الكولونيل شربل/حزبالا وقدرة البيئة الحاضنة على التحمل

408

حزبالا وقدرة البيئة الحاضنة على التحمل
الكولونيل شربل/27 تموز/2020

استطاع حزبالا خلال تاريخه “النضالي” أن يفرض سيطرته على جزء كبير من الطائفة الشيعية. وقد فعل ذلك بمساندة دمشق وجيشها المحتل للبنان من جهة، واسرائيل وسيطرتها على المنطقة الحدودية من جهة أخرى، بينما كانت إيران تدفع بسموم الحقد و”التفقيه” لتجعل لفقراء الشيعة قضية يموتون من أجلها متكلين على “مفاتيح الجنة” وأموال النفط الإيراني، الذي يستعمل من أجل تحضير أرض الشرق الأوسط لبسط نفوذ الأمبراطورية الفارسية عليه.

كانت سوريا، وخاصة نظام الأسد فيها، ولا تزال، تريد جماعة لبنانية تستعملها من أجل فرض سيطرتها على لبنان ومن ثم دول “الحلم البعثي” أي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق.

وكان توأمها في العراق، نظام صدام حسين، يحاول نفس الشيء. ولكن الفرق أن صدام كان مرتاحا ماديا، بينما لم يكن الأسد كذلك.

فالعراق بلد غني بنفطه وأراضيه الزراعية ومياهه، وهو قادر على اطعام الشرق الأوسط كله وتمويله، إذا ما اضطر، من هنا طمع كل البعثيين فيه.

ولكنه بنفس الوقت كان يخاف من عدم التوازن الداخلي، لأن الشعب العراقي كان منقسما في جهتين طائفية وأثنية. فمن جهة كان الشيعة يشكلون أكثر من نصف السكان ويشعرون بأنهم مهمشين حتى من البعث العلماني، مبدئيا.

بينما كان الأكراد يشعرون بأن الأكثرية العربية لم تعترف لهم بأبسط حقوقهم الطبيعية، وهي اللغة والقومية.

ولم يكن المسيحيون من آشوريين وكلدان وغيرهم بأحسن حال من الأكراد أو الشيعة، ولا بالطبع بقية الأقليات. ولكن هؤلاء لم يستفذهم سيطرة السنة العرب على الدولة طالما تمتعت هذه الدولة بثروة كافية لتقوم بخدمات يتمنى مثلها كثيرون، خاصة في البلاد المجاورة.

الأسد كان يريد أن يخلق في لبنان قوة مساندة لنظامه العلوي تختلف في تطلعاتها عن الأكثرية السنية التي تخيفه في سوريا. وهو بنفس الوقت كان يخاف من نظام توأمه في العراق لأنه نظام يقوم على السنة العرب ويعتمد نفس شعاراته الرنانة بالنسبة للمنطقة كلها.

من هنا كان تطلع نظام الأسد صوب طهران. ويوم انتصرت ثورة الخميني في ايران وقررت تصدير الثورة إلى الأقليم، كان جزءً كبيرا من حلم الأسد يتحقق، بأن تقوم دولة غنية وجارة بتصدير ثورة ضد السنة في المحيط، ما يؤمن له غطاءً كبيرا يقدر بواسطته أن يناور ردحا من الزمن يستمر فيه بالسيطرة داخل سوريا، وبنفس الوقت بابتزاز أغنياء العرب ما أمكن.

من هنا الجو الملائم لقيام حزب الله الذي كان شيئا غير طبيعي في البيئة اللبنانية يومها. ولكن أموال إيران من جهة، وتطلعات النظام السوري من جهة ثانية، إضافة إلى رؤية اسرائيلية تقوم على شرذمة جبهة العدو الشمالية والتي تشمل سوريا ولبنان والعراق، طالما تأمنت الجبهتان الشرقية والجنوبية بواسطة أتفاقيات سلام بينها وبين مصر والأردن.

