الكولونيل شربل بركات/قراءة في “مذكرات الرئاسة المقاومة” للرئيس أمين الجميل وفي ذيول تبنيه إلغاء اتفاق 17 أيار

328

الرئيس الجميل… حبذا لو نستخلص العبر…
قراءة في “مذكرات الرئاسة المقاومة” للرئيس أمين الجميل وفي ذيول تبنيه إلغاء اتفاق 17 أيار

الكولونيل شربل بركات/30 حزيران/2020

في ندوة عن “الرئاسة المقاومة” أطلق الرئيس أمين الجميل تصوراته عن أزمات لبنان متمنيا لو نأخذ العبر من التجارب التي مرت على لبنان أثناء الفترة التي حكم فيها. وقد تكلم أيضا في تلك الندوة السيد عمرو موسى الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية والنائب مروان حمادة.

لا نريد هنا أن نُفهم خطأ أو كأننا ندافع عن إسرائيل أو أي علاقة تلزمها “بحسن الجوار” (فربما تكون تجربة حزب الله هي الأنجح في هذا المجال؟).

ولا نريد التهجم على أحدى الشخصيات المارونية التي تبوأت أعلى منصب في الجمهورية اللبنانية، سيما وأن من نتكلم عنه هو ابن الشيخ بيار الجميل مؤسس أكبر حزب دافع عن لبنان، وشقيق الرئيس الشهيد بشير الذي يفتقده كل محب للبنان عندما تقع الأزمات. وهو في نفس الوقت قدم فلذة كبده ابنه البكر بيار شهيدا على مذبح الوطن. ومن هنا لا يمكن المزايدة عليه لا بالوطنية ولا بالتضحية.

ولكننا ومن كلامه اليوم على ضرورة استخلاص العبر نريد أن ندرس سوية وبتجرد النواحي الإيجابية والسلبية التي رافقت قراره الشهير والذي يتكلم عنه هنا ويعتز بأنه جعله “الرئيس المقاوم” (ولا نريد أن تكون هذه التسمية، لا سمح الله، تشبهاً أو تقرباً من حزب المقاومة؟).

فمن حديثه عن اتفاق السابع عشر من أيار يتبين وكأنه لم يكن موافقاً عليه منذ البدء ربما، وقد يكون ذلك بسبب نوع من الثقافة “العروبية” التي نشأ كل جيله وجيلنا في ظلها، والتي تتمحور حول أن إسرائيل هي “الشيطان” نفسه بشكل أو بآخر. وهي تسيطر على العالم الحر وتعمل ما تريد بدون خوف من العواقب.

هذه الثقافة جعلتنا نقبل بلجوء 300 الف فلسطيني يشكلون حوالي ربع عدد سكان البلاد يومها. ومن ثم اسكانهم في مخيمات لكي “يختبروا المعاناة” فيعملوا على العودة إلى فلسطين.

من هنا وعندما بدأ التسلح، كان اللبنانيون مؤيدين “للعمل الفدائي” ومتأملين بأن هؤلاء سيحتلون اسرائيل وربما يرمون “اليهود بالبحر” (وهنا نريد أن نقول: إذا كان كل العرب يصرحون بأنهم سيرمون اليهود بالبحر فماذا ننتظر من اليهود أن يفعلوا غير محاولة الدفاع عن النفس لعدم تنفيذ هذا التهديد ورميهم بالبحر؟).

ولكن يبدو بأن الخطر على لبنان لم يكن من اليهود وإسرائيل بحسب تطور الأمور (إلا إذا كان عرفات وربعه كلهم عملاء لاسرائيل؟) بل كان من المنظمات التي بدأت بالتسلح ثم مد اليد إلى كل ما هو نظام وأمن وأخذت تزج البلد في حرب كان تجنبها في حزيران 1967 ولم يخسر أرضه كما فعلت مصر والأردن وسوريا وهي دول المواجهة الرئيسية والتي كانت جاهزة للتخلص من “دولة اليهود”.

لا نريد الغوص طويلا في الماضي ولكن كلنا نعرف بأن الحزب الذي انتمى إليه الرئيس الجميل هو من وقف بوجه الهجمة الفلسطينية وتعاون مع إسرائيل، من أجل السلاح والتدريب لكي يحمي لبنان ومواطنيه من أن يصبحوا لاجئين في “دولة فلسطين الجديدة”.

