الكولونيل شربل بركات/صفحة من تاريخ بلدة عين ابل ودور “العمارين” في اعمارها- الجزء الثاني

59

صفحة من تاريخ بلدة عين ابل ودور “العمارين” في اعمارها-الجزء الثاني
الكولونيل شربل بركات/25 تموز/2020

في بداية السكن في عين إبل كان اختيار المكان مهم جدا لهؤلاء القادمين من شمال لبنان للعمل والاقامة في هذه الأرض التي تختلف نوعا عن مناطق سكناهم. فبينما تتعلق القرى فوق المرتفعات الصخرية في شمال لبنان، وخاصة منطقة الحدث – بشري موطنهم الأصلي، ويضطر المزارعون لبناء حيطان عالية من الحجارة لحفظ التربة التي ينقلونها أحيانا من مسافات بعيدة لكي يؤمنوا تربة صالحة لزراعة اشجارهم، وجد هؤلاء القادمون الجدد في هذه المنطقة، والتي قد يكون أجدادهم رحلوا عنها تحت ضغط الحكم المملوكي سابقا، اراض سهلة للعمل وشبه فارغة إلا من بعض الرعاة. وكان المماليك منعوا السكن حتى 40 كيلومتر من البحر بينما أفتى امامهم ابن تيمية بأن الرافضة من الشيعة والعلويين والاسماعيليين والدروز يعتبروا كفرة يحل قتلهم، ولكنه لم يغير فتاوى من سبقه في أهل الذمة، انما كان منعهم من السكن في المناطق القريبة من البحر جاء على خلفية سياسية بأنهم قد يساندون الفرنجة إذا ما قرر هؤلاء العودة إلى البلاد. ولكنهم لم يقدروا بالرغم من حملة قلاوون وغيره على اجتثاث الموارنة من جبالهم فعزلوهم فيها وتركوهم يعيشون بقلق دائم.

وبينما فعلت الأمراض فعلها، ومنها الطاعون كما يورد الدويهي في تاريخه، في البلاد المحيطة بالجبل اللبناني، وخاصة في سوريا ومصر وفلسطين، حيث يقول بأنها فقدت قرابة نصف عدد سكانها في تلك الفترة “وكان يصلى على مئتي جثة في القاهرة يوميا” بسبب الطاعون. ما جعل البلاد تفرغ أكثر بينما انعزال الجبل المفروض من قبل السلطة خفف انتشار الأمراض وخاصة بوجود الكثير من المياه المتدفقة والخضرة التي تسهم في تقوية المناعة. من هنا ويوم انتصر السلطان سليم على جيوش المماليك في معركة مرج دابق وقد مال إليه فخر الدين الأول ومن معه، سمح السلطان باعادة اعمار البلاد التي كان المماليك منعوا السكن فيها، واقتطع كسروان للعسافيين وشجع انتشار الموارنة مع خبراتهم الزراعية حيث نقل مجموعة منهم إلى حلب لتعليم السكان على العمل والانتاج الزراعي. وهكذا بدأ الموارنة بالعودة للانتشار داخل لبنان بدون خوف من السلطة طالما يدفعون الضرائب المطلوبة.

من هنا كانت بلاد كسروان أول مناطق أعيد اعمارها في بداية القرن السادس عشر. ومن ثم في أواخر هذا القرن، ويوم اتهم أمير الجبل بتغطية سرقة أموال الميرة المتجهة من مصر إلى الأستانة والتي جرت في جون عكار، وقام ابراهيم باشا والي مصر بمساندة من الأسطول العثماني بحملته لتأديب الدروز حيث قتل فيها ستين ألف من رجال الأمير قرقماز والأمير نفسه ووفد المشايخ الذين كانوا ذهبوا لمفاوضته، حصل فراغ كبير في القوة المقاتلة والمنتجة في جبال الشوف ما دعا الأمير الصغير فخر الدين الثاني ابن قرقماز، والذي تربى عند الموارنة في كسروان، يوم تسلم الأمارة، إلى الاتكال على مساندة هؤلاء الموارنة له لاعمار الشوف من جهة ولتأمين عدد كبير من الرجال للدفاع عن امارته من جهة أخرى حيث يقال بأن جيشه بلغ أربعين الفا.

إذا كانت بداية السكن في “خربة عين إبل” قد بدأت مع بيت الطويل من حدث الجبة حوالي سنة 1594 فإن الأمير فخر الدين الثاني لم يكن قد تسلم الجباية في هذه المنطقة بعد (تسلمها سنة 1602). وهكذا نعرف بأن خبرة الموارنة في استصلاح الأرض وحثها على العطاء، إلى جانب تعاونهم مع أي متعهد لجباية ضرائب الباب العالي ودفعهم المتوجب عليهم، جعلهم مقبولين حيثما حلوا. ومن هنا قصة علي الصغير مع أحد سكان “مزرعة عين إبل” والذي كان يعمل ليلا في حقله عندما صادف مرور “البيك” في تلك الناحية فتعجب من وجود من لا يزال يعمل في مثل هذا الوقت. وعندما سأله لماذا لا يزال يعمل ليلا أجاب الرجل بأنه وضع لنفسه برنامجا عليه اكماله قبل موسم الأمطار لأنه وحيد في هذه المنطقة ويجب أن يحضر الأرض ويجهزها لكي تنتج وإلا فمن إين يأكل هو وعائلته. وهنا أعجب البيك بهذا المزارع وقال له إذا كان عندك أقارب بمثل هذا الاندفاع فأهلا بهم في هذه الأرض.

