راجح الخوري: قرار القاضي مازح والدولة/نجم الهاشم: لبنان في ظلّ قانون مازح

40

لبنان في ظلّ “قانون مازح”
نجم الهاشم/نداء الوطن/04 تموز/2020

قرار القاضي مازح والدولة اللبنانية الخرساء!
راجح الخوري/الشرق الأوسط/04 تموز/2020
قبل تشكيل حكومة حسان دياب بعد اندلاع ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان واضحاً أن لبنان تحوّل حلبة ملاكمة بين الولايات المتحدة وإيران، التي كانت وما زالت تردد الزعم، بأنها تسيطر على أربع عواصم عربية بينها بيروت، والمعروف أن انتخاب الرئيس ميشال عون، جاء نتيجة لتسوية هدفها إنهاء الفراغ الرئاسي، الذي تعمّد «حزب الله» فرضه على السلطة التشريعية مدة عامين ونصف العام، كذلك جاء تشكيل حكومة حسان دياب وفقاً لدفتر الشروط الذي فرضه الحزب، بعد اندلاع ثورة اللبنانيين في 17 تشرين الأول الماضي، والتي رفعت شعار «كلن يعني كلن»، بما يعني أن كل الطقم المسيطر في لبنان هو المسؤول عن الأزمة القاتلة التي وصلت إليها البلاد وعليه أن يتنحى!
ليس خافياً أن العقوبات الأميركية كانت تزداد خناقاً على إيران و«حزب الله»، قبل المباشرة في تنفيذ «قانون قيصر» الذي سيزيد العقوبات على الحزب، الذي تصنفه واشنطن وعدد من الدول الأوروبية منظمة إرهابية؛ ولهذا كانت حماوة الملاكمة ترتفع، وبدا واضحاً دائماً أن إيران تريد استخدام هيمنتها الإقليمية من العراق إلى سوريا وصولاً إلى لبنان، كمدخل للعودة إلى الاتفاق النووي مع أميركا بمعزل عن شروط الرئيس ترمب العشرة المعلنة، لكن الرد جاء خانقاً أكثر، وخصوصاً لجهة دور الحزب في سوريا والسعي لجعل لبنان دائماً شريان تنفس للنظام السوري في مواجهة العقوبات.
وسط هذه الأجواء المتشنجة جداً اختارت طهران توجيه رسالة دبلوماسية إلى الإدارة الأميركية، عندما قفز فجأة قاضٍ للأمور المستعجلة في منطقة صور يدعى محمد مازح، ليصدر قراراً غريباً عجيباً بمنع السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا من الإدلاء بالتصريحات، وأيضاً بمنع وسائل الإعلام اللبنانية والأجنبية من إجراء أي مقابلات معها أو نقل تصريحاتها تحت طائلة سلة من العقوبات المستهجنة تماماً!
جاء ذلك رداً على تصريح كانت قد أدلت به السفيرة يوم السبت الماضي إلى «الحرة»، وكررت فيه الموقف الأميركي المعروف الذي ورد مراراً على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو، من أنه لدى واشنطن مخاوف كبيرة من دور «حزب الله» في الحكومة اللبنانية، وكذلك اتهمت شيا الحزب، في تصريح إلى محطة «الحدث» بأن تدخلاته في السياسة اللبنانية، تتم على مستوى دولة داخل الدولة، واتهمته بإعاقة الإصلاحات الاقتصادية، وخصوصاً في وقت ينخرط لبنان في محادثات مع صندوق النقد الدولي، ومن الواضح أن هذه التصريحات لا تخرج عن الموقف المعروف الذي تكرره الخارجية الأميركية في حديثها عن الحزب!
كان قرار القاضي مازح مستهجناً وعاصفاً وأثار ضجة لبنانية وإقليمية وبات الوضع أشبه بعصفورية حقيقية، وخصوصاً أن لا ياسر عرفات هدد بمعاقبة السفراء والصحافيين، يوم كان يحكم بيروت من صبرا، ولا غازي كنعان ورستم غزالي فعلا ذلك على رغم الإدارة السورية للبنان، وإن كان تاريخ الصحافة في لبنان عرف من الدم عبر الصحافيين الذين تعرضوا للاغتيال منذ أيام رياض طه إلى أيام جبران تويني، أكثر مما عرف من الحبر!
