البطريرك الراعي: تأييد واسع لطرح الحياد واسترداد السيادة وللعمل معا على إنهاض لبنان عبر مكافحة الفساد وإجراء الاصلاحات بدءا بالكهرباء/المطران الياس عوده: محزن ما سمعناه من أحد المسؤولين الذي نصحنا بمساعدة أنفسنا كي يساعدنا الآخرون اللغة العدائية مرفوضة ومطلوب من حكامنا التقليل من الكلام والنظريات، وعوض البكاء على ما وصلنا إليه، الإنصراف إلى العمل الدؤوب، والبدء بسلسلة إصلاحات تطمئن الشعب وتعيد ثقة الداخل والخارج بلبنان.

58

المطران الياس عوده: محزن ما سمعناه من أحد المسؤولين الذي نصحنا بمساعدة أنفسنا كي يساعدنا الآخرون اللغة العدائية مرفوضة ومطلوب من حكامنا التقليل من الكلام والنظريات، وعوض البكاء على ما وصلنا إليه، الإنصراف إلى العمل الدؤوب، والبدء بسلسلة إصلاحات تطمئن الشعب وتعيد ثقة الداخل والخارج بلبنان.
وطنية – الأحد 26 تموز 2020

البطريرك الراعي: تأييد واسع لطرح الحياد واسترداد السيادة وللعمل معا على إنهاض لبنان عبر مكافحة الفساد وإجراء الاصلاحات بدءا بالكهرباء
وطنية – الأحد 26 تموز 2020
ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، قداس الاحد في الصرح البطريركي الصيفي في الديمان، وعاونه المطرانان حنا علوان ويوسف سويف بمشاركة المطرانين بيتر كرم ومطانيوس الخوري والقيم البطريركي العام الاب جان مارون قويق والقيم البطريركي في الديمان الاب طوني الآغا والاب فادي تابت وأمين سر البطريرك الاب شربل عبيد، في حضور عدد من المؤمنين من مختلف المناطق الذين حرصوا على اتخاذ التدابير الوقائية ووضع الكمامات والتزام التباعد الآمن. وبعد الانجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان: “روح الرب علي، مسحني وأرسلني” (لو 18:4) قال فيها: “الروح القدس، الذي ملأ بشرية يسوع، إبن الله المتجسد، جعله مسيحا نبيا وكاهنا وملكا للعهد الجديد. وأرسله كنبي ليعلن بشارة الخلاص لمنتظري تجليات الله، المعروفين “بالمساكين”، وككاهن ليحرر بنعمة الفداء أسرى الخطيئة، والمظلومين بنير العبودية وقوى الشر، ولينير بنور الحقيقة العميان الذين زاغت عقولهم عنها، وكملك ليدشن زمنا جديدا، قائما على قيم الملكوت، ومقبولا من الله (راجع لو4: 18-19)”.
أضاف: “نلتمس بصلاتنا اليوم حلول الروح القدس الذي قبلناه بالمعمودية وبمسحة الميرون التي جعلتنا مسيحيين، مشاركين في رسالة المسيح المثلثة: النبوية بقبول كلام الله والشهادة له بأعمالنا ومواقفنا والكهنوتية بالمشاركة في ذبيحة الفداء ووليمتها، وبضم ذبائح أعمالنا الصالحة وآلامنا وأفراحنا إلى ذبيحة المسيح الشخصية، والملوكية ببنيان ملكوت الله على أرضنا، وهو ملكوت السلام القائم على ركائزه الأربعة: الحقيقة والمحبة والعدالة والحرية.
