الكولونيل شربل بركات/ماذا فجر نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت

936

ماذا فجر نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت؟
الكولونيل شربل بركات/06 آب/2020

لن نستبق التحقيقات التي قد تجري لمعرفة أسباب الكارثة الكبرى التي وقعت في مرفأ بيروت، وتسببت بهذا الكم الهائل من الدمار، واصابت أكثر من خمسة آلاف جريح  وما يزيد عن مئة قتيل حتى الآن عدا المفقودين. ولكننا سنحاول في هذه المقالة تسليط الضوء من الناحية التقنية على امكانيات تفجير المواد التي يقال بأنها كانت مخزنة في العنبر رقم 12 من عنابر مرفأ بيروت.

بداية نود الاشارة بأن رئيس وزراء إسرائيل السيد نتانياهو وفي كلمته أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة سنة 2018 أشار إلى وجود مصنع لتطوير الصواريخ الدقيقة قرب مطار بيروت حيث حدد ثلاث نقاط على صورة جوية حول المطار. وكان جواب وزير الخارجية اللبنانية يومها أن زار الموقع وعرض بعض الصور التي تظهر عدم وجود صواريخ فيه.

وهكذا اكتفت الحكومة اللبنانية يومها بالسخرية من معلومات السيد نتانياهو. ويحاول البعض على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم القول بأن نتانياهو تكلم ايضا على العنبر 12 في المرفأ.

ومع أن هذا الكلام غير دقيق، ولا يظهر في ذلك الخطاب اي إشارة للمرفأ، إنما يجدر بمن يدّعي المسؤولية عن المرفأ من السلطات اللبنانية، وأهمها الجيش ومخابراته، وقوى الأمن الداخلي بكافة فروعها، والأمن القومي والأمن العام وغيرها من أجهزة الدولة، ومن ثم الجمارك المسؤولة مبدئيا عن كل ما يدخل ويخرج من المرفأ، يجدر بهؤلاء التحقق من أن لديهم المعلومات الكافية عن شحنات المتفجرات التي تدخل وتخرج من المرفأ إلى لبنان أو منه إلى بقية أنحاء العالم. كما يجدر بهم التأكد من معلوماتهم حول محتوى العنبر 12 والذي بدأت الانفجارات داخله.

وكما يظهرفي افلام الفيديو التي توزعت على كل العالم فقد بدأ الانفجار الأول الذي كان صغيرا نسبيا ولكنه مع ذلك دفع ببعض الأجزاء من المبنى للتطاير، وقد صدرت عنه كمية كبيرة وكثيفة من الدخان الأبيض، جعلت المهتمين باي حدث غريب أن يبدأوا التصوير. وقد التقطت صور من كافة الجهات وحتى من البحر.

وبعد مرور أكثر من ثلاثين ثانية أظهرت هذه الصور خلالها نوعا من التفجيرات المتتالية على طول العنبر المذكور، وكانت تبدو كأنها تفجير صناديق ذخيرة، انتهت بذلك الانفجار الكبير الذي ظهر ككتلة كروية من الغيم الأبيض ما لبثت أن تحولت في ارتفاعها إلى شكل الفطر كدليل على قوة الانفجار الذي انقشع عن عامود من اللهب والدخان الأحمر (ما يدل على أن الانفجار ناتج عن نيترات الأمونيوم).

وقد أحدث بالطبع موجة صدم كبيرة هدمت الأبنية المحيطة ووصل تأثيرها إلى مسافات بعيدة شعر فيها المواطنون في كل المناطق المحيطة ببيروت ووصل الصوت حتى جزيرة قبرص. وقد سجل مؤشر الزلازل في الأردن قوتها ب4،5 درجات على سلم ريختر للهزات الأرضية.

تقول السلطات اللبنانية بأن كمية كبيرة من مواد متفجرة (نيترات الأمونيوم) كانت قد صودرت من إحدى البواخر في سنة 2014 وأودعت في العنبر رقم 12 بانتظار البت بأمرها.

وقد تداول الخبراء والمحللون هذا الموضوع في وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي اتصال معه عبر محطة ام تي في رأى العميد حطيط بأن هذه المادة قد تشتعل في حال لم تحفظ بشكل جيد. ولكن ما فات العميد المذكور بأنه حتى ولو اشتعلت هذه المواد فهي لا تنفجر، وهذه معلومة بسيطة نعرف أنه تعلمها في مادة كيمياء المتفجرات Chimie Explosive التي يدرسها تلامذة المدرسة الحربية عادة. فمن المعروف بأن أنواع المتفجرات هذه لا تنفجر بدون موجة صعق تنتج إما عن صاعق متفجر أو انفجار كبير قريب منها يشكل موجة صدم قوية تؤدي إلى تفجيرها.

وفي تحليل خبراء آخرين مثل العميد قهوجي أو العميد قطيشة ظهرت نظرية التفجير بواسطة صواريخ أطلقت على العنبر المذكور. وهنا كان سماع البعض لأصوات طيران سبق الانفجار لتدعم هذه النظرية، مع أن العميد قطيشة استبعد أن تكون الطائرات قد اقتربت فوق بيروت معتقدا بأن استهداف العنبر جاء بواسطة صاروخ مجنح قادر على اصابة الهدف بدقة، وأن الصوت الذي سمع هو صوت الصاروخ نفسه. ولكن تحليله عن الانفجارين لا يبدو مطابقا لما حدث كونه قد لا يكون درس الفيديوهات بشكل دقيق. فهو يقول بأن الصوت الأول كان صوت انفجار الصاروخ والثاني هو لانفجار المواد المستهدفة. ولكن الوقت بين الانفجار الأول والثاني بلغ أكثر من 30 ثانية وهو وقت كبير بين انفجار الصاروخ والمواد المستهدفة، وقد يكون الصاروخ أخطأ المواد المتفجرة وأصاب المستودع الذي يحوي ذخائر(وهذا يعني أن المواد المتفجرة مفصولة عن العنبر).