فوراً أصدر المحامون في «حزب الله» بياناً يرحب بقرار القاضي مازح، واعتبروه «تدبيراً رادعاً للسفيرة يمنعها من الإدلاء بتصريحات تهدف إلى زعزعة الاستقرار الوطني»، لكن بدا وكأن إيران تعمدت توجيه هذه الرسالة إلى واشنطن، عندما قررت الرد أيضاً على السفيرة، فقالت بالحرف: «كلما ثرثرت أكثر، بهدلت نفسها وبلادها أكثر، وهي لا يحق لها أن تنال من بلد آخر، من خلال الأراجيف التي تختلقها»، ولكأن تعليق السفارة الإيرانية على شأن لبناني، ليس تدخلاً مستهجناً ومن الأراجيف، ربما على خلفية ادعاء طهران باعتبار السيطرة على بيروت!
دعونا من «قانون فيينا» الذي يحمي السفراء ويحدد حقوقهم في البلدان التي ينتدبون إليها، وتعالوا إلى ما هو أكثر فضائحية من قرار القاضي المذكور، أي إلى حال الضياع والتناقض التي سيطرت على مواقف الحكومة اللبنانية، قبل أن تذهب السفيرة شيا يوم الثلاثاء الماضي لمقابلة وزير الخارجية ناصيف حتي وبعد أن قابلته، وخرجت مكتفية بالقول للصحافيين حفاظاً منها على ماء وجه الدبلوماسية اللبنانية من غير شرّ، «إن الصفحة طويت».
رغم الضجة التي أثيرت حول الموضوع، لم يكن قد صدر أي تعليق من العهد أو أي مرجع رسمي للاعتذار عن قرار مازح، الذي لا يضرب العرف الدبلوماسي وعلاقات لبنان مع الولايات المتحدة فحسب، بل يضرب جوهر الدستور اللبناني في نصه على حرية التعبير عن الرأي، على الأقل بالنسبة إلى الحرية الإعلامية التي ننادي بها سلطة رابعة، والغريب أن رئيس الحكومة حسان دياب كان قد أصرّ يوم الاثنين على نفي كل المعلومات التي تحدثت عن اتصال أجراه مرجع رسمي مع السفيرة للاعتذار عن قرار مازح، بما أوحى وكأن الحكومة راضية عنه، أو أنها تخشى الظهور أمام «حزب الله» بمظهر من يقبل بتقديم الاعتذار عما اعتبره الحزب عملاً مهماً من القاضي مازح!
غريب، حتى وزير الخارجية ناصيف حتي، لم يوح بتقديم أي نوع من الاعتذار بعد مقابلته شيا؛ ولهذا بالتأكيد بدت السفيرة أكثر جرأة وصراحة من كل هذه الدولة اللبنانية المرتبكة، عندما أعلنت صراحة أنها فعلاً تلقت اعتذاراً من مرجع رسمي، وأن الحكومة اعتذرت والصفحة قد طويت!
الذي طُوي أيضاً أن القرار الذي اتخذه القاضي مازح أو ربما دُفع لاتخاذه، والذي يسيء إلى علاقات لبنان وسمعته الدبلوماسية كما يسيء إلى حرية الإعلام اللبناني والأجنبي في بيروت، دفع إلى استدعاء القاضي مازح إلى المثول أمام لجنة التحقيق القضائية، للنظر في أهليته في ممارسة مهنته؛ ما أدى به إلى إعلان استقالته من سلك القضاء موفراً على نفسه الوقوف أمام لجنة التحقيق، ربما على خلفية من يقنعونه بأنه قام بعمل وطني!
السفيرة شيا تقول إن العبارة التي استخدمتها كانت مجرد زوبعة في فنجان، ولم تتضمن أي شيء جديد في الموقف الأميركي، الذي يصنف «حزب الله» إرهابياً ويفرض عليه عقوبات ستتزايد من «قانون قيصر»، وأضافت «لكنهم خلقوا إلهاءً، وأعتقد أنه إلهاء غير ضروري وغير مساعد»، بمعنى أن ازدياد الخناق عليهم لا يمكن تغطيته بإثارة «زوبعة مازح» وأن استخدام قاضٍ أو محاولة استصدار قرار محكمة لإسكات الإعلام ولإسكاتي ولحرمان الشعب اللبناني من حرية التعبير وحرية الإعلام هو أمر سخيف والشعب اللبناني لا يوافق عليه!
كانت رسالة إيرانية واضحة إلى الولايات المتحدة عبر الحلبة اللبنانية الساخنة، لكن من خلال خيار ليس «مازحاً» فقط، بل سيئ أيضاً، لأنه لا يمس بصورة لبنان الدبلوماسية فحسب، بل يحاول كمّ أفواه الإعلام في لبنان، وهذا ما لن يحصل أبداً، وربما كان على السفارة الإيرانية و«حزب الله»، عدم الوقوع في هذا الإحراج الذي أضرّ بلبنان وليس بالسفيرة الأميركية في بيروت!