وقد كان الأسرائيلي تحرر من التزاماته تجاه لبنان يوم قرر الرئيس الجميل عدم ابرام اتفاق السابع عشر من ايار، فأصبح بذلك ترك لبنان يسقط بيد سوريا وإيران قضية زمن ليس إلا.

ولذا فقد كان شعار حزب الله “تحرير الجنوب” هو ما يعطي عملاء أيران وسوريا هؤلاء مصداقية لدى الطائفة الشيعية أولا، وهي كانت تعتبر أكثر الطوائف استعدادا للعلمنة والانفتاح بوجود عدد كبير من المثقفين اليساريين بين أبنائها وقياداتها.

وقد قام حزبالا منذ نشأته بالاستفراد بموضوع تحرير الجنوب ولم يسمح لأحد بمشاركته هذا “الشرف”.

وكانت اسرائيل تركته يتدرب على القتال بهجماته ضد مواقع جيش لبنان الجنوبي (فهو لم يهاجم اي موقع اسرائيلي داخل لبنان طيلة 18 سنة من ادعائه قتال اسرائيل).

ومن أهم مراحل تضخيم قدرة حزبالا من قبل اسرائيل عمليتا “عناقيد الغضب” و”الحساب” اللتان جرتا في التسعينات وكان الاسرائيليون فيهما يطلقون القذائف ولا يريدون اصابات، فإذاعة “صوت الجنوب” كانت تنبه المواطنين في الطرف الآخر عن موعد القصف لكي يرحلوا أو يختبئوا.

وما جرى في قانا كان قمة تواطؤ الحزب لاحداث مجزرة يتم له من خلالها قطف مكسب اعلامي كبير. فيومها التجأ المواطنون من أهالي قانا إلى مركز الطوارئ الدولية في البلدة، ولما لم يكن لهؤلاء ملاجئ تكفي لكل البلدة فقد وضع الأهالي في المطعم التابع للقوة الدولية، وهو من الخشب وسقفه من “الواح الزنكو”، أي أنه لا يحمي من اي قذيفة قد تقع بالقرب منه. وقام الحزب بنصب صواريخه بالقرب من مركز الطوارئ وقصف بقصد رد الاسرائيليين ووقوع كارثة.

ولكن الاسرائيليين اعلموا الأمم المتحدة بضرورة وقف هذا القصف من قرب المركز الدولي وإلا سيستهدف. وحاول الفيجيون إقناع جماعة الحزب بتغيير موقعهم لئلا يعرضوا المواطنين للخطر، ولكن الحزب طرد الفجيين ما اضطر هؤلاء للدفاع عن أنفسهم حيث سقط منهم جريحا. فما كان من قائد الكتيبة الفيجية إلا أن أمر عناصره، عندما يقصف الحزب، أن يدخلوا إلى الملاجئ ولا يهتموا بمصير السكان. وهكذا، فعندما وقع القصف وسقطت قذيفة اسرائيلية بالقرب من المطبخ، انفجرت معها اسطوانات الغاز، ما أدى إلى مقتل كل من كان في المطعم ولم ينجو من الحادث إلا عناصر القوات الدولية الذين كانوا قد دخلوا الملجأ فور اطلاق الحزب لقذائفه.

بالطبع كانت هذه فرصة الحزب لكي يظهر بأن اسرائيل تعتدي على السكان. ولم تدافع اسرائيل عن نفسها، ولا قام مكتب الأمم المتحدة الاعلامي بشرح الوقائع، لأن الكل كان يريد وقف القتال والخروج بمخرج ما يقبل به الحزب المعتدي والفاجر، والذي يغطيه الاحتلال السوري، ويصمت رئيس الوزراء اللبناني بدوره وقد قبل، ليس فقط بمقتل المدنيين اللبنانيين بدون ثمن، بل ايضا بتنازل الدولة للحزب وسوريا للتفاوض مع الاسرائيليين حول انهاء المشكل.