وهنا أيضا لا يمكن أن ينفجر صاروخ في مستودع للذخائر ويصدر الدخان الأبيض الكثيف مع ما تطاير معه في الهواء بدون أن يفجر هذه الذخائر فورا. لأن موجة الصدم الناتجة عن الصاروخ ستؤدي لتفجير كل الذخائر دفعة واحدة، إلا إذا كان حزب الله أو الدولة اعتمدوا هذا العنبر كمخزن دائم للذخيرة وجهزوه بعوازل بين مجموعات صناديق الذخيرة كافية لتمنع امتداد التفجير بين أقسامه، وعندها لما كانت الانفجارات في هذه الذخيرة انتقلت داخل العنبر من اليمين إلى اليسار بشكل واضح.

إذا ماذا حدث فعلا؟
لا يمكن التكهن بالتفاصيل بدون جمع كافة المعلومات عن الموضوع. ولكن مع أننا لا نستبعد فرضية أن تكون قوات معادية لحزب الله قد فجرت هذا المستودع إذا كان الحزب يستعمله لشحن واستيراد المواد المتفجرة.

فهناك عدة طرق قد تكون ادت لحدوث هكذا تفجير منها مثلا زرع عبوة داخل المخزن وهذا أمر قد يحدث بين القوى المتحاربة، أو حدوث خطأ فني أثناء القيام بتحهيز عبوة أو نقل مواد متفجرة حيث حدث خلل في جهاز تفجيرها، وهذه معرضة لأن تحدث في القذائف أو الصواريخ.

وعندها يمكن تفهم ألا تنفجر هذه الذخائر دفعة واحدة لأن موجة الصدم غير كافية، ولكنها بعد أن تتالت التفجيرات وتكاثرت قد تكون وصلت إلى قرب مخزون نيترات الأمونيوم ما جعلها تنفجر.

الموضوع المهم والذي يتسائل عنه المواطنون أيضا هو لماذا بقيت هذه المواد القابلة للتفجير في مرفأ بيروت لمدة ست سنوات؟

ولماذا لم يتم بيعها أو إعادة تصديرها أو تسليمها للجيش للقيام بحفظها بشكل آمن بعيدا عن عنابر المرفأ؟

ولكن عندما نعرف بأن المعلومات التي وردت عن عناصر الحزب الذين أوقفوا في عدة بلدان وضبطت معهم كميات من هذه المواد المتفجرة، اي نيترات الأمونيوم، ومثالا على ذلك خلية الكويت التي ضبط معها حوالي 19 طن من هذه المواد، وخلية بوليفيا حيث ضبط ايضا حوالي 2 طن ونصف، وفي المانيا مؤخرا حيث ضبطت أيضا بعض هذه المواد مخزنة لصالح أعضاء في هذا الحزب، كما وفي الفليبين وبريطانيا وغيرها من الدول.

وهنا قد يكون الحزب الذي يسيطر على أجزاء كثيرة من مرفأ بيروت سيطر ايضا على هذه الشحنة ومنع التخلص منها لكي يستعملها في تجهيز بعض خلاياه، حيث يسهل تحميلها ضمن بضائع متجهة إلى مرافئ في دول مختلفة من العالم. وعندها يمكن تفهم سكوت أجهزة الدولة عن الموضوع كل هذه المدة.

في كل الحالات إن هذا الانفجار ونتائجه يجب أن يفهموا المواطنين بأن مرتزقة إيران هؤلاء لا يهمهم مصير الشعب اللبناني بكل فئاته، لأننا قد نستفيق على تفجير مخازن صواريخ أو قذائف وضعت بين البيوت في المدن والقرى حول لبنان بأكمله، وهي تهدد أمن المواطنين وحياتهم وأرزاقهم. والذي حصل في بيروت قد يحصل في اي مكان. فقد تستهدفها إسرائيل بدون سبب كإجراء وقائي قبل أن يحاول الحزب استعمالها.

من هنا خوفنا على لبنان من هذا السلاح الغير المسؤول والذي يضر بيئته أكثر من ضرره للعدو. ولكن لا سلطة في لبنان قادرة على أن تواجه هذا الحزب خوفا أو طمعا.

فهو يغطي مجموعة الفاسدين الذين أوصلوا البلاد إلى الدرك الذي تعيش فيه من جهة، وقد تعايشت من جهة أخرى بقية المجموعات مع الأمر الواقع وسكتت على الوضع.

ولذا فإن على شعوب العالم الحر وخاصة الأمم المتحدة استباق الاضرار التي ستحدثها مغامرات هذا الحزب وأوامر أسياده، وذلك بتنفيذ القرارات الدولية فيما يتعلق بكل سلاح لا يخضع لسلطة الدولة، ولو اضطر المجتمع الدولي لوضع لبنان بكامله تحت البند السابع، لأن حماية الناس وحياتهم أهم من نظريات هؤلاء المرتزقة والمغامرين بارواح الناس وأرزاقهم.

BBC/Youtube showing the explsion/فيديو للإنفجار من ال بي بي سي/اضغط هنا

The Guardian/Youtube showing the explsion/فيديو للإنفجار من الغاردين/اضغط هنا

sky newsYoutube showing the explsion/فيديو للإنفجار من سكاي نيوز/اضغط هنا

CNN Youtube showing the explsion/فيديو للإنفجار من سي ان ان/اضغط هنا