وقد سكن هؤلاء القادمون حول الخربة حيث استعملوا حجارتها ليبنوا لهم بيوتا صغيرة لتأويهم. وبقايا هذه البيوت الصغيرة لا تزال قائمة في الحاكورة أمام بيت فيكتور منصور اليوم، وهي تبدو غرف صغيرة متلاصقة. وإذا ما أردنا دراسة هذه البيوت من الناحية الهندسية نجد بأنها بنيت بالموجود من الحجارة واستعمل في سقفها أغصان أشجار لتحمل الركس ومن ثم البلان والتراب، ولم يكن فيها أعمدة ولا قناطر. فهندسة البيوت القديمة في جبال لبنان، ولكي تتوسع، كان في وسطها أعمدة تحمل جذوع أشجار كبيرة تشكل جسورا تحمل الأخشاب العرضية والتي بدورها تحمل الركس والبلان ومن ثم التراب الكلسي. ولما لم يكن في منطقة عين إبل أشجارا طويلة لتشكل الأعمدة والجسور أضطر القادمون الجدد لبنأ بيوتهم بالموجود، ومن هنا الغرق الصغيرة.

بعد مرور المئة سنة الأولى كانت اغلب العائلات الموجودة في البلدة حتى اليوم قد استقرت، وكانت هندسة القناطر بدأت تدخل في بناء البيوت، ولكنها كانت كما يبدو قناطر صغيرة لا يزيد قطرها عن المترين (ولا يزال هناك بيت مشابه لم تسقط قناطره قرب بيت انطانس منصور) ما جعل السقف قليل الأرتفاع. وقد ارتكزت هذه على أعمدة من الحجر كما في الفترة التي تلت وقد يكون من بنى هذه البيوت معلم عمار زائر لم يترك الكثير منها. ولكن مع قدوم بيت العمار، الذين على ما يبدو كانوا أختصاصيين في مهنة العمار مثل بيت الحداد في موضوع الحدادة، توسع البيت العين إبلي وكبرت قناطره ليصبح سقف البيت أعلى. وزادت في بعض الأحيان صفوف القناطر ليتوسع أكثر فيقدر على استيعاب، ليس فقط سكانه ولكن خلايا المؤونة على أنواعها واسطبل الحيوانات الذي زيد، خاصة في الفترة التي تلت حكم الجزار حيث فقدت المنطقة الأمن والاستقرار بغياب زعيمها ناصيف النصار ومن ثم كثرة طلبات الجزار وأعوانه، ما زاد عدد “الطياحة” الهاربين من الخدمة الاجبارية “السرولي” والذين اصبحوا يعيشون على السرقة في بعض الأحيان. زد عليهم غزوات القبائل العربية القادمة من شمال فلسطين بغياب سلطة محلية قادرة. من هنا تغيرت هندسة البيوت وأصبحت تتساند على بعضها (الحيط عالحيط) ويفتح فيما بينها الطاقة السرية التي تستعمل كهاتف بين الجيران للاعلان عن وجود من ينقب البيت من أجل السرقة ما يجعل اصحاب البيوت المتساندة تهرع للزود عن الجار وطرد السارقين.

أما في موضوع الماء وهو أساسي للسكان فكانت مياه العين تستعمل للشرب فقط بينما تستعمل البرك وخاصة العين التحتى لسقاية الحيوانات قبل العودة إلى البيت. وكان في الخربة عدد من الآبار التي تستعمل مياهها للغسيل والدولشة وأحيانا للحوانات الصغيرة التي تبقى في البيت. ورب قائل بأن البلدة يجب أن تكون بنيت حول النبع وهي نظرية معقولة بالعادة، ولكن إذا ما درسنا وضع البلدة وعرفنا أهمية الأمن فيها، حيث لم يكن من سلطة محلية قادرة تفرضه في بداية السكن، ولذا فهؤلاء القادمون الجدد كان همهم الأساسي هو الحماية والبعد عن أنظار الحشريين وعابري السبيل، وهم أساسا من سكان الجبال الذين، مثل الأموريين لا الكنعانيين، يفضلون الأفق الواسع على الأرض الخصبة في سكنهم، ومن هنا أختيار الخربة حول الكنيسة القديمة كونها تتمتع بمدى رؤية واسع من كل الجهات وبنفس الوقت لا تزال قريبة من النبع وبعيدة عن الطرق الرئيسية التي يستعملها المارة.