يوسف بزي/السحسوح والبذاءة وأشرف الناس

83

السحسوح والبذاءة وأشرف الناس
يوسف بزي/المدن/30 تموز/2020

كل مواطن يظن نفسه موفور الكرامة، عليه أن يتخلى عن هذا الظن. عليه أن يدرك أنه مهان ومحتقر وممعوس. عليه أن يعرف يقيناً أنه ملطخ بالعار والمذلة، في كل ساعة، عند كل تصريح سياسي، قبل انعقاد أي اجتماع وبعد صدور أي بيان، في كل مقابلة تلفزيونية مع أي واحد من الأنذال الذين يحكمونه، الذين “يشبهونه” ويشبههم، حتى لو أراد غير ذلك، وينتخبهم و”يموت فداء لصرمايتهم”.

على أي مواطن أن يدرك أنه ذليل حتى قبل أن يستيقظ، وفي ساعات النهار والليل، وفي كل لحظة يقدم فيها “باسبوره” في أي مكان من العالم. فكل لبناني بنظر الآخرين هو على شاكلة أخبار دولته المتحللة وصور بلاده المنهارة، وحوادثها المشينة: فاسد وفاشل ومتخلف ومفلس وطائفي وعنصري ومافياوي وكاذب ومتحذلق و”ممانع” وميليشياوي ومرتزق.. كل الصفات الرديئة والمعيبة، وقد أُلصقت به.

الرواية الواردة أدناه هي مثال يومي مستمر منذ عقود، تقول بوضوح من نحن، وما هو هذا البلد، وسياسته وديبلوماسيته وسياسيوه و”شخصياته” وأحزابه ورؤساؤه ووزراؤه ونوابه، و”نخبته” (الحثالة الصافية) وقادته وزعماؤه، و”مقاومته” وحكومته وموظفوه الكبار والصغار، وتلفزيوناته ونجومه وإعلاميوه، وخبراؤه ورؤساء بلدياته وسفراؤه، وجيش موتوسيكلاته، وشبيحته ورجال أمنه وقضاته ومستشاروه، ومدراء مصارفه… (وأضيفوا ما ومن شئتم).

الرواية المعلنة والمصورة تقول لنا بنقاء تام ما هو لبنان اليوم. ومن هم هؤلاء الذين يصنعون قدره وحاضره ومستقبله. هؤلاء هم التجسيد النقي لما يسمى “الانحطاط” بأشنع معانيه.

تبدأ الرواية حرفياً، كالتالي (أنظر الفيديو أيضاً): رد مصدر في وزارة الداخلية والبلديات على كلام رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب بالقول: “كفى بطولات وهمية على التلفزيونات والمقابلات فمرسوم الحلبي وقع من قبل وزير المال وهو في السراي ووهاب يمسح تغريداته دائماً بعد السحسوح”.

فرد وهاب بدوره، مباشرة على الهواء قائلاً: “لما تبطّل تتواسط عند وفيق صفا معي بيبقى بحقلك تحكي، عرفت ليش سحبت تغريداتي؟”. وقال وهاب: “توقف تترجى وفيق صفا لإسحب تغريداتي، واحد متلك بياكل سحسوح وأوعى تفكر ما كنت أعرف علاقتك برستم غزالي كيف كانت. كان قدامي يعملك السحسوح، أوعى شي مرة تتطاول عليي، انتبه لحالك”.

وكان وهاب توجه إلى فهمي خلال مقابلة ضمن برنامج “نهاركم سعيد” عبر الـLBCI بالقول: “بدك تعمل زلمي بتكفي زلمي”. وأضاف: “صغت مرسوم تعيين ماهر الحلبي قائداً للشرطة القضائية ولا يجوز أن تذهب بالليالي وتطلب من وزير المالية غازي وزني تأخير المرسوم، فهذا عمل وطاويط” (انتهت الرواية).

بداية، السحسوح. واحد من أهم الإنجازات الأخلاقية السياسية والأمنية التي كرستها الممانعة و”مقاومتها” في الحياة اللبنانية. نمط علاقات اجتماعية بين أي لبناني وآخر، يقسم الناس بين فاعل ومفعول به.

ذروة الثقافة الميليشياوية في ممارسة العنف المضبوط: قطيع من الضباع ينقضون على مواطن قال تعبيراً أو فعل أمراً لم يرق للحزب أو للحركة أو للتيار. مواطن غير ممتثل يستحق التأديب الفوري بالأذى الجسدي والخطف والترويع.. وصولاً إلى السحق.