فكان ذلك الاتفاق الذي قال عنه العماد عون يومها بأنه “اتفاق يسمح للحزب بقتل ابناء الجنوب دون أن يمس بالاسرائيليين”.

وهنا كانت بعض الهبات من العرب ومن إيران لترفع من شأن حزبالا وتسكت اللبنانيين، بمن فيهم أهل الضحايا أي أبناء الجنوب، وعلى راسهم الرئيس بري.

ثم خرجت اسرائيل سنة 2000 وكان من البديهي أن يوقف الحزب نشاطاته العسكرية ويتوجه إلى المجال السياسي والمدني مع كل تلك المكاسب.

فهو لم ينفذ ما قاله اتفاق الطائف بالنسبة لكل المليشيات وتسليم اسلحتهم إلى الدولة وحل الجانب العسكري من الاحزاب.

وقد جاء الوقت لكي يتم استيعاب هذا الحزب ضمن الدولة. لكنه والسوريين، الذين كان لهم مشاريع مختلفة ظهرت على الساحة سنة 2012 بدخوله المعركة إلى جانب النظام، لم يقبلا ذلك.

فاخترع قصة مزارع شبعا لتكون كقميص عثمان يختبئ خلفها ليبقى على تميزه بامتلاك السلاح وفرض رأيه لاحقا بكل قرارات الدولة ومصير سكانها.

كان على دول العالم الحر، التي تعتبر لبنان دولة مهمة من دول المنطقة، لانفتاحها ونظامها الديمقراطي، وتوزُع أبنائها في دول العالم، وتخالطهم مع كل الاجناس والشعوب، وكأنهم بذلك يشكلون مختبرا مهما للعلاقات بين الشعوب في العالم أجمع، من هنا اهتمام العالم بخلاص لبنان، كان عليها إذا اتخاذ قرار لمساعدة لبنان.

ولذا فقد استجيب طلب المنظمات الاغترابية اللبنانية يومها بفرض قرار دولي يطلب انسحاب السوريين وتحرير لبنان من هيمنة السلاح الغير شرعي، وعلى راسه سلاح حزب الله والسلاح الفلسطيني (الذي قال الرئيس عباس بعدها بأنه يضعه بتصرف الدولة)، وكافة المعسكرات السورية في الناعمة وقوسايا وغيرها والتي تحوي مسلحين مستقلين عن ارادة السلطة اللبنانية يمكنهم ساعة يشاؤوا خلق مشكلة أمنية تحت أية ظروف.

وهكذا فقد صدر القرار 1559 والذي نفذ منه الجزء المتعلق بانسحاب الجيش السوري. وقد قام بعض قصيري النظر من الزعماء اللبنانيين بالتعهد بتنفيذه داخليا.

وجاءت حملة الاغتيالات ومن ثم حرب “لوكنت أعلم”، التي أظهرت حقيقة هذا الحزب الذي لا يهمه مصير اللبنانيين، ولا يأتمر إلا بأوامر سيده الإيراني، والتي كلفت لبنان وأبنائه، خاصة الشيعة، أكثر من الفي قتيل، ودمار شامل للكثير من القرى والبنى التحتية.

ولكن العرب والعالم قرروا دعم لبنان للقيام من محنته. إلا أن الحكم الجبان لم يقبل بوضع القرار 1701 تحت البند السابع، كونه كان يصبو إلى الاستفادة من الأموال التي ستتبرع بها الدول لاعادة بناء لبنان، ولا يريد أن تكون هذه تحت اشراف الأمم المتحدة. ما أدى إلى ضياع هذه الفرصة وسقوط الحكم في “اليوم المجيد” الذي أعاد الحزب فيه سيطرته على البلد والحكم.

ما يهمنا هنا هو البيئة الحاضنة التي تكبدت الخسائر البشرية ولكنها تجاوزتها بسبب المال “الحلال” الذي أغدق عليها لتنسى المآسي وتفرح “بالنصر الالاهي” ومكاسبه.