ومن هنا يوم دخلت إسرائيل ووصلت إلى بيروت في حزيران 1982، ولم يكن الشيخ أمين على علم بذلك، كانت نتيجة هذه العملية التي “تجاوز فيها شارون ما كان مسموحا له أن يقوم به” (بحسب كلام الرئيس الجميل) فوصل إلى بيروت واقتلع عرفات ومنظمته من لبنان لتستقر في تونس ويتسلم الشيخ أمين بلدا خاليا، على الأقل، من السلاح الفلسطيني الثقيل وكل عبئ منظمة التحرير وتشاوف عرفات بأنه يحكم لبنان وعلى الرئيس الجميل وغيره استرضاءه، بالاضافة إلى منطقة خالية من السوريين تمتد من بيروت وحتى الحدود الجنوبية.

الرئيس الجميل خاف، بحسب ما ورد في خطابه، من الرسالة الجانبية التي أضافها الإسرائيليون إلى اتفاق 17 أيار وهي تطالب بانسحاب الجيش السوري أيضا من لبنان ما اعتبره الرئيس الجميل (بحسب كلامه) خدعة سوف تؤدي إلى عدم تنفيذ إسرائيل للاتفاق.

ونحن بكل سذاجة نتساءل لماذا تكون هذه خدعة؟ هل إن الرئيس الجميل يملك معلومات أكيدة بأن إسرائيل وسوريا متفقتان على البقاء في لبنان؟ وإذا كان كذلك فماذا بيده أن يفعل؟ وإذا كان يخاف من إسرائيل و”ألاعيبها” لماذا لم يلزمها أقله ببنود الاتفاق التي تؤمن مجالا أكبر للمناورة وطلب خروج السوريين حتى لو كان ذلك سيتم، كما قال، بضغط الدول العربية؟

نحن نعتقد بأن الرئيس الجميل اعتمد على أن التعاطي مع اسرائيل أهين منه مع سوريا فهذه لا تزال قادرة على تهديده في بكفيا بينما اسرائيل ستكون ابعد. ولن تستطيع أن تتصرف كسوريا التي اغتالت بشير، وربما سمع تهديدا من هذا القبيل.

ولكن اليوم وبعد مرور حوالي 40 سنة على الموضوع وخروج الجيش السوري كليا من لينان فهل لا يزال الرئيس الجميل يخاف أن يفصح عن مثل هذا التهديد؟ لا أظن إلا إذا كان يعتبر حزب الله امتدادا للوجود السوري ويخاف مصير الرئيس الحريري؟

الرئيس الجميل إذا تصرف من دافع الخوف أن لا تخرج اسرائيل من لبنان بموجب الاتفاق. ولكن اسرائيل خرجت ولبنان دفع، بسبب عدم ابرام اتفاق 17 أيار، سقوط الجبل بكل مآسيه، وعودة السوريين المجللة إلى بيروت وكل لبنان. وهو بمحاولته استمالة “الخوارج” من اللبنانيين ليقبلوا بالتعاون معه، خسر مساندة دول العالم، وخسر اتفاقا مع جارته الجنوبية لا تزال مصر والأردن تنعمان بحسنات مثل هذا الاتفاق.

وخسر فيه لبنان ايضا الاقتصاد؛ حيث لأول مرة وصلت الليرة إلى حوالي خمسة آلاف. ومن ثم الاقتتال داخل المجتمع المسيحي، وداخل البيئة الشيعية، وبين سوريا وسنة طرابلس. ولم يعد في لبنان اي منطقة آمنة.

وكانت قمة الأمن في اثناء حكمه السيارات المفخخة المتنقلة بين الأحياء في العاصمة. ومن ثم عمليات خطف الأجانب والتفاوض لتحرير الرهائن والذي كان يتم مع الكل ما عدا الدولة التي يرأسها هو.

