الكولونيل شربل بركات:هجرة الصناعيين من ابناء طائفة الروم الكاثوليك واستقرارهم في بلدة عين ابل/جزء أول – الحدادين

203

هجرة الصناعيين من ابناء طائفة الروم الكاثوليك واستقرارهم في بلدة عين ابل/جزء أول… الحدادين
الكولونيل شربل بركات/21 تموز/2020

عمل الحداد في حياة القرية مهم جدا فكل الآلات التي يستعملها الفلاح تنتهي بقطعة من الحديد لتقوم بالعمل بالشكل المطلوب. فالمعول أو ما نسميه المنكوش والشوكة والمنجل وخاصة السكة وما يتبعهم، والفروعة أو الفأس والمهدة والاسفين والمخل وما إلى هنالك من آلات يحتاجها الفلاح في عمله اليومي، تتطلب كلها الصقل وإعادة التجهيز لكي تكون أكثر حدة وفعالية كلما استعملت.

من هنا حاجة المزارع لحداد يقوم بكل تلك العمليات الصغيرة. ولكن عمل الحداد لا يقتصر على هذه الأمور فقط فهو قادر أن يصلح ما انكسر ويصنع الآلة بحسب الحاجة، أي يطورها لتقضي المطلوب. وهو يمكنه أن يصنع، بتعامله مع الحديد بنوع خاص، كل أنواع الحماية ضد السرقة ودخول البيوت، وحتى حماية ارجل الحيوانات بصنع الحدوات المناسبة لكل منها لتحمي حافره خاصة عندما يعمل في الأرض الرطبة والوحل لمدة طويلة.

والحداد يجب أن يكون عنده مشغله الخاص أو محددته التي تحوي على الأقل بيت النار القادر على تذويب المعدن لكي يمكن تطويعه والعمل على تجديد حياته، إذا لم يكن صناعة آلات جديدة، والسدان الذي يساعد على دق الحديد وتحويله بعد أن يحمى بالنار، وكل ملاقط التثبيت وعدة العمل.

ولكن ولقلة الأعمال أحيانا يضطر الحداد أن يقوم بعمل البيطار الذي يهتم بارجل الحيوانات فينزع الحدوات القديمة ويركب لها حدوات جديدة. من هنا فالحدادة لم تكن موجودة في كل القرى لأن القرى الصغيرة لا يمكنها تأمين عمل دائم للحداد ولذا فإن هذه المهنة تكون عادة في المدن أو حيث يوجد تجمعات كافية لمثل هذه الأعمال. وأحيانا تكون موسمية اي أن الحداد يجب أن ينتقل من مكان إلى آخر حيث يمضي فترة يقوم خلالها بتأمين كافة التصليحات المطلوبة ثم يغادر إلى مكان آخر وهي عملية ليست بالسهلة.

في عين إبل وخاصة قبل منتصف القرن الثامن عشر اي بعد نشوء طائفة الروم الكاثوليك والتي قامت بطلب من المطران عطية مطران البقاع للروم الأرثوذكس وكان ذلك في البدء زمن الأمير فخر الدين الثاني وقد يكون مطلبه هذا بني على اساس أن بطريركية انطاكية للروم الأرثوذكس كان مقرها في دمشق وتتبع لأوامر الوالي هناك.

وقد خبر هذا المطران استقلالية الطوائف المسيحية في لبنان زمن المعنيين وأراد أن يكون لرعيته نفس الحقوق ولما لا؟ فطالب بأن يعترف بهذه الأبرشية كأبرشية مستقلة عن بطريرك دمشق وحتى لو كان ذلك على حساب انفصاله عن الطائفة ككل.

ولكن الأمير فخر الدين تدخل يومها وأقنعه بعدم أحداث شرخ في الطائفة لأن ذلك سيرتد غضبا عليه هو في اسطنبول. ولكن عندما تسلّم ابن شقيقته المطرانية أي بعد حوالي القرن من الزمن قام هذا الأخير بطلب الانضمام إلى الكرسي الرسولي في روما والانفصال كليا عن بطركية دمشق الأرثوذكسية. وقد وافق قداسة البابا على ذلك الانضمام وأصبحت الطائفة الجديدة طائفة كاثوليكية على الطقس البيزنطي وتتبع روما مباشرة.

وقد قامت قيامة بطريرك دمشق ومن ثم تحرك البطريرك المسكوني في اسطنبول لدى الصدر الأعظم لوقف هذا المطران عند حده. ولكن هذه الأخير استمر في اتحاده مع الكنيسة الكاثوليكية في روما مخالفا تعليمات السلطنة. ومن هنا كان على رعايا هذه الطائفة أن يتحملوا نوعا من القهر والاضطهاد الذي يمارسه الولاة العثمانيون.