وتابع: “يسعدنا أن نحتفل بهذه الليتورجيا الالهية معكم، أيها الحاضرون في كاتدرائية الكرسي البطريركي في الديمان، ومعكم، أيها المشاركون عبر وسائل الاتصال ولاسيما محطة تلي لوميار – نورسات. فأنتم في بيوتكم إما لأسباب مرضية وإما تجنبا للتجمعات بسبب وباء كورونا. الذي على ما يبدو راح يتوسع انتشاره من جديد. ولذلك نرى انه من الواجب علينا إعادة التذكير بضرورة اتخاذ التدابير الاحتياطية حماية للجميع، خصوصا في أماكن التجمعات ودور العبادة والصالات الراعوية وخلال المناسبات والاعراس والجنازات. وإنا نواصل صلاتنا الآن، كما في كل مساء، بصلاة مسبحة الوردية، التي يشاركنا فيها عشرات الألوف من المؤمنين والمؤمنات عبر الوسائل الاعلامية. نصلي على نيتين أساسيتين: الأولى، التماس نعمة الشفاء للمصابين بوباء كورونا، وإبادة هذا الفيروس المتزايد الانتشار، وعودة الحياة الطبيعية إلى الكرة الأرضية التي باتت مشلولة ومصابة بأزمة إقتصادية عالمية قاتلة. والنية الثانية التماس خلاص لبنان من الانقسامات الداخلية والفساد المستشري في الإدارات العامة، المتسببة بالأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية الخانقة للشعب المحروم من خبزه اليومي”.
وأردف الراعي: “روح الرب علي، مسحني وأرسلني” (لو 18:4)، نبوءة آشعيا هذه، التي ترقى إلى 700 سنة قبل المسيح (راجع أش 61: 1-2)، تحققت في شخص يسوع كما أعلن في ذاك السبت، بعد أن قرأ النبوءة جهارا في هيكل الناصرة. فلما أغلق الكتاب وأعاده إلى الخادم، وجلس، وعيون الجميع شاخصة إليه، قال: “اليوم تمت هذه الكتابة التي تليت على مسامعكم” (راجع لو4: 20-21). تنطبق هذه النبوءة على كل مؤمن ومؤمنة. لقد نلنا الروح القدس بسري المعمودية ومسحة الميرون، وصرنا شركاء المسيح في رسالته المثلثة: الكرازة بكلام الله (النبوءة)، وتقديس النفوس (الكهنوت)، وتدبير الجماعة المؤمنة ورعايتها (الملوكية).
وتتجدد فينا عطية الروح القدس بالصلاة وقبول الأسرار، ولاسيما سري التوبة والقربان. كما أن الروح القدس يعطى في الأسرار الثلاثة الباقية: مسحة المرضى والزواج والكهنوت. ويعطي الروح في كل سر من الأسرار الخلاصية السبعة نعمة خاصة به، تتعلق بحالة الشخص قابلها، لكي يعيشها بالشكل المرضي لله. أما نعمة سر الكهنوت فتعطي الكاهن والأسقف سلطانا إلهيا لممارسة الكرازة والتقديس والتدبير بشخص المسيح وباسمه.
ولا بد من القول أن الروح القدس يعطى بطرق الله الخفية لكل إنسان، لكي يعيش في مرضاة الله الخالق، بكل ما هو حق وخير وجمال، ولكي يصغي إلى صوت ضميره، الذي هو صوت الله في أعماق كل إنسان؛ ولكي يسعى إلى خلاصه الأبدي باحثا عن إرادة الخالق. إن أول كلمة إلهية في الكتب المقدسة نجدها في سفر التكوين حيث نقرأ في الفصل الأول: “في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خاوية خالية، وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الله يرف على وجه المياه” (الآيتان 1 و 2). روح الله هو الروح القدس إياه، مصدر الحياة ومجددها في الأرض، وفي البشرية، وفي كل إنسان. إنها الحياة الطبيعية من الخالق، والحياة الإلهية الجديدة المعطاة من مخلص العالم وفادي الإنسان، يسوع المسيح”.