السحسوح هو الناظم العام للسياسة اللبنانية. الترجمة المستمرة لقاموس “سنقطع يد..” و”دام رعبك” و”تحسسوا رقابكم”. هو الأرث “العظيم” للمعاشرة الوضيعة بين جيش الأسد ومخابراته وميليشيات وسياسيي الحرب الأهلية وزمن الاحتلال الأسدي و”مدرسة” عنجر.

ففي تلك المدرسة تخرّج القادة العروبيون والوطنيون والمقاومون والممانعون و”ممثلو الشعب” ومشاهير الإعلام والصحافة والمحللون الاستراتيجيون والمقاولون والقادة وكل من يمت للسلطة بصلة. ومن لم يمرّ فيها اقتدى بها وتشبّه.

والدرس الذي يتلقاه زوار ومداومو تلك المدرسة هو على مثال تلك الواقعة، حين قال غازي كنعان لأحد النواب اللبنانيين: “وطّي راسك تشوف.. صابغ شعرك بلون صباطي”، ليقهقه. فيسايره النائب قهقهة طنّانة رنّانة.

وفيما بعد صار الصباط (أو البوط العسكري) يوضع على الرؤوس تمجيداً واحتفاءً به، رمزاً للكرامة الممانِعة وسلاحاً أسدياً يستعمل ضد مئات آلاف المتظاهرين السوريين، قبل أن “يرتقي” الصباط إلى برميل متفجر.

السحسوح اللبناني كان مساره مختلفاً، ويمكن تأريخ ابتدائه العلني وطغيانه على حياتنا منذ الساعة الواحدة ظهر 14 شباط 2005.

سحسوح قاتل، كـ”درس” عمومي وشامل لمن يرفض الامتثال. واستمر اغتيالاً وتفجيراً ورصاصاً وترهيباً. ثم أتى سحسوح بحجم بيروت والجبل في أيار 2008، تلته “سحاسيح” لا تعد ولا تحصى. ثم تحول إلى “جواب نهائي” رداً على شعب 17 تشرين. صار هو السياسة كلها والأخلاق والقانون والحكم الفيصل بين أي مواطن وآخر.

هو ليس عراكاً أو تضارباً. هو فقط فعل إذلال وغالباً مصور ومشهود. اعتداء علني لا يخلو من تلذذ بإنزال المهانة. ممارسة “سياسية” كرستها الممانعة السورية اللبنانية وحزبها الانتصاري المسلح ومنظومة 8 آذار بشبيحتها (ونشرت عدواها على الآخرين أيضاً).

فدخلت اللغة المتداولة كتعبير يومي ومصطلح سائد يترجم تحويل اللبنانيين (أو البشر) إلى غالب متسلط عنيف ومغلوب مذلول مهان. تكريس القوة العارية قانوناً يسحل الكرامة الفردية والعامة.

في رواية وهاب – فهمي، يظهر وفيق صفا (رئيس وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله) وريثاً لرستم غزالي، طالما أن وزير الداخلية – بكامل قدره – “يترجاه”. ولذا، يتفاخر وهاب إزاء وزير الداخلية (الضابط الأمني “المرموق”، وحارس المصارف)، بأنه تحاشى السحسوح وامتثل لـ”تمنيات” صفا، وحذف تغريداته..

هذا، والمهزلة ليست هنا فقط، على أي حال. فالرواية تكشف على نحو فظيع واحدة من أهم الأعراف القذرة التي تهيمن على لبنان: كيف يتم تعيين فلان في منصب رسمي، أو عرقلته.

بل أن “العراك” العلني بلغته السوقية بين وزير سابق ووزير حالي، يدلنا على أساليب الترقي الوظيفي وألاعيب ما يسمى بـ”المحاصصة”، وكيفية الاستتباع، وعلى أي شروط تقوم الزبائنية، وأي نمط منحط من المافياوية يهيمن على دوائر الدولة ومناصبها، على نحو لا يشبه إلا الدولة “البعثية” السورية.

خليط من البذاءة والفظاظة والنذالة وأعمال العصابات وثقافة السحسوح هي “الإدارة” التي تولت اقتصادنا وكهرباءنا ونفطنا وأمننا وكرامتنا وسياستنا وانتصاراتنا ومصارفنا وقضاءنا وتجارتنا وبنيتنا التحتية وزراعتنا وطعامنا ومستودعات دجاجنا العفن.. نحن “أشرف الناس”.