ولكن لم يقبل كل الشيعة بالوضع المذري الذي أوصلهم إليه الحزب، وحاول الكثيرون الكلام والاعتراض، لكن السلطة الفاسدة لم تقبل بوجوه جديدة على الساحة. وفضلت التعامل مع من يعرفها وتعرفه ليتم التستر وتكملة اللعبة بشكلها المستمر.

وبما أن بيئته الحاضنة، كما يسميها، مهمة لديه، خاصة بعد أن ذهب للقتال في سوريا وصارت جثث القتلى تعود محملة إلى الأهل بدون سبب، صارت كل كلمة من الداخل تؤذي.

ولذا فقد اضطر أن يهاجم مفتي صور في مركز عمله ويطرده، وهو العلامة المعروف. والأنكى أن الحكم الذي يدّعي العداوة مع الحزب، قطع معاش “السيد علي الأمين”، بطلب من الحزب، وقبل بالدفع لمن عين مكانه.

ولما انتقل الفرس إلى مرحلة الهجوم في بلاد العرب، كان على الحزب أن يجاريهم. فهو جزء من الحرس الثوري، “ورواتبه وأسلحته وتموينه وأوامره من الولي الفقيه” كما قالها زعيمه بالفم الملآن.

ولذا فقد غضب العرب الذين طالما ضحكت عليهم مجموعة الفساد التي تفسر مواقف الحزب عندهم بأنها من الضرورات، طالما يغدق هو واسياده المال على الكل بالطريقة اللبنانية.

فقام العرب بطرد بعض اللبنانيين من البيئة الحاضنة لكي يفهموا بأن لكل موقف تداعيات. ولكن القضية، وكي لا تأخذ حجمها المطلوب، لفلفت لا بل أخفيت ولم يتم تداولها.

وكما جرى في قضية “طائرة البنين” التي راح ضحيتها الكثير من أبناء هذه “البيئة الحاضنة” ومن ثم هرب المسؤول عن الحادث بدون اي ملاحقة أو عقاب، فإن كثير من الأمور جرت لتزيد التضييق على أبناء الطائفة الشيعية لكي يقبلوا فقط بما يسمح به الحزب. وكلما زادت قبضته على أبناء طائفته، نعرف بأنه محشور ولم يعد بقادر على المناورة وشراء الذمم.

ما نخافه على شركائنا بالوطن وأحبائنا من أبناء “البيئة الحاضنة” أن يستعملهم الحزب كوقود جديد في حربه المطلوبة من الأسياد.

فالكل بات يعرف بأن تهديدات اسرائيل تزيد، وعقوبات الولايات المتحدة تكبر، والمواجهة بين إيران وهؤلاء قد تحدث في اي وقت.

فهل يكون أبناء الطائفة الشيعية وقودا لها هذه المرة أيضا؟ ومن سيدفع لهؤلاء، الذين اصبحوا كبقية اللبنانيين فقراء بالفعل، إذا ما أصبحوا بدون بيوت؟ والعرب لن يسهموا باي إعمار. وإيران تكاد أن تختنق بالعقوبات. والأسد أختنق منذ زمن.

فعلى من الاتكال؟ وإذا كانت صواريخ الحزب هي لتوازن الرعب، كما يقول “السيد البطل”، فهل يمكن أن تصبح هي قاتلة الأهل يوم تنفجر في مخازنها بين البيوت والأحياء السكنية؟ وأين سيهرب الشيعة الذين لم يتركوا لهم صديقا في الجوار إن في الداخل أو في الخارج؟

أبعد الله الأفكار السيئة وألهم الكل الاتزان والتبصر فالآتي أصعب، وعلينا أن نعرف أن الشعارات والبطولات الفارغة لم تطعم رغيفا في فنزيلا أغنى بلدان النفط، ولا في إيران، فكيف لنا نحن اللبنانيين، والوضع معروف، أن نتبجح وندخل في نفق أقل ما يقال فيه بأن الكل ينتظرنا ليشمت بنا يوم ندخله…