ولفت الراعي الى أن “الأسبوع المنصرم تميز بالمزيد من مؤيدي مشروع نظام الحياد الناشط والفاعل أكان بالكتابات العديدة والغنية في الصحف، أم بتصريحات الرسميين من الصرح البطريركي، أم بتأييدات من خارج لبنان. وبات واضحا أن الهدف الأول والأساس من نظام الحياد الناشط والفاعل بالنسبة إلى الداخل، هو شد أواصر وحدة لبنان الداخلية، وتثبيت كيانه وسيادته واستقلاله، وتعزيز الشراكة الوطنية والاستقرار والحوكمة الرشيدة، في دولة قادرة بقوة الدستور والميثاق والقانون والمؤسسات على الدفاع عن نفسها بوجه أي اعتداء. وبالنسبة إلى الخارج، الحياد هو الابتعاد عن الدخول في أحلاف وصراعات وحروب إقليمية ودولية، وبخاصة تلك التي لها تأثيرات سلبية مباشرة على الاستقرار داخل الدولة.
وصفة الحياد الناشط والفاعل هي التزام لبنان بالقضايا العامة: من سلام وعدالة وحقوق إنسان، وحوار أديان وحضارات، ودور وساطة في النزاعات الاقليمية والدولية، ولاسيما ما يختص بوحدة الدول العربية، والقضية الفلسطينية، وصد الممارسة العدائية من إسرائيل تجاه أهل فلسطين وأرضهم وحقوقهم وتجاه لبنان وأي بلد آخر.
وصفة الحياد الناشط والفاعل هي عودة لبنان إلى دوره التاريخي كجسر بين الشرق والغرب على المستوى الثقافي والاقتصادي والتجاري الذي يمليه عليه موقعه الجغرافي على ضفة المتوسط، ونظامه السياسي بمكوناته الدينية والثقافية، واقتصاده الليبرالي، وانفتاحه الديمقراطي”.
أضاف: “في إطار موضوع الحياد الناشط والفاعل، وأوضاع المدارس الخاصة التي تهدد مستوى التعليم والتربية، والحالة الاقتصادية والمالية والمعيشية الخانقة، والحاجة إلى الإسراع في إصلاحات الهيكليات والقطاعات المطلوبة من الأسرة الدولية منذ سنتين وثلاثة أشهر في مؤتمر باريس CEDRE لدعم الاقتصاد اللبناني وتعزيزه، أسعدنا بزيارة معالي وزير خارجية فرنسا السيد Jean-Yves Le Drian، يوم الخميس الفائت. وقد أعرب عن دعم فرنسا لمشروع الحياد الناشط والفاعل، وعن مساعدتها المالية للمدارس الكاثوليكية الفرنكوفونية، وعن استعدادها الدائم لمساعدة لبنان بالمبلغ الذي رصده مؤتمر سيدر شرط المباشرة بالاصلاحات. فأعربنا له عن مشاعر الشكر والامتنان. وفي المناسبة نهيب مجددا بالحكومة والمسؤولين السياسيين التعالي على الانقسامات الشخصية، والعمل معا على إنهاض لبنان بإجراء الاصلاحات بدءا بالكهرباء والمكافحة القضائية للفساد المتفشي الذي يتزايد اليوم من دون أي وخز ضمير أو خوف كجريمة فساد المواد الغذائية القاتلة للمواطنين”. وختم الراعي: “نصلي كي يمس الله بقوة روحه القدوس الضمائر والقلوب، ليتوبوا إليه ويعملوا بروح المسؤولية للخير العام، ملتمسين من رحمة الله أن يفتقدنا بمسؤولين يعملون وفق قلبه. له المجد والتسبيح إلى الابد، آمين”.

المطران الياس عوده محزن ما سمعناه من أحد المسؤولين الذي نصحنا بمساعدة أنفسنا كي يساعدنا الآخرون اللغة العدائية مرفوضة ومطلوب من حكامنا التقليل من الكلام والنظريات، وعوض البكاء على ما وصلنا إليه، الإنصراف إلى العمل الدؤوب، والبدء بسلسلة إصلاحات تطمئن الشعب وتعيد ثقة الداخل والخارج بلبنان.