ولكن وبما أن أغلب سكان الأبرشية يقطنون في لبنان لم يكن هناك تاثيرا كبيرا على الطائفة الجديدة إلا في بعض القرى الواقعة في السلسلة الشرقية والتي تتبع هذه الأبرشية طقسيا ولكنها لم تتبع لبنان وأمرائه من الناحية السياسية. وهكذا فقد فضّل بعض ابناء هذه الطائفة الجديدة التوجه إلى لبنان. ومن هنا كانت هجرة الروم الكاثوليك إلى كثير من الأماكن والمناطق اللبنانية.

فيما بعد، وبعد تدخل أحد أبناء هذه الطائفة الجديدة من بيت الخياط، وكان تاجرا مهما في منطقة حلب، لدى قنصل النمسا الذي بدوره طلب من السلطان ان تعتبر هذه الطائفة بين الطوائف المسيحية المسموح بها في السلطنة، صدر فرمان من الباب العالي باعتبارها طائفة شرعية لها، ليس فقط مطرانا، بل بطريركا مستقلا يتبع روما من الناحية الدينية ويبقي على الطقس البيزنطي من الناحية اللوترجية. فخف عندها الاضطهاد وشعر الروم الكاثوليك منذ ذلك الوقت بأنهم أصبحوا مثل كل الطوائف المسيحية الأخرى.

كان أبناء الطائفة الجديدة هذه الذين انتقلوا للسكن في لبنان اصحاب خبرة في كثير من مجالات العمل فمنهم العمارون والنجارون والحدادون والخياطون وغيرهم من الصنع المهمة والتي كانت شائعة في المناطق حول دمشق ولكنها كانت قليلة في قرى الجبل اللبناني. ولما انتقل بعض هؤلاء للسكن في لبنان كانت مدينة زحلة وجوارها أول مراكز استقرارهم، ومن ثم بدأوا بالانتشار في كامل مناطق الجبل اللبناني.

وبما أن الجنوب كان يومها منطقة استقطاب للمهاجرين والكادحين بوجود قرى كثيرة عادت إليها الحياة وبدأت تعمر وتكبر، أصبحت هذه القرى ايضا مناطق جذب لهؤلاء الحرفيين وأصحاب المهن التي تستطيع أن تطعم عائلاتهم.

من هنا نعرف بأن الحدادين والعمارين وغيرهم من عائلات الروم الكاثوليك استوطنوا عين إبل في تلك الفترة اي قبل النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهم ساهموا بتوسع القرية وتحسّن وسائل الانتاج فيها.

بيت الحداد الذين سكنوا الحارة الشمالية قدموا من تبنين وكانوا وصلوا إليها من الفرزل بالقرب من زحلة. وهم صناعيون ماهرون في مجال الحديد وقد بنوا محددتهم في طرف البلدة الشمالي، كما قلنا، ومن ثم بدأوا بعد الاستقرار ببناء بيوتهم. ولا تزال بيوت الحدادين كلها بالاجمال تقع بنفس المنطقة التي نسميها حارة الكاثوليك.

وهؤلاء أضافوا إلى القرية الكثير لأنهم أعتقوا سكانها من الذهاب مسافات طويلة إلى تبنين أولا حيث كان بعضهم يسكن ويعمل بالحدادة، وكان على ابناء عين إبل السفر مدة ثلاث ساعات على الأقل للوصول إلى المحددة وانتظار عملية التصليح التي قد لا تتم بنفس النهار. ولذا فيوم قدر ابناء عين إبل على اقناع أحد الحدادين للإقامة في البلدة كانت العملية مربحة للطرفين. لأن عين إبل اصبحت مركزا للحدادين يستطيع ابناء منطقة بنت جبيل بكاملها اصلاح آلاتهم فيها بدل السفر حتى تبنين وبذلك ربح للحداد.

أما بالنسبة لأبناء عين إبل فكانت مربحة ايضا لأنهم يضعون آلاتهم عند الحداد ويعودون إلى أعمالهم العادية بدون الحاجة إلى الانتظار حتى ينتهي من اصلاحها.

استوطن الحدادون عين إبل واصبحوا من الملاكين اضافة إلى صنعتهم التي كانت تدر عليهم ما يكفي لحياة مقبولة واندمجوا مع ابناء البلدة، وفيما بعد وباضافة بين العمار وبيت الصيداوي، أصبح لديهم كاهن يقيم الذبيحة على الطقس البيزنطي، ولكنهم لم يكن لديهم كنيسة للطائفة إلى أن حصل الخلاف بين أهالي البلدة والمطران البستاني مطران صيدا الذي لم يسهم في فك أمر الباب العالي بوقف عملية عمار الكنيسة الجديدة على بيادر الديابيي (وهي كنيسة السيدة اليوم).