لبنان في ظلّ “قانون مازح”
نجم الهاشم/نداء الوطن/04 تموز/2020
إستقال القاضي محمد مازح ولكن رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب غير راغب بالإستقالة بعد، وهو متمسك بموقعه ويوبّخ كل وزير يحكي أو يُلمّح إلى موضوع الإستقالة. ما فعله القاضي مازح في الحكم الذي أصدره بحق السفيرة الأميركية والإعلام أكّده رئيس الحكومة، عندما هاجم بعض السفارات ورسائل الحبر السري وكأنّ السلطة في لبنان تطبّق أحكام القاضي الذي استقال، وكأنّ لبنان يعيش في ظل “قانون مازح” في مواجهة “قانون قيصر”.
في 27 حزيران الماضي بدأ سيناريو حكم قاضي الأمور المستعجلة في محكمة صور محمد مازح عندما تلقى عبر البريد الإلكتروني للمحمكة استدعاء السيدة فاتن علي قصير، وقد عرضت فيه أنها شاهدت مقابلة مع السفيرة الأميركية دوروثي شيا أدلت فيها بتصريحات مسيئة للشعب اللبناني ومثيرة للعصبيات. سارع القاضي إلى البتّ بالإستدعاء واعتبر أن السفيرة تناولت أحد الأحزاب الذي له تمثيل نيابي ووزاري، وله قاعدة شعبية، وحمّلته المسؤولية عن الأوضاع في لبنان، بينما لا يحقّ لها التطرّق إلى هذه الأمور التي تمثّل شأناً داخلياً، مضيفاً أنّ السفيرة تؤلّب الشعب اللبناني على هذا الحزب وأن تصريحها جرح وأذى مشاعر المستدعية وكثير من اللبنانيين، ولذلك قرّر منعها من التصريح الإعلامي، ومنع وسائل الإعلام اللبنانية من نقل تصريحاتها لمدة عام.
قبل أيام من إصدار هذا القرار القضائي كان القاضي مازح قد علق على قانون “قيصر”، معتبراً أن “مواجهته تكون بقانون الحسين… وهيهات منا الذلة”، قبل أن يعود ويحذف هذه التغريدة. عندما تمّت إحالته إلى التفتيش القضائي تضامن معه “حزب الله” واعتبر أنه كان يجب أن يكافأ على فعلته ولكنّه بعد أن كان أكّد أنه لن يستقيل سارع إلى تقديم استقالته.
بين القاضي والرئيس
كلام رئيس الحكومة في جلسة مجلس الوزراء في السراي الحكومي في 2 تموز الحالي لم يكن بعيداً من قرار القاضي مازح القضائي. على رغم البلبلة التي أثارها هذا القرار داخل أروقة السلطة فإنّ رئيس الحكومة لم يتوانَ عن السير في الطريق نفسه. بعد اعتذار “الحكومة” للسفيرة، وبعد حالات الإنكار وتقاذف المسؤوليات وضياع المعايير، وبعد الإستقبال الذي تمّ تنظيمه لها في وزارة الخارجية بأيام كان دياب يعلن: “سكتنا كثيراً عن ممارسات ديبلوماسية فيها خروقات كبيرة للأعراف الدولية، والديبلوماسية، حرصاً على علاقات الأخوة والانتماء والهوية والصداقات، لكن هذا السلوك تجاوز كل مألوف بالعلاقات الأخوية أو الديبلوماسية. والأخطر من ذلك، بعض الممارسات أصبحت فاقعة في التدخل بشؤون لبنان، وحصلت اجتماعات سرّية وعلنية، ورسائل بالحبر السري ورسائل بالشيفرة ورسائل بالـ”واتس آب”، ومخططات، وأمر عمليات بقطع الطرقات وافتعال المشاكل…”.
وسّع دياب هجوم القاضي مازح المركز على السفيرة الأميركية وحوّله إلى أمر عمليات يستهدف فيه اكثر من جهة دبلوماسية بالإضافة إلى أكثر من جهة محلية اتهمها بعرقلة عمل الحكومة ومنع وصول المساعدات الدولية والنفط والفيول وبانهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار. اللافت في مواقف دياب أنها تصدر تباعاً داخل جلسات مجلس الوزراء وكأنّه يقرأ بيانات مكتوبة ومعدّة سلفاً، بينما في المقابل لا يخرج إلى أي مواجهة مع الإعلام ليدافع عن نفسه وعن فشل الحكومة.
