاعق” والتركيز على اتهام موظفين إداريين خالفوا القانون.

الشعب اللبناني المنكوب منذ أعوام والذي يعاني من انهيار إقتصادي غير مسبوق سببه الفساد السياسي، وجد في نظرية الإهمال ضالته، فاندفع وراءها، ومعه الإعلام، متفائلا بأن تؤدي إلى محاسبة المتنفّذين في الإدارة العامة، المعروفون بتورطهم في ملفات الفساد والرشوة، الذين يعجز القضاء عن محاسبتهم.

إلّا أنّ هذا الانجراف نحو إيجاد “المجرم”، قد يتحول فخًّا، يتيح للسلطة فرصة تقديم كبش محرقة، عبر إنزال القصاص بمجموعة من الموظفين بعد التثبت من إهمالهم لمسؤولياتهم. فتتخلص السلطة من عبء البحث عن الحقيقة وكشف الجهة التي تقف فعليا وراء الكارثة. ويفلت من العقاب المجرم الحقيقي، الذي حول بيروت الى هيروشيما ثانية.

يبدو التحقيق الجنائي إفتراضيا، يدار من وراء المكاتب والشاشات، وتُوهم السلطة اللبنانيين من خلاله بحرصها على المحاسبة، عبر توقيف هذا الموظف أو ذاك. فهل يصبّ هذا التضليل في خانة عزم السلطة على تحييد المسؤوليّة عن حزب الله؟

يربط المراقبون تفجير مرفأ بيروت باستهداف مخازن للذخيرة، وتحديدًا مخازن للصواريخ كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتينياهو أكد عام 2018 من مجلس الأمن الدولي، وجودها في بيروت ونفته وزارة الخارجية اللبنانية في حينه. فهل دمرت اسرائيل صواريخا باليستية مفككة مساء الثلثاء فاشتعلت معها أطنان نيترات الأمونيوم؟ أم أن الدولة اللبنانية لا تملك فعليا أيّ أدلة جنائية من مسرح الجريمة، استولى عليها ربما خبراء حزب الله حين دخلوا موقع التفجير قبل تشكيل لجنة للتحقيق، وهم وحدهم يعرفون الحقيقة ويملكون الدليل.

وتكمن خطورة تضليل الرأي العام، في التستّر على حزب الله وإسرائيل في آن، وتضييق دائرة الاتهام، بإخراج جهتين خطيرتين تهددان وجود لبنان، هما دولة عدوة، وحزب مسلح يمسك بمفاصل الدولة ويتحتفظ لنفسه بقرار توقيت الحروب.

السلطات تبحث عن كبش للمحرقة أما الضحية الفعلية فهي شعب على حافة اليأس وأمهات تدفنَ فلذات أكبادهن دونما ذنب أو سبب.

بيروت مدمرة، من جديد. وجهها المشوه وقلبها النازف يدمي قلوب العالم بأسره. أما حكام لبنان فلديهم حسابات أخرى، ولا تدخل حياة اللبنانيين ضمن مشروعهم السياسي، بالأمس سطوا على أموال الناس واليوم يقتلونهم.

إلا أن هذه الكارثة الإنسانية، يمكن أن تشكّل بداية النهاية لمسلسل الكوارث والجرائم في لبنان، اذا تمّ الكشف، بضغط دولي، عن السبب الحقيقي لانفجار بيروت الهيروشيمي، أو إذا استعادت الانتفاضة أنفاسها من تحت الركام وفرضت تغيير المنظومة الحاكمة والنظام.

وإلا، فهذه حلقة من مسلسل مستمرّ، تزهق فيه أرواح اللبنانيين وتدمّر ممتلكاتهم ويدفعون الى الهجرة، ثم تجد لجان التحقيق كبش محرقة “مناسب” ينتمي الى الحلقة الأضعف، فتحمله الجريمة، ويبقى المجرمون الحقيقيون طليقون لتحقيق طموحاتهم السياسية.

*بارعة الأحمر: باحثة وصحافية لبنانية