وقد أنتهى عهده بحرب التحرير ومن ثم حرب الالغاء بين عون وجعجع التي توجها اتفاق الطائف وكل التنازلات التي لم يكن ليقبل بها وهو على سدة الحكم. ومن ثم خسر حتى الحزب نفسه فسلبه منه بقرادوني واضطر هو ومن بقي خارج السجن أو القبر إلى العيش بالمنفى. فهل هناك حزمة ربح أكبر من هذه التي نتجت عن بعد نظر فائق ومعرفة عميقة بسياسات الدول ونتائج التخلي عن المعاهدات والاتفاقات؟

لا نريد أن نقسو كثيرا على الرئيس الجميل فنحن نكن له المحبة والاحترام ولكننا نريد منه أن يحترم عقولنا ويوم يكتب مذكراته فليستعرض الأمور لا كما كان يراها يوم كان في القصر، بل كما يراها اليوم وبعد وقوع لبنان ضحية لسياسات وخيارات لم تكن ناجحة وها نحن نتسابق إلى المزيد منها، مستعدين هذه المرة العالم العربي والدولي وملتحقين بمحور أقل ما يقال فيه أنه لم يعد يجد خبزا ليكفي جماعته وهو يسرق لقمة الفقير من معاجننا وقرشنا الأبيض الذي وفرناه لليوم الأسود. فهل نستمر باستعطافه واسترضائه خوفا من غضبه وهل ستكون نتائج غصبه أصعب مما نمر به اليوم؟

يبقى أن محاولات التودد لمن يكشر عن أنيابه أو التذاكي لنتجنب مفاعيل غضبه لن تجدي نفعا ولن تؤدي إلا إلى مزيد من الخراب وتخلي المجتمع الدولي ومن تبقى من بلاد العرب عنا.

فهل من يسمع؟ أو أن الكراسي لها مفاعيلها السحرية، ولو كانت صورية، على الكل من “المقاومين الأبطال” إلى المجربين من الرؤساء وحتى تجار الهيكل الذين يدفنون وزناتهم منتظرين مجيء الرب وساعة الحساب.

***

في أسفل الحلقة 3 من مذكرات الرئيس أمين الجميل التي نشرت في جريدة الشرق الأوسط.. ومحتوى هذه الحلقة بما يخص اتفاق 17 أيار  وتبني الجميل إلغاءه هو موضوع مقالة الكولونيل بركات التي في أعلى