ما قام به دياب يكمل ما قام به القاضي مازح. كأنه اختراق لوسائل العمل السياسي العادي من خارج منظومة الحكم وهو يعبّر عن استياء “حزب الله” من نمط الممارسة السياسية التي لا تأخذ بملاحظاته حول وضع حدّ للسفيرة الأميركية وغيرها. وربما كان يريد أن يسجّل نقاطاً في مرمى العهد و”التيار الوطني الحر”، خصوصاً لجهة التراخي مع الأميركيين ومطالبهم ومع تطبيقات “قانون قيصر”، آخذاً في الإعتبار أنه يستطيع أن يدخل إلى تحقيق ما يريده من خلال أجهزة السلطة الرسمية وتحديداً من بوابة القضاء، فكان هذا الإستدعاء وهذا الحكم الذي أصدره القاضي مازح وكان أيضاً هذا الموقف الذي أطلقه الرئيس حسان دياب.
واقعة العميد حسين عبدالله
قبل واقعة القاضي مازح سجل القضاء واقعة أخرى في آذار الماضي عندما أصدرت المحكمة العسكرية برئاسة العميد حسين عبدالله قراراً، قضى بإطلاق سراح عامر الفاخوري الذي تمّ توقيفه بعد دخوله إلى لبنان ومصادرة جواز سفره، على أساس أنه متّهم بالعمالة للعدو الإسرائيلي وكان مسؤولًا في سجن الخيام. لم يكن “حزب الله” راضياً عن ذلك القرار. بينما اعتبر أن القاضي مازح كان يجب تكريمه ومكافأته بسبب قراره كانت القصة معكوسة مع عبدالله بحيث تمّ تخوينه، وعلى هذا الأساس سارع أيضاً إلى تنحّيه عن رئاسة المحكمة مدوناً: “إحتراماً لقسمي وشرفي العسكري، أتنحّى عن رئاسة المحكمة العسكرية التي يساوي فيها تطبيق القانون إفلات عميل، ألم أسير، تخوين قاض”.
وزني والمرجعية السياسية
إذا كان بإمكان رئيس الحكومة أن يقول ما يقوله وأن يتّهم جزافاً من دون أن يسمّي فلا يعود هناك عجب في دفع القاضي مازح إلى إصدار القرار الذي أصدره بحق السفيرة الأميركية ووسائل الإعلام، بغضّ النظر عن قانونيته. وإذا كان وزير المال الدكتور غازي وزني يستطيع داخل جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، أن يقول أن مرجعيته السياسية لا تقبل أن يتمّ الإتفاق مع شركة “كرول” للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان على خلفيّة علاقتها بالموساد الإسرائيلي، فلا تعود الملامة كبيرة على السلوك الذي انتهجه مازح. ولكن الخطورة في هذا الأمر أن تتحوّل رغبات المرجعيات السياسية إلى القاعدة التي تسيِّر عجلة عمل المؤسسات الرسمية من مجلس الوزراء إلى سائر الدوائر المتفرعة منها وكأنّنا دخلنا عملياً مرحلة الفيدراليات الخاصة داخل هذه المؤسسات في القضاء والإدارات العامة والأجهزة الأمنية.
على هذا الأساس مثلًا يمكن أن يتقدّم أيّ مواطن باستدعاء عبر البريد الإلكتروني وفي أيام العطلة والحجر الصحّي أمام أيّ قاضٍ للأمور المستعجلة في أيّ محكمة بداية، ويشكو تدخل السفارة الإيرانية مثلاً أو السفارة السورية في الشؤون اللبنانية ليصدر أيّ قاض آخر قراراً بحقّ هذا السفير أو ذاك. وعلى قاعدة ما قاله الرئيس حسان دياب يمكن مثلاً التقدم باستدعاء جديد ضد السفيرة الأميركية أو السفير السعودي لاستصدار أحكام بحقّهما مماثلة لحكم القاضي مازح بينما لا يزال مرسوم التشكيلات القضائية ينتظر البتّ به بعدما رفض رئيس الجمهورية توقيعه.
إذا غاب القانون عن عمل الدولة والمؤسسات فماذا يبقى من هذه الدولة إذا أصبحت أسيرة قانون مازح؟ ربّما الحلّ يبدأ باستقالة الحكومة فرداً فرداً أو باستقالة رئيسها مرّة واحدة بدل التلهّي بالبحث عن جنس الملائكة، بينما الناس يموتون في الشوارع وينتحرون ولا يجدون رغيف خبز ويبحثون عن تنكة مازوت وقنديل كاز وشمعة، في ظلّ حكومة لم تستطع أن تنير ولو شمعة واحدة في هذا الظلام الدامس الذي يخيِّم على لبنان.