أنطوان مراد/ماتت صباح، ماتت رئيسة جمهورية الفرح

1541

ماتت رئيسة جمهورية الفرح
أنطوان مراد – رئيس تحرير إذاعة “لبنان الحرّ”

وأخيراً، ارتاح الفضوليون وعشاق الثرثرة من التساؤل عن عمر صباح.

ماتت صباح قبيل الصباح، الصباح الموعود للوطن المرصود على النواز من خلف الحدود.

ماتت صباح. كثيرون كانوا أقرب إلى الانزعاج من طول عمرها، مع أن كبارا غيرها تخطوها عمرا بأعوام عدة ، وكان آخرهم وديع الصافي.

لقد بلغ سعيد عقل المئة وعامين، أطال الله بعمره ولا أحد يُتعب قلبه في السؤال واستفظاع مديد سنيّه.

ربما لأن صباح خلّفت من زمان عقدة لبعض من لا يحب الحياة، ولا يرتاح لفائض الفرح الذي يشع من عينيها وصوتها وابتسامتها وربيع فساتينها.

ربما لأن صباح أحرجت بجرأتها وعفويتها أرباب عائلات يصطنعون الرزانة والامتعاض، خشية تحول عقيلاتهم إلى مصدر فتنة زينةً وملبساً، بينما يرتمون في أحضان أخريات بالجملة.

ربما لأن صباح أربكت بألوانها ورهجتها وبهرجتها نسوة كثيرات أسقطن أنفسهن عمداً أو طوعاً في الظلال، أو أفرطن في ادعاء التبشير بحقوق المرأة، وهنّ أنصاف رجال.

ربما لأن صباح برونقها وجمالها وسخائها وشبابها الدائم ، هزمت كوكبة من الأنانيين والبخلاء والطمّاعين ومهووسي المال والسلطة. ماتت صباح، ماتت في عز شبابها وشيخوختنا.

يحضرني هنا عنوان افتتاحية كتبها الصحافي الشهيد سليم اللوزي في “الحوادث” عندما احتدم سجال في حينه بين رئيس الحكومة سليم الحص والرئيس كميل شمعون. وكان العنوان على ما أذكر: سليم الحص شيخ في الخمسين وكميل شمعون شاب في الثمانين!

أطال الله بعمر الرئيس الحص ورحم الله فتى العروبة الأغر.

نعم ماتت صباح. ليرتاح الغيارى . ماتت صباح التي شكلت استفزازاً لدعاة ثقافة الموت والمتزمّتين والمتعصّبين والعبوسيّين ، سواء كانوا داعشيين أو مستدعشين ، سواء أرخوا لحاهم أو مقتوا عقد الكرافات ، وسواء نادوا بالخلافة أو بالولاية .

ماتت صباح رئيسة جمهورية الحياة .

خسرنا ديكتاتورية الابتسامة ، لصالح ديموقراطية الظلامية .

ماتت صباح ، وفي موتها ، ما زالت تغني وترقص وتضحك وتقهقه،

ونحن في حياتنا نبكي ونتباكى وننوح ونصرخ ألما،

وثمة من يبكي ويضحك لا حزنا ولا فرحا، على ما غنّت فيروز آخر العمالقة، أطال الله بعمرها.

ولعل الذي يضحك ويبكي في آن واحد هو الأشد هَولاً وخطراً.

ماتت صباح ومات معها بعض من لبنان الذي كان.

لبنان الحرية المتهادية على خيط رفيع بين الحكمة والجنون

لبنان التنوع والعيش الهني

لبنان الفرح وموسم العز

لبنان دخل ترابك.

ماتت صباح ، ليفرح الرجعيّون والطائفيون والمذهبيون، وأولياء الدم العابر للعصور ومصاصو الدماء وأصحاب النوايا السود.

ماتت صباح، ليفرح الذبّاحون والسيّافون والقوّامون على أعمار الناس وأنفاسهم وأرواحهم ومكفِّرو المصلحين والصالحين .

ماتت صباح، فليهنأ التكفيريون والتخوينيون.

كم من أصوات وكتبة كفّروها ولم تكفّر أحداً

كم من أصوات وكتبة خوّنوها ولم تخوّن أحدا

وكم من أصوات وكتبة أبلسوها ولم تؤبلس أحدا.

ماتت صباح وأسلمت الروح في اللحظة التي شاءتها ، نكاية بكل من يسعى باسم الله إلى سن قوانين الحياة وفرض قواعد الموت أيا كان دينه وطائفته ومذهبه. فالجميع سواسية والله محبة ولا يريد له حزبا أو خليفة .

وسنبقى ساعات وساعات وصباحات، وأياما وسنوات، نحب عمرك الدائم ونعشق الحياة. والسلام.