أمين الجميل: ربطت التزامي الاتفاق مع إسرائيل بتنفيذ انسحابها من لبنان/«الشرق الأوسط» تنشر مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل (3)‬
21 حزيران/2020/لندن: «الشرق الأوسط»
في هذه الحلقة من مذكرات الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل التي تنشرها «الشرق الأوسط» يتناول ظروف توقيع اتفاق 17 مايو (أيار) 1983 بين لبنان وإسرائيل الذي أثار جدلاً كبيراً في لبنان في ذلك الحين، ويقول عنه الجميل: «كان يفترض أن يكون الحدث الأساسي لعهدي». ويذكر أن لبنان كان يسعى من وراء الاتفاق إلى خروج القوات الإسرائيلية التي دخلت بعد غزو عام 1982. لكن إسرائيل حاولت ربط انسحابها بانسحاب القوات السورية، الأمر الذي لم يوافق عليه الجميل وقال للأميركيين: «مفاوضاتنا هي لانسحاب الجيش الإسرائيلي، أما مشكلة الجيش السوري فنحلها بالتعاون مع الدول العربية.
وهنا نص الحلقة الثالثة
يقول الجميل: ما كدنا ننتهي من صوغ آخر بنود اتفاق 17 مايو ونستعد لتوقيعه في الغداة، حتى حدث انقلاب فجائي غيّر الموقف برمته في اللحظة الأخيرة. في 16 مايو طلب رئيس الفريق الأميركي في المفاوضات موريس درايبر مقابلتي على وجه السرعة. أعلمني بوجود «رسالة جانبية» (side letter) ملحقة، طلب الموفد الإسرائيلي من الأميركيين تسليمنا إياها، من المفترض أنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق. نصت الرسالة، المؤرخة 17 مايو – وهو اليوم المفترض للتوقيع – على ثلاثة شروط جديدة غير واردة في النص المتفق عليه بتوقيع ديفيد كيمحي رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض تقول إنها «للتأكيد، يرتكز موقف إسرائيل من تنفيذ المعاهدة بينها ولبنان التي وُقعت اليوم على بنود عدة هي الآتية:
> الحصول على معلومات وافية عن الجنود الإسرائيليين الذين فقدوا في أثناء العملية الإسرائيلية في لبنان، وإعادة الجنود الأسرى الذين تحتفظ بهم سوريا، وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية (وهم أسرى حرب)، واستعادة رفات الجنود الذين سقطوا منذ الرابع من يونيو (حزيران) 1982. كشروط أولية لانسحاب إسرائيلي من الأرض اللبنانية كما نصت عليه المعاهدة.
> انسحاب جميع العناصر الفلسطينيين المسلحين من لبنان، وكذلك انسحاب القوات السورية في شكل يتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية. تجدر الإشارة إلى أن انسحاب العناصر الفلسطينيين المسلحين من لبنان يتوافق مع الإشارات التي وردت في هذا الشأن في البند 204 من المعاهدة.
> إذا لم تتم إعادة الجنود الأسرى أو هذه الإعادات والانسحابات وفق الزمن المحدد، فإن إسرائيل تحتفظ بحقها في تعليق تنفيذها البنود الواردة في هذه المعاهدة. في هذه الحال أيضاً، فإن إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة الأميركية تتشاور على أساس الظروف المستجدة أو الطارئة. إذا ظلت المسألة من دون حل، تحتفظ إسرائيل بحقها في إعلان المعاهدة لاغية، وتتابع حماية أمنها بطرقها الخاصة».
قال لي موريس درايبر: «أفهم الإحباط الذي تشعرون به، لكننا لن نستسلم مع ذلك. فالوزير شولتز يؤكد لك دعمه، وسوف تبذل واشنطن كل الجهود في إسرائيل وسوريا لحلحلة الوضع. مواقف هذين البلدين ليست نهائية. لدينا كل الأسباب التي تدعونا إلى هذا الاعتقاد».
أجبته: «لا أستطيع إذن المضي في الاتفاق. مفاوضاتنا هي لانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، بعدئذ تساعدنا الدول العربية على حل مشكلة الجيش السوري في بلدنا مع دمشق».
