شارل الياس شرتوني/المفارقات التي لايمكن التعايش معها

50

المفارقات التي لايمكن التعايش معها
شارل الياس شرتوني/13 تموز/2020

ثمة مفارقات ثلاث لا يمكن التعايش معها اذا ما اردنا خروجا من الازمات المتكاثفة التي نعيشها على وقع القاعدة الذهبية التي ارساها حزب الله، “تناسل الازمات” المفتوحة على كل الاشتراكات: الدولة واللادولة والدولة الاسمية والفعلية، الازمات الحياتية المفتوحة الافق، والتموضع عند خطوط النزاع الاقليمية واستقدامها على نحو دوري.

أ- ان الواقع الذي يسعى حزب الله الى تكريسه تختصره مقولات الدولة واللادولة، والدولة الاسمية والدولة الفعلية. عمليا نحن امام مفارقات الثقافة السياسية الاسلامية والعربية التي تحيل مفهوم الدولة السيدة على ارضها (Territorial State) الى استحالة نظرية وعملية بحكم ثنائية الامة/الدولة الوطنية، وما تمليه من مداخلات لاغية للسيادة الدولاتية من قبل محاور النفوذ الاقليمية.
هذا واقع ثابت يظهره انفجار النظام الاقليمي، وتاريخ المداخلات الاقليمية في الداخل الوطني اللبناني على مدى المئوية المنصرمة. حزب الله يستعيد في ادائه سياسات النفوذ القومية العربية، وتحالف اليسار التوتاليتاري مع المنظمات الفلسطينية، على اساس معادلة انقلابية جديدة مبنية على سياسة نفوذ شيعية اقليمية تقودها ايران ويلعب فيها حزب الله دورا محوريا.
نحن امام مقاربة انقلابية تتوخى كما سابقاتها تبديل الرواية اللبنانية المؤسسة، لحساب رؤية استراتيجية شيعية تتوخى اجراء تبديلات في المسار النزاعي السني-الشيعي التاريخي، من منطلق مواجهات بين ايران ومحاور النفوذ السنية القائمة (السعودية، تركيا، بلدان الخليج العربي).
السؤال الذي يتبادر الى الذهن، ماذا بقي من اشكالية الدولة الوطنية امام هذه الاعتبارات، الجواب لا شيء سوى اشكال دولاتية فارغة المضمون تستثمرها سياسات النفوذ القائمة بتصريفاتها المحلية والاقليمية، كما تعبر عنها الانهيارات البنيوية الحاضرة، وتختصرها مفاهيم الدولة واللادولة وهوامشها الحراكية، وثنائية الدولة الاسمية والفعلية، التي تحيلنا الى فراغات استراتيجية متحركة، وتحول الدولة الى متغير تابع لسياسات النفوذ، والى واقع الاقفالات الاوليغارشية. لقد سقط مفهوم السيادة الدولاتية لحساب سياسات النفوذ واقفالاتها، وتداعت معه اولويات السياسات العامة ومنظومة الحقوق المواطنية والمدنية، وتموضعت البلاد عند تخوم مبهمة تحكمها موازين القوى الاقليمية والدولية ونزاعاتها المتأهبة.

ب- ان الازمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والبيئية المتصاعدة هي تعبيرات عن سقوط الدولة الوطنية وقدرتها على الحكم والتدبير ودورها الناظم للشؤون العامة. هذا ما يفسر عمق ونفاذ الفساد المستند اساسا الى اولوية سياسات النفوذ السنية والشيعية وملحقاتها في الاوساط المسيحية، وما نشأ عنها من مصالح ومحاصصات واقفالات غير قابلة للمنازعة بسبب احكاماتها الاستراتيجية الخارجة عن الموجبات الدستورية والميثاقية، التي الغت مرجعية الدولة الناظمة وحولتها الى متغير تابع لسياسات النفوذ.
لا امكانية لحل الاشكالات الحاضرة ان لم تستعد الدولة دورها الدستوري المرجعي على اساس تفاهمات ميثاقية جامعة، واعادة النظر بالهندسة الدستورية على قاعدة الحكم الفدرالي بمتغيريه الشخصي والمكاني، كسبيل يضع حدا للاقفالات الاوليغارشية، ويخرج العمل الحكومي والتدبيري من دائرة سياسات النفوذ والمحصصات، الى حيز العمل المهني وما يمليه من تحول على مستوى النخب العامة، ومحاور العمل العام واسس انتظامه.
ان اي تفتيش عن حل لهذه الازمات البنيوية القاتلة من ضمن اللعبة القائمة هو وقت ضائع، كما ظهرته مرحلة ما قبل ١٧ تشرين ٢٠١٩ واداءات الحكومة الحاضرة القاصرة في قوامها المعنوي والادائي. نحن بحاجة الى توليفة حكومية جديدة تنهي الجدال العقيم واللامتناهي القائم حول تسوية مشكلة الدين العام على قاعدة التحقيق المالي الجنائي الشامل وتنسيب المسؤوليات، وتحمل الاوليغارشيات المالية-السياسية مسؤولية الخسائر التي ادت اليها السياسات الريعية وآلياتها المضللة، ومتابعة التفاوض مع المؤسسات الدولية والدول المانحة على اساس برامج اصلاحية تخرج لبنان من واقع الاقتصاد الريعي، الى واقع الاقتصادي المعرفي والاخضر على تنوع تطبيقاتهما.

ج- ان سياسة المحاور والتسمر على خطوط تقاطع سياسات النفوذ الاقليمية لم تعد قابلة للتأقلم والتوفيق بين واقع السيادة الدولتية واملاءات العمل الحكومي الفعلي.
ان التعايش مع هذا الواقع هو من الاستحالات التي لا امكانية التعاطي من منطلقها، اذا ما اردنا تطبيع حياتنا الوطنية وحل مشاكلنا بشكل منهجي وناجز .
ان خيار تقمص النزاعات الاقليمية والدولية والاسلامية، هو بادئ ذي بدء، طريق مسدود ومؤدياته معروفة النتائج، فنحن كلبنانيين غير ملزمين انتظار حل النزاعات الاقليمية المفتوحة حتى نبادر الى معالجة ازماتنا.
ان خيار حزب الله بين منذ زمن بعيد ولا امكانية للتعايش معه، والا حكمنا على انفسنا التموضع في تضاعيف سياقات نزاعية تشاركية سوف تحول البلاد الى رقعة تسيب استراتيجي لاقدرة للبلاد على تحملها، الامر الذي يفضي الى تقيحات نزاعية تقضي على ما تبقى من الكيان الوطني اللبناني. اما الاخطر فهو نهاية زمن المماحكات الرديئة وبداية زمن التحلل العضوي، وكل آت قريب.