وطنية – الأحد 26 تموز 2020
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عوده القداس الإلهي في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل المقدس ألقى عظة قال فيها: “بداية أود أن أعبر عن أسفي لأن فيروس كورونا عاد للانتشار بيننا، وأصبح يشكل خطرا داهما على مجتمعنا. هذا لأن بعض اللبنانيين لم يدركوا خطورته واستهانوا به ولم يتبعوا إرشادات الأطباء وتحذيراتهم. لذا أتمنى من جميع أبنائنا ومن جميع اللبنانيين اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة من أجل الحفاظ على صحتهم وصحة الآخرين، لأن حياتنا أمانة غالية، علينا احترامها والمحافظة عليها. ومن أسمى علامات المحبة الحفاظ على صحة الآخرين وعلى حياتهم. بالإضافة إلى أننا جميعا نرزح تحت أعباء ثقيلة ولسنا بحاجة إلى المزيد. فلنوفر على أنفسنا وعلى وطننا وعلى مستشفياتنا أعباء كلنا بغنى عنها، ولنحافظ على نظافتنا وعلى المسافة الآمنة، ولنتجنب كل ما يمكنه التسبب بالعدوى لنا وللآخرين. صلاتنا أن يترأف الله بنا ويبعد عنا جميعا هذا الداء وكل داء وشر وأذى”.
أضاف: “نسمع في إنجيل اليوم عن حادثتي شفاء، الأولى لأعميين، والثانية لأخرس. بداية، إذا تذكرنا حادثة شفاء المجنونين الخارجين من القبور، التي تحدثنا عنها منذ أسبوعين، نجد تشابها مع حادثة اليوم الأولى. هناك، اعترف المجنونان بأن المسيح هو ابن الله، وهنا الأعميان يسميان الرب يسوع “إبن داود”. كان المجنونان يعيشان في ظلمة القبور، وهنا الأعميان يعيشان ظلمة عدم الإبصار.
ندرك من الحادثتين المذكورتين أن الظلمة ناتجة من عدم الإيمان. لقد أبصر الأعميان لأنهما آمنا. كانا من اليهود الذين لديهم شريعة يحفظونها منذ الصغر، مع هذا لم يوصلهم الحفظ الحرفي إلى الاستنارة الكاملة. طبعا، ككل سكان تلك المنطقة التي عبر فيها الرب يسوع، كان الأعميان قد سمعا عن المسيح، وأنه ربما يكون هو نفسه يسوع الناصري. إلا أن معلمي الشريعة لم يؤمنوا بهذا الأمر، فنقلوا عماهم وعدم إيمانهم إلى الشعب الذي كانوا مسؤولين عنه. هؤلاء قال عليهم الرب يسوع: “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس، فلا تدخلون أنتم، ولا تدعون الداخلين يدخلون” (مت 23: 13). إذا، الأعميان يمثلان كل الذين يتحررون من رباط الحرفية القاتلة، ويبحثون عن المسيح، فيتعرفون عليه، ويؤمنون به، وينالون الشفاء”.
وتابع: “الإيمان ليس نتيجة الشفاء، بل الشفاء يأتي نتيجة للايمان. لهذا لم يبصر الأعميان إلا بعد أن آمنا، وليس العكس. هذا الأمر نجده ملتبسا لدى بعض المؤمنين الذين يطلبون الحصول على أعجوبة لكي يؤمنوا، أو لدى بعض الذين يبنون إيمانهم فقط على ما يسمعون به من العجائب. يقول الرسول بولس: “لأن اليهود يسألون آية، واليونانيين يطلبون حكمة، ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا، عثرة لليهود وجهالة لليونانيين” (1كو 1: 22-23). لقد تجسد ابن الله، وقدم ذاته ذبيحة على الصليب من أجلنا، ومات وقام، ومنحنا أعجوبة دائمة هي جسده ودمه الكريمان اللذان نتناولهما في كل قداس إلهي، ومع ذلك يطلب البعض الحصول على عجائب من بعض القديسين لكي يؤمنوا. عندما التقى تلميذا عمواس بالمسيح لم يعرفاه، لأنهما كانا بعد عالقين في الشريعة والعهد القديم، ففسر لهما كل ما يختص به مبتدئا من موسى (أي التوراة) والأنبياء، أي فسر لهما كل الكتب الشرعية التي يحفظها اليهود، لكن تلميذي عمواس لم يعرفا الرب يسوع إلا عندما بارك الخبز وكسره وناولهما “فانفتحت أعينهما وعرفاه” (لو 24: 13-32)”.