إذن، في ضوء «الرسالة الجانبية» هذه، منح أحد الأطراف – وهو إسرائيل – نفسه سلفاً، من جانب واحد، حقّ- الرجوع عن توقيعه ساعة يشاء. بيد أن هذه الهرطقة القانونية لم تفُت وزير الدفاع الأميركي كاسبار واينبرغر الذي ذهب إلى حد الاشتباه في رياء زميله وزير الخارجية. فهو سيكشف، فيما بعد، أنه ما إن أُعلم بوجود الرسالة السرية الملحقة «المقبولة من وزير الخارجية جورج شولتز والمجهولة بحسب الظاهر من أمين الجميل» تبينت له بوضوح أسباب الفشل: «الاتفاق، مع رسالته الجانبية، يمنح الرئيس الأسد حق النقض في شأن أي انسحاب وأي نوع من العلاقات الطيبة التي قد تقيمها إسرائيل مع أحد جيرانها العرب، لبنان. في نظرة ارتجاعية، كان حق النقض هذا يطاول كل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. زد على ذلك أن سوريا سوف تستفيد منه في الحال بعدم الانسحاب من لبنان. أما السبب الذي دفع جورج شولتز إلى وصف مثل هذا الاتفاق لنا بعبارات مفعمة بالحماسة، فما زال بالنسبة إلى سراً خفياً».
أكان يتعين علي صفق الباب استياءً وترك الأمور على حالها؟ كان هذا يعني تعميق إغراقنا في الأزمة وفقدان دعم واشنطن التي سنكون، في كل الأحوال، في حاجة ماسة إليها، أقله لإدارة عواقب فشل محتمل للاتفاق. لذا، آثرتُ مرّة أخرى اعتماد حل «على الطريقة اللبنانية»، يتيح الحفاظ على علاقاتنا مع الأميركيين مع التمسك بحقوقنا الأساسية: إعطاء الوفد اللبناني الإذن بتوقيع الاتفاق عن غير اقتناع طبعاً، إنما مع تحفظات معينة تُصاغ بوضوح في رسالة لبنانية صارمة (side letter)، لبنانية، موازية مؤرخة أيضاً 17 مايو، موقعة من وزير الخارجية إيلي سالم موجهة إلى «العراب» الأميركي.
– نصت الرسالة اللبنانية الجانبية، الملحقة بالاتفاق تماماً، على غرار الرسالة الإسرائيلية الجانبية، على الآتي:
«يؤكد لبنان، ما لم تنسحب إسرائيل تنفيذاً لبنود الاتفاق، أنه سيكون في حل منه ويُعلق كل التزاماته. وفقاً لذلك يتشاور لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل في هذا المستجد. إذا بقي الأمر بلا حل، يعتبر لبنان نفسه حراً في إعلان الاتفاق لاغياً. وسيتابع السعي من أجل استعادة سيادته وانسحاب القوى الأجنبية من أراضيه كاملة بالوسائل المتاحة».
وجه إيلي سالم الرسالة إلى الموفد الأميركي فيليب حبيب، كذلك توجه بها السفير أنطوان فتال إلى السفير موريس درايبر، بالصيغة نفسها التي أقرها لبنان على نحو مشابه للصيغة التي تضمنتها الرسالة الإسرائيلية الجانبية. من ثم راسل درايبر ديفيد كيمحي وأبلغ إليه رسالة فتّال لأخذ العلم بها، كإحدى الوثائق الجديدة الرسمية التي باتت ملحقة بالاتفاق اللبناني – الإسرائيلي. حملت نسخ الرسالة اللبنانية الجانبية كلها تاريخاً واحداً هو 17 مايو، التاريخ نفسه في الرسالة الإسرائيلية الجانبية.
لم نكتفِ بهذا التأكيد، بل طالبتُ الموفد الأميركي، شرطاً لتوقيعنا، بأن يستكمل الوفد الأميركي المشارك في المفاوضات الأمر برسالة تضامنية معنا، يوقعها الرئيس ريغان، تضامناً مع موقفنا وداعماً له في المستقبل.
بناءً على إصرارنا، وافقت الولايات المتحدة على الموقف اللبناني بأن وجه إلى الرئيس ريغان رسالة جانبية ثالثة، مؤرخة بدورها 17 مايو أيضاً، هذا نصها:
«استناداً إلى العلاقات الطويلة والصداقة مع لبنان، شاركت الولايات المتحدة على نحو كامل في التوصل إلى اتفاق بينه وبين إسرائيل، ووقعت بنفسها كشاهد. ستتخذ الولايات المتحدة كل التدابير اللازمة كي تراقب تنفيذ الاتفاق كلياً، وهي تدعم السيادة والاستقلال السياسي ووحدة الأراضي اللبنانية، وستظل تدعم هدف الجمهورية اللبنانية في انسحاب كل القوات الأجنبية. في حال إخفاق القوات الأجنبية في الانسحاب، تجري الولايات المتحدة مشاورات طارئة وتتخذ خطوات أخرى تؤدي على النحو الملائم إلى تحريك خروج كل هذه القوات من لبنان.
تعترف الولايات المتحدة بأن لبنان دخل هذا الاتفاق شرط أن يكون حراً في تعليق تنفيذ التزاماته حياله، في حال عدم انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية بناء على بنوده.