فقرر الأهالي يومها التوجه إلى مطران الروم الكاثوليك اعتراضا على المطران بستاني، وانضموا إلى طائفته، وبنوا كنيسة بالقرب من كنيسة السيدة المتوقفة بأمر الباب العالي.

وكان شرط المطران يومها أن تكتب الكنيسة الجديدة لوقف الروم الكاثوليك لأنه، كما قال لهم: “أعرف بأنكم سوف تعودون موارنة فور تغيير المطران ولذا يجب أن تبقى الكنيسة ملكا لطائفة الروم الكاثوليك”.

وهكذا كان، فيوم توفي المطران بستاني وخلفه المطران بصبوص، كان أول أعماله أن يحل مشكلة بناء كنيسة عين إبل (ويقال بأن المطران بستاني وقبل وفاته ساهم بحل هذه المشكلة مع الباب العالي) ولكن المطران بصبوص كان من أعاد الصلحة مع ابناء البلدة والاتفاق على تكملة العمار في الكنيسة الجديدة ومن ثم ابقاء كنيسة مار الياس لوقف الروم الكاثوليك.

يومها عادت كل العائلات التي كانت تحولت إلى طائفة الروم الكاثوليك إلى مارونيتها ما عدى بيت كرم وأصلهم من أهدن، فقد رفضوا أن يعودوا إلى مارونيتهم قائلين أنه من غير المقبول عليهم تغيير طائفتهم كلما صادفتهم مشكلة. وبذلك اضافوا إلى طائفة الروم الكاثوليك عائلة كاملة ولو كانت صغيرة نسبيا.

وقد كان لهذه الطائفة فيما بعد كهنة من عين إبل نذكر منهم الخوري ابراهيم الحداد (والد حنا الخوري الحداد وبولس الخوري الحداد) والخوري اثاناثيوس الحداد والخوري سمعان الصيداوي والأباتي بولس سماحة الذي تولى رئاسة الرهبنة المخلصية مدة من الزمن.

وفي ستينات القرن الماضي قرر أبناء الطائفة أن تكون لهم كنيسة جديدة فعملوا على بنائها حيث هي اليوم في أرض بيت الصيداوي. ولكي يسددوا مصاريف بناء الكنيسة الجديدة قرر المطران مع مجلس الرعية ووكيل الوقف يومها أن تحل الكنيسة القديمة وتباع لكي يستعمل ثمنها في انهاء أعمال البناء وتجهيز الكنيسة الجديدة. وقد عرضت على الكثيرين، وفي النهاية قرر المرحوم أدمون بركات، وكان مهاجرا إلى الكويت، أن يساهم في حل المشكلة ودفع الثمن المطلوب فاشترى الكنيسة المنحلة والأرض التي حولها ولكنه لم يهدمها ولا استعملها.

وبعد وفاته وانتهاء مرحلة الحرب في المنطقة عرض مطران الطائفة استعادتها لأنهم لم يستعملوها وقد تهدم قسم منها خلال الحرب. فقرر أميل ابن المرحوم ادمون وأخوته اعادة الكنيسة والأرض لوقف الروم الكاثوليك بدون مقابل على أن ترمم وتستعمل ككنيسة. وهكذا كان فقد أعيد ترميمها وهي تستعمل اليوم ككنيسة اضافية على اسم مار الياس.

وبالعودة إلى عمل الحداد فقد قدم في أواخر القرن التاسع عشر مخائيل الحداد من طرشيحا وكان عمله حداد ولكنه ركز على البيطرة لعدم وجود منافسة له في هذه الصنعة وتعلّم ابنه مارون الصنعة وكان يساعده في أعماله. وكان مخائيل الذي يسكن بالقرب من بيت المختار جدي بركات صديقا له وجارا عزيزا، وهو يتمتع، مثل المختار، بصوت جميل. وكان كل منهما يخدم القداس يوم الأحد في كنيسته. وفي أسبوع الآلام والجمعة العظيمة كان مخائيل الحداد يرتل في كنيسة مار الياس تراتيل الآلام وخاصة “اليوم علق على خشبة الذي علق الأرض على المياه” بينما يرتل بركات في كنيسة السيدة “يا شعبي وصاحبي” وتهطل دموع أبناء القرية الذين يشاركون في الكنيستين القريبتين لتأثرهم بتلك الأصوات الرخيمة والتي تنبع من القلب وتبكي على المسيح المصلوب.