وأردف عوده: “العجائب في كنيستنا هي لتشديد الإيمان الذي يكون موجودا أصلا، وربما يضعف بفعل بشريتنا، وليست العجائب ركيزة لإيمان غير موجود يبنى عليها. صخرة إيماننا هي الرب يسوع المسيح، الذي آمن به الأعميان فشفيا نفسا وجسدا. بالنسبة إلى اليهود، الخطأة هم الذين يمرضون، تاليا فإنهم يشفون إذا غفرت خطاياهم. أيضا، بالنسبة إلى اليهود، لا أحد يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده (مر 2: 7). إذا، عندما اعترف الأعميان بقدرة الرب يسوع على شفائهما جسديا، فإن اعترافهما هذا كان يحمل اعترافا آخر ضمنيا بقدرته على غفران خطاياهما، أي بألوهته.
لم يشف المسيح الأعميين أمام الناس، بل داخل البيت على انفراد، كذلك طلب منهما ألا يخبرا أحدا عنه. يعلمنا مسيحنا الرب أن نهرب من المجد الآتي من الجموع. هذا الأمر نفسه يتم خلال سر الاعتراف، عندما يدخل الكاهن بالمعترف إلى البيت (الكنيسة) حيث يمنحه الشفاء بالسلطان المعطى له من الرب: “من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت” (يو 20: 23).
خرج الأعميان من البيت ونشرا خبر شفائهما، صارا مبشرين بالمسيح. لقد علمنا السيد ألا نمدح أنفسنا، كما علمنا أن نهرب من مديح الناس لنا، وأن نعيد المجد لله. لم يقل الأعميان للناس إنهما أصبحا بارين فشفيا، بل شهرا الرب يسوع، بشرا بما صنعه معهما من عظائم. كثيرون منا ينسبون المجد لأنفسهم، وينسون الله الذي منحهم كل شيء. كثيرون يقودون الناس إليهم بدلا من توجيههم نحو الرب، حتى إن بعض الكهنة يقومون بهذا الأمر غير المبارك. مجدنا لا نحصل عليه من البشر، بل من الرب الذي يكللنا بإكليل المجد إذا رآنا مستحقين له. أما الشعبية التي يعمل البعض على بنائها، فلا توصلهم إلا إلى الهلاك، إلى موت الخطيئة، بسبب الكبرياء التي يعلمنا المسيح، في إنجيل اليوم، أن نتجنبها.
أما شفاء الأخرس الذي يخبرنا عنه المقطع الإنجيلي اليوم أيضا، فيشبه شفاء المخلع الذي أحدروه من السقف. لم يأت الأخرس إلى المسيح من تلقاء نفسه، لأنه ربما اعتقد أنه لن يستطيع أن يفسر للرب ما يريده، بسبب عدم قدرته على الكلام. إلا أن آخرين قدموا الأخرس إلى المسيح، فشفاه بسبب إيمانهم وثقتهم بأنه سيشفى. لقد ظن الشيطان أنه سيمنع الخلاص عن الإنسان إذا أصابه بالخرس، وتاليا يصبح غير قادر على إعلان إيمانه بالله. لكن الشيطان نسي أن البشر مخلوقون على صورة الله، أي ممتلئون من المحبة التي تهزم قوة الشياطين، وتوصل الإخوة إلى الخلاص. هذه المحبة جعلت رفاق الأخرس يقدمونه لينال الخلاص والشفاء فيصبح قادرا بدوره على إعلان إيمانه بالله والتبشير به بلسان طليق”.