لم يفت ريغان في ختام رسالته تأكيد إدارته أنها «ستدفع إلى الأمام المساعدة الاقتصادية والعسكرية بناء على طلب لبنان، وستدعم بالوسائل المناسبة إعادة البناء الاقتصادي في لبنان، وتطوير قواه العسكرية من أجل مؤازرة الحكومة اللبنانية في الاضطلاع بمسؤولياتها».
بهذه الرسالة احتفظتُ لنفسي، على الأقل بإزاء المستقبل، بشبكة إنقاذ سوف يثبت تطور الأحداث جدواها. احتفظتُ بالحق اللبناني الكامل في السيادة وبالدعم الأميركي الذي من دونه لأصبح لبنان في معركة غير متكافئة إطلاقاً في وجه سوريا وإسرائيل. أصبحت الرسائل الثلاث الملحقة، الإسرائيلية واللبنانية والأميركية (the side letters)، جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق، بل كتباً لاغية له.
– وثيقة مسممة
رغم كل ذلك، تم توقيع الاتفاق من الوفد المفاوض في ذلك اليوم، 17 مايو 1983. من غير أن ينطوي على أي بند سري أو يؤتى به لاحقاً. في 13 يونيو و14 منه، التأم مجلس النواب في جلسة تجلت فيها درجة عالية من التوافق والشعور بالتفاؤل رغم كل الصعاب، صَادَقَ في ختامها على الاتفاق وإجازة إبرامه بأكثرية 64 صوتاً، في مقابل صوتين معارضين وامتناع 4 نواب عن التصويت وتحفظ نائب واحد.
كنت آملُ في أن يحوز الاتفاق ليس الأكثرية الساحقة فحسب، بل الإجماع، كي يمسي موقفنا أقوى وأسلم حيال الدول العربية، ناهيك ببعديه الوطني والدستوري.
أدركتُ حجم العقبات التي تنتظرني، وقد عبّرتُ عن مخاوفي صراحة للرئيس رونالد ريغان من خلال ممثليه المشاركين في التوقيع على الاتفاق. كنت أخشى، لا سيّما بعد إبلاغي الرسالة الإسرائيلية الجانبية، أن بين يدي وثيقة مسممة، فأردت التحسب للمستقبل بأي ثمن.
رحتُ أتساءل عن الأسباب التي تدفع الدولة العبرية إلى ممارسة مثل هذا الضغط علينا، وعلى الإدارة الأميركية لعقد اتفاق تعرف أنه سيولد ميتاً بسبب رسالتها الجانبية. دفنت إسرائيل هذا الاتفاق قبل أي طرف آخر في 17 مايو بالذات، عكس ما راح يدعيه بعض معارضي العهد أنهم هم الذين أسقطوه. إسرائيل أسقطته من خلال الرسالة الجانبية، وأنا ألغيته بعدم إبرامه.
أي مبررات حملت إسرائيل على إهدار كل هذه الشهور والجهود في سبيل اتفاق، قبل أن تقرر نسفه وجعله حبراً على ورق؟ ثم، ألَم ينتقد ديفيد كيمحي نفسه أرييل شارون على طريقته في إدارة المفاوضات مع لبنان؟
جعلت تلّ أبيب من هذا الاتفاق الذي ما عاد أحد مقتنعاً به أحد الرهانات الأساسية لسياستها في لبنان، فجنّدت للدفاع عنه كل الدعم الذي تستطيع توفيره في بلدنا وفي واشنطن. في الواقع، جاءني تفسير ذلك على لسان وزير العلاقات الخارجية الفرنسية كلود شيسون الذي عزاه إلى إسرائيل نفسها.
عندما سألته، حينما زار بيروت في 4 مارس (آذار) 1984. وكانت انقضت أشهر على تجميد الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي، كيف يفسر تصرف الدولة العبرية، ضحك وقال: «بحسب معلوماتنا، منذ اليوم الأول، لم تكن إسرائيل تريد الاتفاق. علمتُ أيضاً أننا كنا ضحية مناورات وغش إسرائيلي استخدم فيه لبنان لأهداف أبعد منه. قبل إطلاق عملية «سلامة الجليل» في يونيو 1982، أبلغت إسرائيل إلى واشنطن أن الاجتياح العسكري سيقتصر على مسافة 40 كيلومتراً من الحدود بين البلدين. لكنها توغلت بجيشها حتى العاصمة بيروت، مما أثار غضباً كبيراً في العاصمة الأميركية. بقرار نادر جداً في تاريخ العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، أنزل الكونغرس في حقها عقوبات مالية وعسكرية شديدة، منها تجميد اتفاق بين البلدين، لذا احتاجت إسرائيل إلى اتفاق مع لبنان، أياً يكن، من أجل تبرير رفع الكونغرس هذه العقوبات. استبقت اجتماعه بالإعلان عن الاتفاق كي تؤكد خروجها من لبنان والتراجع من ثم عن العقوبات تلك».