وقال: “كل الآيات والعجائب التي عاينها الفريسيون والكتبة لم تساعدهم على الإيمان. هذا برهان على أن العجائب ليست معيارا للايمان. عندما شفى الرب المجنونين طرده اليهود من بينهم، واليوم، بدلا من أن يعطوا مجدا لله لأن المرضى قد شفوا ونالوا الخلاص، نسمعهم يقولون على الرب يسوع: “إنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين”. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “يستحيل على الشياطين، كما يقول السيد، أن تطرد الشياطين: فمن عادتها أنها تصفق للشيطان، لا أن تقضي عليه. لكن السيد لم يطرد الشياطين فقط، بل أيضا طهر البرص وأقام الأموات ولجم البحر وغفر الخطايا وبشر بالملكوت وجاء بالناس إلى الآب، وهي أمور لا يبتغيها إبليس، ويعجز عن القيام بها”.
وتابع: “في إنجيل متى، يعود المسيح فيشفي إنسانا يجمع بين الجنون والخرس والعمى معا، فيقول عليه الفريسيون الكلام ذاته، عندئذ يجيبهم الرب: “كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت” (12: 25). أليست هذه حالنا في لبنان؟ ألا نشعر بأننا في بيت منقسم على ذاته، في ساحة يتصارع فيها أطراف، كل يسعى إلى مصلحته وما يناسب عشيرته أو قومه أو حزبه؟ ويظنون أن الغلبة ستكون للأقوى، غير عابئين بمصير الوطن والمواطن ولقمة عيشه. لم لا نتعلم من التاريخ؟ لم لا نتعظ من الصراعات والحروب التي عاشها هذا الوطن؟ فلم لا نحمي وطننا بالنظر إلى الداخل لا إلى الخارج، وننصرف معا إلى بناء دولة موحدة قوية بأبنائها، غنية بطاقاتهم، فخورة بمحبتهم لها وانتمائهم إليها وحدها؟ لم لا نبعد أنفسنا عن كل ما يضر بنا وبوطننا؟
حرام تقديم المصالح الخاصة على مصلحة الوطن والشعب. اللغة العدائية مرفوضة في وقت علينا فيه الاتفاق والإلتفاف حول فكرة الوطن الواحد الحر المستقل، الحاضن لأبنائه كلهم. مطلوب من حكامنا التقليل من الكلام والنظريات، وعوض البكاء على ما وصلنا إليه، الإنصراف إلى العمل الدؤوب، والبدء بسلسلة إصلاحات تطمئن الشعب وتعيد ثقة الداخل والخارج بلبنان.
ِمحزن ما سمعناه من أحد المسؤولين الذي نصحنا بمساعدة أنفسنا كي يساعدنا الآخرون، وكأنه يقول لنا إعملوا شيئا لمصلحة وطنكم قبل استعطاء عطف الآخرين”.
وختم عوده: “دعوتنا اليوم أن نؤمن بالمسيح، وألا نجرب الرب إلهنا بطلب العجائب. هو كلي الحكمة، ويعرف متى ومع من يصنع العجائب. جهادنا أن نحافظ على إيماننا ثابتا، رغم كل ما نمر به، والله قادر أن يمنحنا كل خير، لأنه كنز الصالحات ورازق الحياة. آمنوا بالله، إعترفوا به، أحسنوا إلى الآخرين، هكذا تكونون أنتم أنفسكم أعجوبة في هذا الدهر، إذا رآكم من ضعف إيمانه يتشدد بكم ومن خلالكم، فنصل جميعنا معا إلى الملكوت المنشود، آمين”.