أضاف الوزير الفرنسي: «إذا كان الأميركيون عزموا على اتفاق 17 مايو، فمرد ذلك إلى ما قاله لي شولتز بالذات عندما اجتمعتُ به في يوليو (تموز) الماضي: لم أكن في صدد المرور بلبنان، بل كنت قاصداً الشرق الأوسط. مروري بلبنان من أجل إيصال المفاوضات إلى نتيجة من شأنها فك الحصار عن الطائرات لإسرائيل».
فعلاً، عقب توقيعه، رُفعت العقوبات، وكان ذلك على الأرجح السبب الذي دفع الدولة العبرية إلى التشبث به بادئ ذي بدء، والحرص على منعنا من إبطاله قبل أن يقرر الكونغرس رفع العقوبات. لا شك في أن حكومة ليكود كانت تتطلب أيضاً ذريعة أمام الرأي العام الإسرائيلي بانتصار سياسي يمثله بالنسبة إليها توقيع اتفاق مع بلد عربي، في وقت أخذت الخسائر البشرية لجيش الاحتلال تتضاعف، حتى بات لبنان مشهوراً في صفوف المجندين الإسرائيليين بأنه «وادي الدموع».
في ذلك الاجتماع مع شيسون، في حضور السفير الفرنسي في بيروت فرنان فيبو، كشف لي المزيد من المعلومات: «تدرك إسرائيل تماماً أنها لا يمكن أن تقبل بالتصاق طائفة أو طائفتين بها، وما يهمها الاتفاق مع سوريا. حينما التقيتُ شامير قال لي: لا تصدق أننا في لبنان ندعم هذه الطائفة أو تلك. لدينا اتصال بكل من يمكن أن يساعدنا في الدفاع عن إسرائيل».
خاطبني شيسون بالقول: «الإسرائيليون غير مكترثين بما يحدث للبنانيين، وآمل في أن يدرك مواطنوك ذلك. لا أحد في لبنان يستطيع الاتكال على إسرائيل. قال لي شامير أيضاً إن ما تحتاج إليه حكومته هو اتفاق أمني. اتفاق 17 مايو شأن آخر. معمّر القذافي أكد لي أن اتفاق 17 مايو رديء للغاية، وعلى اللبنانيين مناقشة الأمن مع إسرائيل مباشرة. هي أقوال شامير نفسها».
ما قاله أيضاً إن «في وسع الأميركيين تحويل انسحابهم من لبنان إلى مسائل أخرى، يستطيع الرئيس ريغان أن يفعل ذلك لتغطية فشله في لبنان. عليكم أن تتقبّلوا هذه الحقيقة المحزنة: ما يحدث في لبنان ليس همّاً يومياً للأميركيين. لدي اعتقاد أن لحافظ الأسد مصلحة في إعادة النظام إلى البيت اللبناني. نحن ملزمون بسحب جنودنا في القوة متعددة الجنسيات، ونريد ذلك على نحو هادئ. لم يعد لوجودنا فيها أي معنى، ولذا يقتضي مغادرتنا. لم نرغب مرة في تجربتها، وكان دائماً لدينا قلق مما قد يحدث. خرج منها الأميركيون قبل أن يُكملوا مهمتهم».
كان من المفترض أن يشكل اتفاق 17 مايو 1983 الحدث الأساسي لعهدي، وبذلتُ أقصى جهدي لتفادي الفخاخ، لكن، هل كان يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك؟ هل كان في الإمكان تفادي هذا الإخفاق؟ ما زلت أطرحُ على نفسي هذا السؤال أكثر من أي وقت مضى، وأكثر من أي شخص آخر. على أي حال، امتنعتُ عن إعطاء الاتفاق الصيغة التنفيذية، فبقي بلا توقيع رئيس البلاد، أي من دون مفعول كأنه لم يكن.
في ظروف كهذه، أحجمتُ عن توقيع الاتفاق وإحالته على النشر في الجريدة الرسمية كي يصبح نافذاً، إدراكاً مني أنه، على الأرجح، وُلِد ميتاً، إلا إذا دفعت واشنطن، على نحو أو آخر، إسرائيل إلى الامتثال لبنوده وأبدت استعداداً لتنفيذه. وهذا ما كنت استبعده.
بمرور الزمن تيقنتُ من أنني أحسنتُ اتخاذ الموقف السليم برفضي التوقيع. رغم حملات الافتراء والتشويش عليَّ، فإن ضميري مرتاح إلى أنني خدمتُ وطني في تلك المرحلة الحرجة من التاريخ، وحفظته في وجه أخطار مدمرة.
رغم اقتناعها بأن اتفاق 17 مايو وُلد ميتاً – وقد امتنعتُ أنا عن توقيعه والعمل على نشره – جعلته سوريا «قميص عثمان»، واتخذت منه كل الأعذار من أجل إطلاق رصاصة الرحمة على لبنان، سيادة ونظاماً. لم تكتفِ بتأليب حلفائها ضدنا، بل أعلنت الحرب صراحة علينا، مهددة على نحو واضح جلي. اندفعت في حملة ترهيب في كل الاتجاهات ضدّ القادة الذين يتجرأون على معارضتها.